لم أكن أؤمن بالغول.

رغم أنني نشأت في بيت عربي محافظ، حيث كانت جدتي تروي حكايات المقابر والجن، كنت أتعامل مع كل ذلك بوصفه بقايا خيال شعبي… لا يصمد أمام مشرط العلم.

أنا طبيب شرعي.

وأعمل في مشرحة مستشفى حكومي كبير في إحدى المدن العربية.

الطابق السفلي حيث نعمل، ليس مكاناً يليق بالحياة.

هو عالم آخر… بارد، صامت، معزول، كأن الزمن فيه يتباطأ احتراماً للموت.

كنت أظن أن أقسى ما يمكن أن أواجهه هنا هو الجثث.

كنت مخطئاً.

كان معنا في القسم رجل واحد لا يشبهنا: عامل النظافة.

اسمه "عم جابر".

رجل مسن، نحيل، ظهره منحني، وصوته نادر كأنه لا يخرج إلا عند الضرورة.

لم أره يوماً يبتسم… ولم أره يوماً يخطئ في عمله.

كان يتحرك ببطء، لكنه… يصل دائماً في الوقت المناسب.

في البداية، لم أعره اهتماماً.

إلى أن بدأت ألاحظ أمراً غريباً.

في نهاية الممر، توجد غرفة صغيرة مخصصة لتوديع الموتى.

هناك… رأيت الحزن في أنقى صوره.

أمهات يصرخن حتى يفقدن الصوت.

آباء يسقطون على الأرض.

رجال يبكون كأطفال.

لكن شيئاً غير منطقي كان يحدث.

كلما دخل "عم جابر" تلك الغرفة…

يختفي الحزن.

ليس تدريجياً… بل فجأة.

كأن أحدهم أطفأ شعوراً كاملاً داخل الإنسان.

ثم تخرج العائلة…

هادئة… متماسكة… وكأنها لم تفقد أحداً قبل دقائق.

في البداية ظننتها مصادفة.

لكنها تكررت… مرة… ثم عشر مرات… ثم عشرات.

حاولت أن أستمع لما يقوله.

وقفت مرة قرب الباب…لكن ما سمعته لم يكن لغة أعرفها.

كان همساً ثقيلاً… كأنه يخرج من صدر لا من فم.

شعرت بقشعريرة تمتد في ظهري.

عندما سألت رئيسة القسم، نظرت إليّ بنظرة حادة وقالت:

" لا تتدخل فيما لا يعنيك… عم جابر يعرف عمله."

ثم أضافت ببطء:

"وهناك أشياء… لا يجب أن تُسأل عنها."

لكن أكثر ما أثار شكوكي…

كان القانون.

لا أحد يبقى في المشرحة بعد المغرب.

ليس السادسة… بل المغرب تحديداً.

وكأن الأمر مرتبط بوقت… لا بجدول عمل.

الجميع يغادر.

إلا عم جابر.

في إحدى الليالي… قررت أن أبقى.

اختبأت في غرفة قديمة خلفية…

وانتظرت.

حين أُغلقت الأبواب…

عمّ الصمت.

ثم سمعت صوتاً…

معدنياً… ثقيلاً…

قادماً من غرفة حفظ الجثث.

اقتربت.

لم أكن أصدق نفسي…

لكن فضولي كان أقوى من خوفي.

دفعت الباب قليلاً…

ورأيته.

كان عم جابر…

أو ما يشبهه.

واقفاً فوق جثة شابة وصلت ذلك اليوم.

يداه… داخل جسدها.

ليس بمشرط…

بل كأن اللحم نفسه ينفتح له.

ثم أخرج شيئاً… أسود لامعاً.

عرفته فوراً…

الكبد.

رفعها إلى فمه…

وهنا…لم يعد إنساناً.

فمه اتسع… بشكل غير طبيعي.

أسنانه طويلة… داكنة… غير بشرية.

ثم بدأ بالأكل.

ببطء…بشراهة…بهدوء مرعب.

تراجعت خطوة… فاصطدمت بشيء.

سقط على الأرض.

الصوت… كان كافياً.

تسمرت بمكاني ...

ثم سمعت صوتاً…

ليس بشرياً.

" من هناك…؟ "

ركضت.

لكنه… كان أسرع.

بشكل لا يليق برجل في عمره.

وجدني.

رفعني بسهولة… كأنني لا شيء.

ثم نظر في عيني مباشرة…

وقال: " هل .. رأيت...؟! "

لم أستطع الكلام.

فقال: " أنا لست شيطاناً… كما تظنون."

توقف… ثم ابتسم ابتسامة مشوهة: " أنا… من نسل الغيلان."

تجمد الدم في عروقي.

الغول…ذلك الكائن الذي كانت جدتي تخيفنا به… كان أمامي.

قال بصوت منخفض:

" نحن لا نقتل الأحياء… إلا إذا اضطررنا.

نحن نعيش على الموتى… منذ آلاف السنين."

ثم أشار إلى الجثة:

" لكنكم… جعلتم الأمر أسهل."

لم أفهم…

حتى أكمل:

" كنتم تدفنون موتاكم… فننبشهم.

الآن… تجمعونهم لنا… في مكان واحد."

ثم اقترب مني أكثر…

وقال:

" أما العائلات…"

ابتسم ابتسامة باردة :

" فهذه… الصفقة."

سألته بصوت مرتجف : " ما الذي تفعله لهم ؟ "

أجاب: " الحزن… طاقة ثقيلة .. تقتل الأحياء ببطء."

ثم وضع يده على صدره :

" نحن نأكل الجسد… ونأخذ الحزن معه."

"أسحبه منهم… وأبتلعه."

شعرت بالغثيان.

" فيخرجون… بسلام."

ثم نظر إليّ طويلاً…

وقال: " المستشفى يعرف ، ورئيسة القسم تعرف."

هنا فهمت كل شيء.

" وأنت الآن… تعلم."

قالها… بصوت أصبح بارداً فجأة.

"وهذا… خطر"

توسلت إليه… لم أكن أريد أن أموت.

قلت له:

"لن أتكلم… سأساعدك… كما يفعلون."

نظر إليّ… طويلاً.

ثم اقترب من أذني… وهمس: " إذا خنت… الصفقة…"

ثم توقف… ويكمل :

" لن أنتظر موتك."

تركني وغادر.

لم أنم منذ ذلك اليوم.

أفكر في سؤال واحد فقط:

هل ما يفعله… شر ؟

أم… رحمة؟

أنا طبيب.

أقسمت أن أحمي الأحياء.

لكنني…أصمت الآن…

لأن هناك شيئاً في هذا القبو…

يجعل الألم… يختفي.

وغداً…سأعود إلى العمل.

وسأحيّي عم جابر.

وأغادر… قبل المغرب.

دائماً.

في تلك الليالي التي تلت… لم أعد أفكر فيه كوحش فقط.

بدأت أفكر في ما يفعله… كفكرة.

الحزن، كما تعلمت، ليس مجرد دموع… بل رابط.

رابط خفي بين الحي والميت، يشد الإنسان إلى ما فقده، ويجعله يعيش جزءاً منه حتى بعد رحيله.

ما يفعله الغول… ليس إزالة هذا الرابط، بل اقتلاعه.

هو لا يواسي…

بل يختصر التجربة الإنسانية نفسها.

يسحب الألم من جذوره، ويترك خلفه فراغاً نظيفاً، بارداً… يشبه تلك الطاولات المعدنية في المشرحة.

ولهذا… لم يكن ما رأيته رحمة خالصة.

لأن الحزن، رغم قسوته، هو الدليل الأخير على أن ما فقدناه… كان يعني لنا شيئاً.

وأنا الآن… لا أخاف فقط مما يأكله الغول… بل مما يتركه خلفه.