في أحد الأمسيات الهادئة في مدينة بونا الهندية .. كنت أجلس مع صديقي "رام" على إحدى المقاهي المطلة على شارع مزدحم كما نفعل دائماَ.. كانت السماء تميل إلى الظلمة .. والهواء مليء برائحة الطعام الهندي والتوابل. في تلك اللحظة .. خطر في بالي سؤال غريب كنت أتردد في طرحه على رام منذ مدة. كنت قد سمعت عن قصر مهجور يقع في نهاية شارع "بانير" .. بجوار بحيرة صغيرة. قصص الرعب المحيطة بذلك القصر كانت تتردد على ألسنة الناس في المدينة .. ولكني لم أكن قد عرفت الكثير من التفاصيل.

نظرت إلى رام وسألته بشكل عفوي: "هل تعرف شيئًا عن القصر المهجور في نهاية شارع بانير؟". التفت إليَّ رام بعينين غامضتين .. وكأنني أثرت في نفسه شيئًا كان يحاول نسيانه. انتظر للحظة ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال: "هل أنت جاد؟ تريد أن تعرف عن القصر؟"

أجبت بحماس: " نعم .. ولكن لا أريد فقط أن أسمع عنه .. أريد أن أذهب إلى هناك وأرى بنفسي."

فكر رام قليلاً قبل أن يقول: "إذا كنت مصراً .. فلنذهب غداً. ولكن دعني أحذرك .. هذا المكان ليس مكاناً عادياً .. والأحداث التي حصلت فيه ليست مجرد قصص خرافية."

في اليوم التالي .. كان الجو ثقيلاً .. وكأن السماء تنذر بحدوث شيء غير طبيعي. اتجهنا معاً إلى نهاية شارع بانير .. حيث القصر المهجور. القصر كان يقف شامخاً وسط الأشجار الكثيفة كأنه يختبئ من العالم .. حوائطه القديمة متآكلة والأبواب الخشبية تكاد تكون متهالكة. شعرت بتيار بارد يسري في جسدي بينما كنا نقترب من بوابة القصر.

قبل أن ندخل .. بدأ رام يسرد لي القصة الحقيقية للقصر وصاحبه:

كان صاحب القصر .. راجيف .. فقيرًا في بداية حياته .. يعيش بالكاد على دخله المتواضع .. ولكنه كان يحمل في قلبه طموحاً هائلاً. أراد الثروة بأي ثمن .. وكان على استعداد للقيام بأي شيء للحصول عليها. على مر السنين .. كلما فشل في تحقيق حلمه بالثروة .. ازداد تعطشه وجشعه. وفي أحد الأيام .. سمع عن طقوس السحر الأسود المعروفة في الهند باسم "الأقوري". تلك الطقوس كانت تتمتع بسمعة مرعبة .. حيث يُقال إن من يمارسها يحصل على قوى شيطانية مقابل التضحية بأغلى ما يملك.

دفعه جشعه إلى البحث عن ساحر أقوري .. وعلى الرغم من المخاطر والتحذيرات التي تلقاها .. قرر أن يغامر. بعد أشهر من البحث .. وجد الساحر الذي وعده بالثروة .. ولكنه حذره من أن الثمن سيكون باهظًا. لم يهتم راجيف بالثمن؛ كل ما كان يهمه هو أن يحقق حلمه. بدأ في تنفيذ الطقوس .. وكانت الأمور تتغير بسرعة. ثروته بدأت تنمو بشكل لا يُصدق. القصر الذي كان مجرد كوخ بسيط أصبح قصرًا فخمًا .. والحياة المرفهة أصبحت نمطاً طبيعياً له.

ولكن .. كما يحدث دائمًا مع السحر الأسود .. كان هناك جانب مظلم لا مفر منه. جشع راجيف لم يكن له حدود. بعد أن أصبح ثريًا .. رأى زوجة جاره .. وهي امرأة فاتنة الجمال. وقع في حبها بشكل مهووس .. وأراد أن تكون له .. رغم أنها كانت متزوجة وسعيدة في حياتها. طلب من الساحر مساعدته في الحصول عليها .. ولكن الساحر حذره بشدة. قال له: "هذه المرأة متزوجة .. وإذا حاولت الحصول عليها بالقوة .. سيجلب لك ذلك الخراب واللعنة."

لكنه لم يستمع. جنونه بتلك المرأة كان أقوى من أي تحذير. قرر أن يتصرف بمفرده .. ودبر خطة للتخلص من زوجها. في إحدى الليالي المظلمة .. دعا الزوج إلى القصر بحجة العمل .. وهناك في الظلال الخفية للغرف الباردة .. قتله بدم بارد.

لكن الأمور لم تسر كما خطط لها. بعد أن قتل الزوج .. حاول راجيف التقرب من المرأة .. لكنها رفضته بشدة. لم تكن فقط تكرهه .. بل كانت تشعر برعب لا يوصف كلما اقترب منها. أخبرت الناس أن روح زوجها ما زالت تطاردها .. وأنها ترى ظله في كل مكان. لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الأشباح تظهر في القصر. في البداية .. كان راجيف يراها في زوايا عينيه .. تحرك أشياء صغيرة .. همسات في الليل. لكنه تجاهلها. لم يكن يعتقد أن الأرواح قادرة على لمسه.

ولكنه كان مخطئًا. الأشباح بدأت تطارده بشكل مباشر. كان يسمع أصواتًا غريبة في الليل .. يشعر بأيدٍ باردة تلمس جسده. وفي إحدى الليالي .. استيقظ ليجد نفسه محاطًا بالظلال. كانت الأرواح تهمس له بكلمات غير مفهومة .. تملأ عقله بالجنون. لم يعد يعرف هل هو حي أم ميت .. هل هو في حلم أم كابوس.

تدهورت حالته العقلية بسرعة. كان يصرخ في الليل .. يرى وجوهًا مشوهة في المرايا .. ويسمع أصواتاً تطلب منه الاعتراف بجريمته. في النهاية .. لم يستطع التحمل. قفز من نافذة القصر في محاولة يائسة للهروب .. لكنه لم يصل للأرض. تقول الأساطير أن روحه الآن محبوسة داخل القصر .. تائهة بين الحياة والموت .. تبحث عن خلاص لن يأتي أبداً.

عندما أنهى رام قصته .. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. كانت الرياح تزداد قوة .. وكأن القصر نفسه يستمع إلى قصتنا. ترددنا للحظة قبل أن نخطو نحو الداخل .. ولكن كان قد فات الأوان.

واجهتني رغبة غريبة في العودة .. شيء بداخلي كان يصرخ أنني ارتكبت خطأً فادحاً بالمجيء .. ولكن "رام" ظل هادئاً .. وإن كان وجهه لا يخلو من التوتر. لكنني .. مغلوب على فضولي .. أصررت على الدخول. لقد وصلت إلى هذا الحد .. ولم أكن لأتراجع الآن.

القيت نظرة أخرى على القصر كان غارقاً في الظلام يحيطه السكون الغريب،  وبدأت ظنوني توحي لي بأن هناك أشياء تتحرك داخل القصر ترتدي نفس لون الظلام والفزع ،  خيل الي انني اراهم من خلال النوافذ مكسورة الزجاج،  بدأت اتصبب عرقاَ رقم الجو البارد، وأرتجف من الخوف. في تلك اللحظة أيقنت فعلاَ أنني لن أتحمل مغامرة الدخول لهذا القصر المرعب. نظرت الى صديقي رام لأنقل له رأئي النهائي فوجدته أيضاَ متوتر ويبدو أنه يشجع نفسه كي لا يخزلني أو يبدو جباناً أمامي. 

ولما قلت أنني قررت عدم الدخول وطمأنته أننا سنعود في وقت آخر بدا عليه الإرتياح وتنفس الصعداء، ولكن رغم ذلك قال مازحاً: هل جبنت؟، لقد قلت لك أن المكان مرعب من قبل، ولكن صدقني الآن أراه أرعب مما تخيلت، أن تسمع شئ وترى بنفسك وتجرب شئ آخر. 

الدخول إلى عالم الظلام

تنفسنا الصعداء وشعرنا بالإرتياح وهممنا للعودة ومغادرة هذا المكان الموحش، ولكن قبل أن نكمل إستدارتنا، سمعنا صوتاً ينادي "راااام" من أمام المدخل الرئيسي للقصر المظلم، لم نكن نصدق آذاننا، ولكننا رأينا آخر شئ كنا نتوقعه، صديق رام "قوتام" ينادي علينا وهو خارج من القصر ضاحكاً ومرحباً بنا. كنا غير قادرين على الحركة أو اي ردة فعل سوى الصمت الأبله وأعيننا تحدق ناحية "قوتام" في غير تصديق أو إستيعاب، حتى شعرنا بيديه تربت على أكتافنا مازحاً ومرحباً. أخيرا نطق رام متسائلاً: أنت ؟؟  ماذا تفعل داخل القصر ؟

رد قوتام: يبدو أنه توارد خواطر، أنا ومجموعة من الأصدقاء أتينا هنا للمغامرة والإستكشاف مثلكم تماماً. كان يتحدث بينما أمسك بأيدينا يقودنا نحو مدخل القصر قائلاً: هيا، بقية الأصدقاء في إنتظارنا في الداخل. 

عندما خطونا داخل القصر .. كانت أول ما لفت انتباهنا هي رائحة العفن والدمج الغريب بين البرد والحرارة. الجدران قديمة ومكسورة .. وأجزاء من السقف متساقطة .. كأن القصر نفسه يبكي ببطء موتاً بطيئاً. أصوات غريبة كأنها همسات من الماضي كانت تملأ الأرجاء .. رغم أن الهواء كان ساكناً. أضواء ضعيفة من شقوق في السقف كانت تعطي المكان وهماً خفيفاً من الأمان .. لكننا كنا نعلم أن كل شيء هنا غير طبيعي.

أشار لنا "قوتام" ان نستكشف المكان وصعد الى الطابق الثاني مردداً أنه سينادي بقية الأصدقاء. بينما رحنا نستكشف البهو الكبير.

كانت الأبواب تصدر صريراً مخيفاً في كل مرة نلمسها .. كأنها تشتكي من لمسنا لها. مع كل خطوة نخطوها .. كان صوت الحجارة المتناثرة على الأرض يصنع صدى غريباً .. كان يبدو وكأننا نسمع خطى أخرى خلفنا .. أو حتى بجانبنا. كل شيء حولنا بدا وكأنه يتحرك في الخفاء .. يعطينا إحساساً بأننا لسنا وحدنا.

في إحدى الغرف الواسعة والمظلمة .. شعرنا بأن الجدران تنبض .. وكأن القصر له قلب ينبض بالحياة. فجأة .. ظهرت على الجدران نقوش غريبة .. شعارات وأشكال لا يمكن فهمها .. كأنها كانت مكتوبة بلغة قديمة مجهولة. حاول "رام" أن يشرح لي أن هذه الرموز تتعلق بالسحر الأسود .. وأنها قد تكون جزءاً من الطقوس التي استخدمها صاحب القصر لجلب الثروة .. لكنه بدا غير واثق بنفسه.

لقاء مع الرعب

في لحظة لا تنسى .. وقع نظرنا على شيء مرعب: في أحد الزوايا المعتمة .. ظهرت لنا امرأة شاحبة .. وجهها مشوه وعيناها فارغتان .. تحدق فينا بصمت مرعب. لم تكن تتحدث .. لكنها كانت تنقل لنا شعوراً بالرعب القاتل. كان جسدها مغطى بثياب ممزقة .. وكانت يداها الطويلتان تبدوان غير طبيعيتين .. وكأنها خرجت من أعماق كابوس.

"رام" حاول أن يمسك بي ويجرني للخارج .. لكن قدماي تجمدتا في مكاني. شعرت بقلبي يتوقف للحظة .. وكأنني علقت بين عالمين. بدأت تلك المرأة تتحرك باتجاهنا ببطء .. كل خطوة كانت تصدر صوتاً مثل حفيف الأوراق الجافة .. لكن ما كان أكثر رعباً هو أن خطواتها لم تلمس الأرض. كانت تطفو بشكل غير مرئي باتجاهنا.

في تلك اللحظة .. بدأ كل شيء من حولنا يتغير. الجدران بدأت تدور من حولنا .. وكأننا عالقون في دوامة. الأصوات أصبحت أعلى وأكثر تشويشاً .. كأن الجدران تصرخ بنا .. تلعننا لأننا دخلنا هذا المكان.

القفز بين الجنون والعقل

بينما كنا نحاول العثور على المخرج .. بدأت الأرض تحتنا تتحرك .. كأنها تنبض بالحياة .. وكأننا نسير على سطح شيء حي. في كل زاوية من القصر .. كان هناك شيء ينتظرنا .. طيف أو صوت .. أو همسة تجعلنا نشعر بالجنون. بدأنا نسمع أصواتاً غريبة .. أصوات ضحكات متقطعة وأصوات نحيب. "رام" أمسك بي بشدة وقال بصوت متهدج: "علينا أن نخرج الآن .. وإلا سنفقد عقولنا هنا."

كنت أسمع أصواتاً غريبة تناديني باسمي .. كأنها قادمة من أعماق القصر. في لحظة يأس .. نظرت إلى "رام" وكان وجهه قد تغير .. بدا وكأنه يرى شيئاً لا أراه .. عيناه كانتا مفتوحتين بشكل مرعب .. وكأنه كان يرى المستقبل أو ربما نهايتنا.

رحت أردد في صوت خائف مرعوب كل ما تذكرته من آيات وأذكار، وكان رام ينظر إلي وكأني بت أهلوس من الخوف، فعلاً كانت الأذكار تخرج من فمي كالحشرجة أو كصوت الإنسان عندما يتحدث وهو غاضب أو غارق في البكاء ..

أخيراً .. وجدنا المخرج .. أو هكذا ظننا. كانت الأبواب تغلق أمامنا كلما اقتربنا منها .. وكأن القصر لا يريد أن يغادره أحد. ولكن في لحظة جنونية من الهلع .. استطعنا أن نفتح أحد الأبواب وركضنا خارجاً بأقصى سرعة.

الهروب بأعجوبة

عندما خرجنا من القصر .. كنا مبللين بالعرق رغم أن الجو كان بارداً في الخارج. لم نلتفت وراءنا .. كنا نسمع أصواتاً تتبعنا حتى ونحن بعيدون عن القصر. كانت الامطار قد بدأت تهطل .. وغطت السماء بسحب سوداء كأنها تعكس الشر الذي رأيناه في الداخل.

"رام" ظل صامتاً طوال الطريق .. كان واضحاً أنه كان يعاني مثلما كنت أعاني. كلانا كان يحاول استيعاب ما حدث .. ولكن في أعماقنا .. كنا نعلم أن هناك أشياء في هذا العالم لا يجب الاقتراب منها. ذلك القصر كان واحداً منها .. ولم نكن مستعدين للعودة إليه أو حتى الحديث عنه.

وكلما أبتعدنا من القصر إزددنا هدوءاً وطمانينة وفجاءة تذكرنا "قوتام" وأصدقاءه،  مالذي حدث لهم يا ترى؟ ، قال رام مفكراً: يستحيل أن نعود لذلك القصر على الأقل الليلة، سنعود في الصباح إن أمكن لنري ماذا حدث لـ "قوتام" وأصدقاءه،  وافقته على الفور فبالنسبة لي العودة الى هناك تعني دخولك للكابوس بكامل إرادتك.

في اليوم التالي قابلت رام في وقت متأخر، كان يبدو مصدوماً وغير مصدق. فسألته هل عرف أي أخبار بشأن "قوتام"؟، فقال: هذا ما جئت لأخبرك به،  وأكمل: لقد ذهبت لمنزل "قوتام" لمعرفة أخباره ففتح لي الباب بنفسه، وكنت أحدق فيه غير مصدق وكأنني أعمل "إسكان" لجسده لأطمئن على سلامته. سألني "قوتام" مالك؟ ، تنظر إلي وكأنك تراني لأول مرة .. ولما ذكرت له مغامرة الأمس إندهش وأكد لي أنه لم يتحرك من البيت لأنه ظل مريضاً طيلة الأيام الماضية. صعقت طبعاً من كلامه وظللت أساءله واكرر: انت لم تكن معنا في قصر راجيف المهجور؟ وظل يؤكد لي أنه حتى وإن لم يكن مريضاً فلن يذهب إلى هناك. فظللت أتسآل مرعوباً: من الذي قابلنا هناك إذا؟، وبل شجعنا على دخول الكابوس بأرجلنا ؟

هل تعتقد أننا كنا سنعود لذلك القصر الملعون مرة أخرى مهما كان الثمن؟ ، طبعاً لا .. هذا ما كنت أعتقده ولكن كان للقدر رأي آخر فقد قادنا إلى هناك بطريقة لم تخطر لنا على بال ..

كنت أنا و"رام" نعتقد أن الأمور قد انتهت. الهروب من ذلك المكان كان معجزة بحد ذاته .. وشعرنا بأننا نجونا من شيء لا يمكن للعقل تصديقه. ولكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد. بعد أيام قليلة من تلك الليلة المشؤومة .. لاحظت على رام الشرود على غير عادته، فقد أعتدت أن يقابلني هاشاً باشاً وأحياناً يشتمني بلغة أهل ولاية "مهراشترا" "المهراتي" لأن أول ما تعلمته من هذه اللغة كانت الشتائم .. ومن الطرائف أن كل من أشتمه بالمهراتي كان يموت من الضحك تماماً كالطفل الذي يتلفظ بكلمة بذيئة سمعها من أحدهم ويرددها أمام الأسرة والضيوف فلا يملك الجميع سوى الضحك .. 

هذه المرة أجلسته وقلت له معاتباً: 

هناك شئ يشغلك وأنت لا تريد أن تشركني .. ما هو ؟ اريد أن أعرف ماذا يجرى .. فقال لي أن روح السيدة التى كانت صورتها معقلة على جدار القصر تريدك أن تنقذ روحها .. قلت مندهشاً: أنا ؟؟ انقذ روح من ؟ .. أتعني انك تريدنا أن نعود للقصر الملعون مرة أخرى ؟ .. أكيد أنت تمزح .. اليس كذلك ؟ .. 

هز رام رأسه نافياً .. فانتفضت فيه غاضباً: 

إذا كنت تريد أن تتخلص مني فأنا سارحل من هذه المدينة بكل بساطة .. ولا داعي أن تتخلص مني بهذا الشكل.. ضحك رام لأول مرة وقال متفهماً: ولماذا أتخلص منك؟ هل سأرثك مثلاً؟ ثم إنك لا تملك شئ أرثه أصلاً .. ثم أردف جاداَ هذه المرة: المرأة التى كانت صورتها معلقة على الجدار .. قاطعته: أي امراة ؟ أنا لم أرى اي صورة ..

وبدأ يسرد لي الحكاية:

منذ هروبنا من القصر تلك الليلة بدأت الأحلام المزعجة تلاحق صديقي "رام".

كان يرى نفس المرأة التي وجدنا صورتها على أحد الجدران المتهالكة في القصر .. 

كانت تظهر له في المنام بشكل متكرر .. وهي تتوسل إليه طلبًا للمساعدة. في البداية .. كانت تبكي وتطلب منه بلهجة يائسة أن ينقذها من شيء لم يكن واضحاً. ومع مرور الوقت .. تحولت هذه المرأة من مجرد توسل إلى تهديدات صريحة. كان الأمر كما لو أن روحها محبوسة في مكان ما ولا تستطيع الفرار .. وكانت غاضبة لأنه لم يساعدها بعد.

"أنا أراها كل ليلة... إنها تأتي إليّ وتطلب مساعدتي... أحيانًا تتوسل .. أحياناً تهددني... أشعر بأنني لا أستطيع الهروب منها. إنها محبوسة في لعنة ما بسبب السحر الأسود الذي مارسه راجيف القاتل. تريدنا أن نعود إلى القصر ونحرر روحها."

أحسست بالخوف يتسلل إلى داخلي عندما قال ذلك. كان من الصعب علي أن أصدق أن شيئًا كهذا يمكن أن يكون حقيقياً. روح محبوسة ؟ سحر أسود ؟ كل شيء بدا وكأنه مأخوذ من كابوس .. ولكنه كان حقيقياً جداً لـ "رام".

كنت متردداً .. 

فكرة العودة إلى ذلك المكان المخيف جعلت دمي يتجمد في عروقي. ولكن "رام" كان مصمماً .. وكان يشعر بأن الأمر يتطلب منا القيام بشيء.  قال لي وهو ينظر إليّ بنظرات ملؤها اليأس. "إنها روح مسكينة .. يجب أن نساعدها .."

ولكن ألم تقل لك المرأة كيف سأساعدها أنا ؟ ولماذا أنا بالذات ؟ ..

أجاب رام بالنفي أي انها لم تقل لماذا اختارتني ولكنه أكد أن هوسي بالقصر من البداية لم يكن صدفة على ما يبدو .. ما فهمته أنها تريدك أن تقرأ على راجيف آيات محددة من القرآن حتى تتحرر روحها .. فنظرت له بدهشة وعدم تصديق .. هل أنت جاد في ما تقول؟ قلت بإنفعال .. هل أبدو لك كشيخ أو رجل دين؟ .. فرد بمنطق غريب لم أستوعبه في البداية: المسألة أعتقد ليست في المظاهر .. يعني انت لا تبدو كشيخ أو رجل دين بالشكل المتعارف عليه أو المألوف .. ولكن هذه روح، يعني بالتأكيد ترى ما لا نراه وتعرف ما لا نعرفه .. ربما رأت فيك المؤهلات أو الملكات المطلوبة لتحريرها .. 

ولكن لماذا القرآن ؟ هل هي مسلمة ؟ .. 

نعم كانت مسلمة فهي زوجة جاره التى خلبت لبه وصار مهوساً بحبها .. أتذكر؟ .. هززت رأسي وقلت: يعني أنت تتكلم بجدبة وهذه ليست مزحة أو مقلب ما ؟ .. 

في النهاية .. ما كان لي أن أتركه يذهب وحده. كان يجب أن أكون بجانبه .. ليس فقط لأنه صديقي .. ولكن أيضًا لأنني شعرت بأنني مسؤول جزئيًا عما يحدث له. وافقت على الذهاب معه .. وقررنا أن نعود إلى القصر في نفس الوقت الذي دخلناه فيه من قبل .. حينما كان الظلام يغطي المكان.

العودة إلى القصر: رعب غير متوقع

في تلك الليلة المظلمة .. عدنا إلى القصر الملعون. الطريق إلى هناك بدا أكثر ظلاماً ورعباً مما كان عليه في المرة الأولى. كان المكان يحيط به الصمت القاتل .. وكأن الطبيعة نفسها تتجنب الاقتراب منه. شعرت بالقشعريرة تسرى في جسدي بمجرد أن رأينا بوابة القصر الضخمة المتهالكة تظهر أمامنا من خلال الضباب الكثيف.

لكن بمجرد اقترابنا من القصر .. شعرنا بشيء غريب. لم يكن مجرد خوف عادي. كان هناك إحساس قوي بأننا مراقَبون. وكأن القصر نفسه يحدق بنا وينتظر اقترابنا. تحولت الرهبة إلى توتر مكثف حينما وصلنا إلى البوابة الرئيسية ووجدناها مفتوحة قليلاً .. رغم أنها كانت مقفلة بإحكام في المرة السابقة.

عندما دخلنا .. كل شيء بدا كما كان من قبل. الجدران المتشققة .. الأرضيات المليئة بالأتربة .. الهواء الثقيل الذي يحمل معه رائحة العفن والخوف. ولكن كان هناك شيء آخر... شيء لم نكن نلاحظه في البداية.

المفاجأة المروعة: عودة راجيف

بينما كنا نتجول في الغرف الفارغة بحثًا عن أي علامة تدل على الروح المحبوسة .. توقف "رام" فجأة. وجهه تحول إلى اللون الأبيض .. وعيناه اتسعتا بالرعب. استدار نحوي وأشار بصمت إلى زاوية مظلمة في إحدى الغرف.

عندما اقتربنا منها .. كاد قلبي أن يتوقف. هناك .. في تلك الزاوية المعتمة .. كان هناك جثمان ملقى على الأرض. كان راجيف .. الشخص الذي قيل إنه فقد عقله بعد استخدامه للسحر الأسود. لم يكن هذا الأمر مفاجئًا فقط .. بل كان مريعًا بشكل لا يمكن وصفه. وجهه كان ملتويًا بتعبير يجمع بين الألم والجنون .. وكأن شبحًا كان يطارده حتى اللحظة التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة.

ولكن الشيء الأكثر رعبًا كان أن جثة راجيف لم تكن طبيعية .. 

كانت تبدو وكأنها محنطة بطريقة غير طبيعية .. رغم أنه لم يكن قد مر وقت طويل على وفاته. جسده كان مغطى برموز غريبة محفورة على جلده .. والهواء حوله كان يحمل رائحة الموت المخلوطة بشيء آخر... شيء لا يمكن تفسيره.

حينما نظرنا إلى هذا المشهد المخيف .. فهمنا أن راجيف لم يمت بطريقة طبيعية. بل كان موتًا ناتجًا عن السحر الذي استخدمه. تلك الرموز كانت جزءًا من الطقوس التي مارسها .. وها هي قد انعكست عليه وجعلته يلقى هذا المصير الفظيع.

بينما كنا نحاول استيعاب ما نراه .. 

بدأنا نشعر بأننا لسنا وحدنا في القصر. الهواء أصبح أثقل .. والظلام حولنا بدأ يتحرك وكأن هناك كائنات خفية تراقبنا من كل زاوية. فجأة .. سمعنا صوت خطوات تتقدم نحونا من خارج الغرفة. التفتنا بسرعة .. لكننا لم نرَ أحداً.

حاولت أن أقرأ آيات من القرآن أو الأذكار ولكن ما جعلني أصاب بالذعر أن ذهني صار مجمداً لم أعد أذكر أي شئ ولو آية من القرآن .. وما زاد زعري وإضطرابي ظهور شبح المرأة المفاجئ .. فظل رام يحثني على التلاوة بنفاذ صبر ويلح بشدة .. كنت مجمد الذهن والبدن تماماً .. 

ولكن بدون أي مقدمات شعرت بنسمة باردة منعشة وحلوة بين ضلوعي وإعترت لساني نشوة غريبة كأنه يتذوق عسل غامض سرت حلاوته بين أعصابه وخلاياه .. ثم شعرت وكأنني صرت أداة لكائن خرافي يتلو بها آيات بينات من كتاب الله .. كان الصوت عذباً رخيماً يهز الكيان .. كنت كعود الناي خاوي تماماً من الداخل كما يجب والكائن يعزف من خلالي وأنا غير مدرك لما يقول .. أي انشودة سماوية تلك لا أدري ولكن النشوة في لساني انستني من أكون ومن أنا وأين كنت .. 

لم أفق من حالتي تلك إلا ورام يعانقني فرحاً ويقفز هاتفاً: لقد نجحت .. لقد نجحت .. في البداية لم أستوعب فيما نجحت ولكن عندما بدأ الضباب ينقشع من أمام ناظري تدريجياً .. رأيت نفس المرأة ولكن حولها هالة بيضاء وبريق أخاذ تبتسم إبتسامة عذبة وهي تحلق نحو الفضاء .. نظرت حولي وجدت البهو صار طبيعياً .. تلك الهالة الغليظة من الخوف والزعر إختفت والأجواء طبيعية تماماً .. جثة راجيف أيضا لا توجد في المكان الذي رأيناه .. اختفت وأظن للأبد مع لعنة بغيضة وجريمة لا تغتفر .. 

ونحن نغادر القصر سألت رام هل سمعتني أتلو شيئاً .. 

رد في انفعال ظاهر وحماس عجيب: سمعتك ؟ بل نظراتك المخيفة تجاه راجيف جعلتني أعتقد أنك "سوبرمان" لقد كان مخيفاً يزمجر كالرعد يرمقك بنظرات الكراهية والحقد ويمطرك بلسانه العفن بشتى الوان التهديد والوعيد .. ولكن أذهلتني يا صديقي حينما بدأت تتلو تلك الكلمات بدأ راجيف يتلوى من الألم ويتقهقر حتى تلاشى تماماً .. فسالته بدهشة: هل كان راجيف هناك فعلاً وأنا فعلت ما تقول ؟ .. اقسم لي رام أن ذلك ما حدث .. وكم تمنيت لو كانت هناك كاميرا صورت تلك المشاهد .. 

ولكن لن أنسى النسمة الباردة الحلوة بين ضلوعي واللذة الحالمة في لساني ما حييت ..

في تلك اللحظة .. شعرنا وكأننا خرجنا من كابوس مرعب ولا في الأحلام. لم نلتفت وراءنا .. ولم نتوقف حتى ابتعدنا عن القصر بما يكفي. وبعد تلك الليلة .. لم يعد "رام" يرى تلك الأحلام .. لكننا علمنا جيداً أننا قد نجونا بأعجوبة من شيء أسوأ مما كنا نتخيله.

تمت

 

ملاحظة

- هذه القصة هي إحدى القصص المنشورة في كتاب "رعب منتصب الليل" لمؤلفه مزمل عبد الرحمن والذي يتضمن مجموعة قصصية عن أجواء الرعب والغموض، وهو متاح للتحميل من مكتبة نور.