تخيل أنك تسير وحيداً في طريق مظلم على أطراف مدينة كيوتو اليابانية، حين يظهر أمامك رجل غريب يطلب منك التوقف، تستعد لمواجهته، لكنه بدلاً من مهاجمتك يخلع ملابسه وينحني إلى الأمام، ليكشف عن مشهد يصعب تصديقه: عين ضخمة تفتح جفنها في موضع فتحة الشرج، وتطلق ضوءاً ساطعاً في الظلام !

قد تبدو الحكاية أشبه بمزحة عبثية أو مشهد من فيلم رعب ساخر، لكنها تنتمي إلى عالم الميثولوجيا اليابانية، وتحديداً إلى كائنات اليوكاي Yōkai التي تجمع بين الأرواح والوحوش والمخلوقات الغريبة والظواهر الخارقة للطبيعة.

ويُعرف صاحب هذه الهيئة الشاذة باسم «شيريمي» Shirime – 尻目 وهو اسم يعني حرفياً «عين المؤخرة»، لكن وراء هذه الصورة الصادمة تاريخاً فنياً وفلكلورياً يمتد إلى القرن الثامن عشر، وتفاصيل تكشف كيف استطاعت حكاية قصيرة للغاية أن تتحول إلى واحدة من أغرب الأساطير اليابانية.

لقاء مرعب على الطريق إلى كيوتو

تروي النسخة الشائعة من الحكاية أن أحد محاربي الساموراي كان يسير ليلاً في طريق مؤدٍ إلى كيوتو، عندما اعترض سبيله رجل يرتدي الكيمونو التقليدي، وطلب منه التوقف للحظة.

ارتياباً من نوايا الغريب، استعد الساموراي لاحتمال تعرضه لهجوم، وسأله عما يريد، لكن الرجل لم يُخرج سلاحاً ولم يحاول الاعتداء عليه، بل خلع رداءه فجأة واستدار ثم انحنى، ليكشف عن عين كبيرة في مؤخرته، أخذت تتوهج بضوء شديد، أصيب المحارب بالذعر وفر هارباً، بينما انتهى اللقاء من دون قتال أو إصابة، والمفارقة أن الساموراي، الذي يفترض أنه مدرّب على مواجهة الأخطار، لم يهزمه خصم أقوى منه، بل مشهد غير متوقع تجاوز حدود ما يستطيع العقل استيعابه.

هذه هي الرواية التي شاع تداولها في الكتب والمواقع المتخصصة باليوكاي، ولا سيما من خلال أعمال الفنان الياباني شيغيرو ميزوكي Shigeru Mizuki غير أن العودة إلى المصدر التاريخي الأقدم تكشف أن القصة لم تكن مفصلة إلى هذا الحد.

الأصل التاريخي: كائن بلا وجه وعين تلمع كالبرق

يعود أقدم تصوير معروف لهذا الكائن إلى مخطوطة مصورة بعنوان «لفافة يوكاي بوسون» Buson Yōkai Emaki – 蕪村妖怪絵巻 المنسوبة إلى الشاعر والرسام الياباني يوسا بوسون Yosa Buson، الذي عاش بين عامي 1716 و1784.

وبحسب مكتبة جامعة طوكيو، يُرجح أن بوسون أنجز هذه الرسوم بين عامي 1754 و1757، أثناء إقامته في منطقة ميازُو، حيث كان يتلقى التدريب الفني، وتضم اللفافة ثمانية رسوم لكائنات غريبة، تتسم بطابع فكاهي ومبالغات بصرية تجعل بعضها أقرب إلى الرسوم الكاريكاتورية منها إلى الصور المرعبة التقليدية، ومن بين تلك الرسوم يظهر كائن بشري الهيئة، بلا عينين أو أنف في وجهه، ينحني ليكشف عن عين واحدة موجودة في مؤخرته، والمثير أن الكائن لم يحمل اسم «شيريمي» في ذلك المصدر، بل سُمي «نوبّوري بوزو» Nuppori-bōzu – ぬっぽり坊主.

ويحدد النص الياباني المرافق للرسم مكان ظهوره في منطقة «كاتابيرا نو تسوجي» Katabira-ga-tsuji في كيوتو، ويصفه بأنه مخلوق بلا عينين أو أنف، يمتلك عيناً واحدة في موضع الشرج، تتوهج مثل البرق، وهذا الوصف القصير يكاد يمثل كل ما يخبرنا به المصدر القديم عن طبيعته، أما المخطوطة الأصلية، فمكانها غير معروف حالياً، لكن محتواها وصل إلينا من خلال نسخة أعيد إصدارها عام 1928، وهي موثقة في مقتنيات المكتبات اليابانية.

كيف تحول نوبّوري بوزو إلى شيريمي ؟

يرتبط الاسم الحديث «شيريمي» خصوصاً بأعمال الفنان والباحث في التراث الشعبي شيغيرو ميزوكي، الذي اشتهر بإحياء شخصيات اليوكاي وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة عبر الكتب والرسوم المصورة، وفي روايته، لم يعد الكائن مجرد هيئة غريبة مرسومة على لفافة قديمة، بل أصبح بطلاً لحكاية قصيرة تدور حول ساموراي يُفاجأ بعينه الخلفية المضيئة، ومن هنا تبرز نقطة مهمة: لا تتضمن العبارات الأصلية المحفوظة مع رسم بوسون قصة مفصلة عن خلع الكيمونو، أو حوار مع المسافر، أو مطاردة تنتهي بالهروب.

وإنما تبدو هذه العناصر جزءاً من الصياغة السردية التي اشتهرت في الأعمال اللاحقة، كذلك فإن بعض الروايات الحديثة تصف شيريمي بأنه يضحك بعد إخافة ضحاياه، أو يترصد المسافرين المنفردين في الطرق الجبلية، لكنها تفاصيل لا يمكن نسبتها بثقة إلى المخطوطة القديمة، ويظهر هنا كيف يمكن لشخصية فلكلورية أن تتطور مع الزمن، فتكتسب اسماً جديداً وقصة أكثر تفصيلاً، حتى يصبح التمييز بين أصلها التاريخي وتصورها الشعبي الحديث أمراً ضرورياً.

اليوكاي: عندما يمتزج الرعب بالسخرية

لفهم شيريمي، لا بد من النظر إلى طبيعة اليوكاي في الثقافة اليابانية، فـ اليوكاي ليست فئة واحدة من الكائنات الشريرة، ولا تعادل بالضرورة الأشباح أو الشياطين بمفهومها الديني، إنها تسمية واسعة تضم مخلوقات وظواهر خارقة ومتخيلة، تتنوع أدوارها بين إثارة الخوف وإلحاق الأذى والخداع، وأحياناً إضحاك الناس، وقد شهدت فترة إيدو (1603–1868) ازدهاراً ملحوظاً في تصوير هذه الكائنات وتداول قصصها، بالتزامن مع انتشار الثقافة الحضرية والكتب المصورة والمطبوعات الشعبية، وأصبح تصوير الوحوش الغريبة نوعاً من التسلية الفنية والأدبية، إلى جانب وظيفته التقليدية في تفسير الظواهر الغامضة.

ضمن هذا السياق، يمكن النظر إلى شيريمي بوصفه مثالاً على اليوكاي الذي يعتمد على المفاجأة البصرية بدلاً من القوة أو العنف، فهو لا يمتلك في الرواية الشائعة أنياباً أو مخالب، ولا ينسب إليه قتل البشر أو افتراسهم. تكمن قوته في قدرته على إحداث صدمة نفسية من خلال هيئة تخالف المألوف.

لماذا تثير العين الخلفية الخوف والضحك معاً ؟

هناك جانب نفسي ورمزي مثير للاهتمام في تصميم شيريمي، فالوجه البشري هو أكثر مواضع الجسد ارتباطاً بالتعرف إلى الأشخاص والتواصل معهم، وعندما يغيب عنه الأنف والعينان، يفقد المشاهد إحدى أهم الوسائل التي يستخدمها لفهم ما يواجهه.

وهذا يقرّب شيريمي من كائن ياباني آخر هو «نوبّيرا بو» Noppera-bō، المعروف بوجهه الخالي من الملامح، والذي تقوم حكايته على صدمة اكتشاف أن الشخص الذي يبدو عادياً لا يملك وجهاً طبيعياً، لكن شيريمي يذهب إلى مستوى آخر من الغرابة؛ فهو لا يكتفي بإزالة العينين من موضعهما الطبيعي، بل ينقل العين إلى منطقة من الجسم ترتبط اجتماعياً بالخصوصية والحرج، وهنا ينقلب المشهد من الرعب إلى السخرية: فالموضع الذي يفترض أن يكون بعيداً عن النظر يصبح هو نفسه أداة للنظر !

ومن الممكن تفسير هذا التصميم بوصفه شكلاً من الفكاهة الجسدية العبثية، التي تقوم على قلب التوقعات وانتهاك الأعراف الاجتماعية بصورة مفاجئة، أما فكرة أن الكائن كان يُستخدم لتحذير الناس من السير منفردين ليلاً، فهي تفسير محتمل لوظيفة الحكاية، لكنها ليست غاية مثبتة في النص التاريخي المعروف.

هل كان شيريمي اعتقاداً شعبياً أم اختراعاً فنياً ؟

هذا هو السؤال الأهم عند محاولة التعامل مع الأسطورة بمنظور بحثي، فعلى الرغم من أن شيريمي يُصنف اليوم ضمن كائنات اليوكاي اليابانية، فإن المصادر المتاحة عنه محدودة للغاية مقارنة بكائنات أخرى تمتلك روايات محلية متعددة وشهادات شعبية متوارثة، ولا يتوافر ما يثبت أن حكاية شيريمي كانت اعتقاداً شعبياً واسع الانتشار قبل أن تُصوَّر في لفافة بوسون، ومن ثم، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون الكائن ابتكاراً فنياً أو إعادة صياغة ساخرة لفكرة موجودة في الخيال الشعبي، بدلاً من كونه موضوعاً لاعتقاد راسخ بين سكان كيوتو.

ولا تعني هذه الفرضية التقليل من قيمته الفلكلورية، لأن الفولكلور لا يقتصر على المعتقدات المتوارثة شفهياً، بل يشمل أيضاً الشخصيات والحكايات التي تنتقل عبر الأدب والفنون وتتغير مع الزمن، لكن من المهم التمييز بين وجود صورة تاريخية لكائن متخيل، وبين وجود شهادات تدعي مشاهدته فعلاً؛ فالأولى موثقة، أما الثانية فلا تتوافر بشأنها أدلة مستقلة موثوقة.

كائن لا يحتاج إلى إيذائك كي يخيفك

تكمن غرابة شيريمي في أنه يمثل شكلاً مختلفاً من الرعب، لا يقوم على التهديد الجسدي، بل على انهيار التوقعات، فالرعب لا ينشأ دائماً من تصور الموت أو الأذى، بل قد ينتج من مواجهة شيء يستحيل تصنيفه ضمن القواعد الطبيعية المألوفة، وربما كان هذا هو سر استمرار الاهتمام بشيريمي بعد مرور أكثر من قرنين ونصف على ظهوره في الرسوم اليابانية، فهو كائن يحمل في تكوينه تناقضاً يصعب نسيانه: جسد بشري بلا ملامح، وعين لا توجد في الوجه، ومشهد يجمع بين الاشمئزاز والضحك والدهشة، وبينما جعلته المخيلة الحديثة مخلوقاً يترصد المسافرين لإخافتهم، لا يزال أقدم أثر تاريخي معروف عنه مجرد رسم غريب وجملة قصيرة تصف عيناً تتوهج مثل البرق.

وربما لا نحتاج إلى تفسير خارق كي نفهم سبب بقائه في الذاكرة الثقافية؛ فبعض الأساطير تعيش لأنها مخيفة، وأخرى لأنها غامضة، أما شيريمي فقد جمع بين الأمرين وأضاف إليهما جرعة غير متوقعة من العبث.