في إحدى أمسيات خريف عام 1995 كان أحد العاملين في مقبرة روزهيل Rosehill Cemetery في شيكاغو يستعد لإغلاق المكان عندما لمح امرأة تقف قرب شجرة بمحاذاة سور المقبرة، لم يكن وجود زائر متأخر أمراً مستحيلاً، فتوجه نحوها ليخبرها أن الوقت حان للمغادرة، لكن كلما اقترب، بدت المرأة أقل شبهاً بزائرة عادية ، كانت ترتدي ثياباً قديمة، وعندما نظر إلى قدميها أدرك أنهما لا تلامسان الأرض، ثم حدث ما وصفه لاحقاً بأنه أكثر أجزاء التجربة رعباً: حاول التراجع، لكنه لم يستطع الحركة، وكأن قدميه أصبحتا ثقيلتين ومثبتتين في موضعهما وأمام عينيه بدأت هيئة المرأة تفقد ملامحها شيئاً فشيئاً، ثم تحولت إلى كتلة من الضباب الأبيض وتلاشت في الظلام.
ربما كان يمكن اعتبار ما جرى وهماً عابراً، أو خداعاً بصرياً تحت تأثير الخوف والإضاءة الخافتة، لولا أن المقبرة تلقت في اليوم التالي اتصالاً هاتفياً غريباً ، ومن هنا تبدأ واحدة من أشهر حكايات روزهيل.
مدينة للموتى وسط شيكاغو
تأسست مقبرة روزهيل عام 1859 على مساحة شاسعة شمال شيكاغو، وأصبحت مع مرور الزمن أكبر مقابر المدينة وأكثرها شهرة، طرق متعرجة بين الأشجار، أضرحة من الرخام والبرونز، تماثيل جنائزية، نوافذ زجاجية ملونة وقبور لشخصيات لعبت أدواراً مهمة في تاريخ المدينة والتجارة الأمريكية، لكن المكان يحمل أيضاً طبقة أقدم من الموت ، فمع توسع شيكاغو خلال القرن التاسع عشر أزيلت أجزاء من مقابر قديمة، ومنها "مقبرة المدينة" City Cemetery التي كانت تقع في المنطقة التي أصبحت لاحقاً حديقة لنكولن Lincoln Park ونقلت جثامين كثيرة إلى مقابر جديدة مثل روزهيل ، وهكذا أصبحت روزهيل منذ بدايتها مكاناً لموتى دفن بعضهم مرتين.
ربما لا يعني ذلك شيئاً بحد ذاته، لكنه وفر تربة مثالية لظهور الحكايات: قبور منقولة، عائلات ثرية، أضرحة غريبة، نزاعات قضائية، مآسٍ عائلية ومبانٍ قوطية تبدو كما لو أنها صممت خصيصاً لقصص الأشباح ، ولم تتأخر القصص في الظهور.
منافسة استمرت بعد الموت
بين المدفونين في روزهيل اسمان شهيران في تاريخ التجارة الأمريكية: آرون مونتغمري وارد Aaron Montgomery Ward و ريتشارد وارن سيرز Richard Warren Sears ، أسس كل منهما إمبراطورية تجارية تعتمد على البيع عبر الكتالوج، وأصبحا منافسين في سوق أمريكية كانت تتغير بسرعة ، أما الفولكلور المحلي فقد نقل هذه المنافسة إلى ما بعد القبر.
تقول الرواية إن هيئة رجل بملابس رسمية قديمة شوهدت أكثر من مرة تتحرك في اتجاه قبر وارد، وإن بعض من تناقل القصة اعتقدوا أنها شبح ريتشارد سيرز نفسه، وكأنه لا يزال يبحث عن منافسه القديم ، المفارقة أن الرجلين يرقدان في المقبرة ذاتها، داخل مجمع جنائزي يضم غرف دفن فخمة لعائلات شيكاغو الثرية.
لكن المنافسة التجارية الحقيقية شيء، والأسطورة التي حولتهما إلى خصمين يرفضان دفن الأحقاد معهما شيء آخر، لا يوجد ما يثبت أن العلاقة الشخصية بينهما كانت بالعداء الدرامي الذي تصوره القصة ، إلا أن روزهيل لم تكن بحاجة إلى كثير من الوقائع حتى تصنع الأشباح.
ضريح تشارلز هوبكنسون
أكثر حكايات المقبرة إثارة ربما تكون تلك المرتبطة بتشارلز هوبكنسون Charles Hopkinson كان هوبكنسون رجل أعمال يعمل في مجال العقارات، واشترى في القرن التاسع عشر قطعاً داخل روزهيل لتصبح مدفناً لعائلته، وبعد وفاته أرادت زوجته بناء ضريح ضخم ذي طابع قوطي يشبه كنيسة صغيرة ، لكن إدارة المقبرة اعترضت على المشروع.
تحول الخلاف إلى معركة قضائية حقيقية، ووصل في النهاية إلى المحكمة العليا في ولاية إلينوي، التي حكمت لصالح عائلة هوبكنسون في عام 1885 ، وهنا تنتهي الوثائق ويبدأ الفولكلور.
تقول الرواية إن هوبكنسون لم يغفر لمن حاولوا تأخير بناء قبره، وإنه في ذكرى وفاته يمكن سماع أصوات غريبة قرب الضريح تبدأ بأنين منخفض ثم تترافق مع صوت سلاسل تهتز في الداخل ، ويرى أصحاب الحكاية أن الرجل الذي وجد قبره نفسه موضع نزاع بعد الموت ظل عاجزاً عن الراحة حتى بعد انتهاء القضية ، لكن لا توجد سجلات مستقلة تثبت أصوات السلاسل أو الأنين، بينما النزاع القضائي نفسه حقيقة موثقة ، وهذه إحدى السمات المتكررة في روزهيل: واقعة تاريخية حقيقية تصبح بعد عقود نواة لأسطورة.
الأم والطفلة داخل الزجاج
من أكثر قبور روزهيل شهرة قبر فرانسيس بيرس Frances Pearce وابنتها الصغيرة ، توفيت فرانسيس في عام 1854 وهي لا تزال شابة، وبعد نحو شهرين لحقت بها ابنتها الرضيعة التي كانت تحمل الاسم نفسه، وقد دفنتا في البداية في مقبرة أخرى، ثم نقلتا لاحقاً إلى روزهيل، كان الزوج والأب هوراتيو قد فقد زوجته وطفلته خلال فترة قصيرة، فطلب إقامة نصب جنائزي يصورهما معاً: امرأة مستلقية في هدوء وطفلتها بين ذراعيها ، صنع النحات الأمريكي تشونسي برادلي آيفز Chauncey Bradley Ives العمل في روما، وأصبح لاحقاً من أشهر التماثيل الجنائزية في المقبرة ، ولحماية الرخام من مناخ شيكاغو، وضع التمثال داخل غطاء زجاجي، ومن هنا ولدت الأسطورة.
يقول زوار إن الصندوق الزجاجي يمتلئ في بعض الأيام بضباب أبيض كثيف، ويقال في بعض النسخ إن الظاهرة تحدث في ذكرى الوفاة ثم تختفي عند منتصف الليل ، وتضيف روايات أكثر جرأة أن الضباب يبدو أحياناً وكأنه يتحرك حول الأم والطفلة.
لكن القصة تواجه مشكلة واضحة: الأم والطفلة لم تموتا في اليوم نفسه، ولذلك فإن الحديث عن "ذكرى موتهما" المشتركة لا يتفق مع السجلات التاريخية ، أما الضباب داخل صندوق زجاجي يحوي تمثالاً رخامياً بارداً في مناخ شيكاغو المتقلب، فيفتح باباً أمام تفسير أبسط بكثير: التكاثف.
ومع ذلك، فإن صورة أم وطفلتها الميتتين داخل صندوق زجاجي يغشاه الضباب كانت كافية لضمان حياة طويلة للأسطورة.
رائحة الزهور عند قبر لولو
هناك قبر أقل رهبة لكنه أكثر شاعرية، كانت لولو فيلوز Lulu Fellows فتاة توفيت بحمى التيفوئيد قبل بلوغها السابعة عشرة، وأقيم لها تمثال يصورها جالسة وفي حجرها كتاب، على قبرها كلمات تشير إلى الآمال التي دفنت معها.
ويقال إن لولو كانت تحب الزهور في حياتها، وإن الزائرين والموظفين يشمون بالقرب من قبرها أحياناً رائحة زهرية حلوة حتى عندما لا تكون هناك أزهار.
هنا، لا ظهورات ولا أصوات ولا أشباح واضحة ، فقط رائحة ، لكنها رائحة تقول الأسطورة إنها لا تتأثر بالمواسم أو الطقس.
ليس لهذه الظاهرة توثيق يمكن اختباره، وما وصل إلينا لا يتجاوز شهادات شخصية متفرقة، لكنها أصبحت جزءاً من مجموعة الحكايات التي منحت روز هيل سمعتها الغامضة.
الضباب الذي يمشي بين القبور
من الشهادات اللافتة رواية امرأة قالت إنها عملت في روزهيل خلال التسعينيات ، تذكرت أنها شاهدت خلال النهار كتلة من الضباب تدور في هيئة قريبة من الشكل البشري بين القبور، وفي إحدى المرات شوهدت الكتلة قرب قبر كان قد تضرر بسقوط غصن شجرة عليه خلال عاصفة كهربائية.
ولم تكن هذه الظاهرة الوحيدة التي تحدث عنها الموظفون ،فقد نُقلت شهادات عن همسات وأصوات رجال يتجادلون داخل مبنى الإدارة بينما تكون الغرف خالية ، وروى موظف مبيعات أنه كان يعمل وحيداً ذات مساء عندما سمع شخصاً ينادي اسمه ثلاث مرات ، هو اعتقد في البداية أن أحد زملائه يحاول إخافته، فبحث في المبنى ولم يجد أحدا، وعندما نظر إلى موقف السيارات، وجد أن سيارته هي الوحيدة الموجودة ، فغادر المكان قبل أن ينهي عمله.
قد تبدو هذه الوقائع مألوفة في أدبيات الأماكن المسكونة: أصوات بلا مصدر، شعور بالمراقبة، ضباب يتحرك بطريقة غير مألوفة.
لكن قصة عام 1995 أكثر تعقيداً.
المرأة التي أرادت شاهداً لقبرها
بعد ليلة ظهور المرأة للحارس في خريف 1995، تلقت إدارة روز هيل في صباح اليوم التالي اتصالاً من امرأة تعيش خارج شيكاغو، بدأت المتصلة كلامها بالتأكيد أنها بكامل وعيها قبل أن تروي ما حدث، قالت إن عمتها المتوفاة كاري كالباس Carrie Kalbas ظهرت لها في حلم خلال الليلة السابقة ، لم تكن العلاقة بينهما وثيقة في حياتهما، لكن المرأة التي ظهرت في الحلم عرّفت بنفسها وأخبرت قريبتها أنها مدفونة في روزهيل منذ عام 1933 وكان لديها شكوى محددة، لقد دفنت من دون شاهد قبر مناسب، وبحسب الرواية، قالت كاري إنها تخشى أن يمر الزمن ولا يبقى شيء يدل على وجودها.
تأثرت ابنة أختها بالحلم ووعدتها بأنها ستصحح الأمر، وفي صباح اليوم التالي اتصلت بالمقبرة وطلبت وضع شاهد صغير باسم كاري قرب شاهد زوجها وينزل Wenzel الذي توفي قبلها بسنوات.
عندها ربط موظفو المقبرة بين المكالمة وما رواه الحارس في الليلة السابقة ، هل كانت المرأة التي ظهرت قرب السور هي كاري نفسها ؟ بحسب القصة، اعتقد بعضهم ذلك.
وبعد وضع الشاهد الجديد لم تسجل رواية أخرى عن ظهور المرأة ، وهنا اكتملت الأسطورة: روح ظهرت لشخص غريب، ثم ظهرت في حلم لقريبتها في الليلة نفسها، وطلبت شيئاً محدداً، وبعد تنفيذ طلبها اختفت.
قصة مثالية تقريباً عن "الميت الذي يريد أن يُذكر".
لكن هل حدثت فعلاً بهذه الصورة ؟
عندما دخل الباحثون المقبرة
قبل حادثة كاري بعام تقريباً، في أغسطس 1994، دخل فريق من صائدي الأشباح Ghost Research Society إلى روزهيل لإجراء ما وصفه بتحقيق ميداني في الظواهر المنسوبة إلى المكان.
استخدم أعضاء الفريق كاميرات، ومسجلات صوت، وأجهزة لقياس المجالات الكهرومغناطيسية وكاشفات أخرى كانت شائعة في تحقيقات الأشباح ، وزاروا عدداً من المواقع المرتبطة بالروايات، ومنها نصب فرانسيس بيرس ، وكانت النتيجة التي نشروها بأنفسهم لافتة:
لم يشاهد الفريق ولم يسجل شيئاً غير عادي خلال التحقيق.
هذه النتيجة لا تثبت أن كل الروايات خاطئة، لكنها تذكر بأن الحكايات التي تعيش لعقود لا تتحول تلقائياً إلى ظواهر قابلة للرصد.
حتى حادثة كاري كالباس وهي أكثر القصص تماسكاً، تعتمد في النهاية على سلسلة من الشهادات التي نقلتها جهة مهتمة أصلاً بأبحاث الأشباح، لا توجد، فيما ظهر من السجلات المتاحة، وثيقة مستقلة منشورة من إدارة المقبرة أو تقرير صحفي معاصر يؤكد بالتفصيل أن الحارس والمكالمة الهاتفية حدثا تماماً بالطريقة التي تروى بها اليوم.
بين المقبرة والأسطورة
ربما لا يكمن سر روزهيل في شبح واحد ، فالمكان يجمع تقريباً كل العناصر اللازمة لصناعة فولكلور جنائزي غني: مقبرة تعود إلى القرن التاسع عشر، جثامين نقلت من مقابر أقدم، أضرحة قوطية، رجال أعمال أثرياء، منافسات، أطفال ماتوا صغاراً، تماثيل داخل الزجاج، نزاعات وصلت إلى المحاكم، وأجيال متعاقبة من الزوار والموظفين الذين أعادوا رواية القصص ، ومع كل إعادة رواية تضاف تفصيلة جديدة.
منافسة تجارية تتحول إلى عداوة بعد الموت، تكاثف داخل صندوق زجاجي يصبح ضباباً غامضاً، نزاع قانوني حول ضريح يتحول إلى صوت سلاسل، وشاهد قبر مفقود يصبح سبباً في عودة امرأة من عالم الموتى.
قد تكون بعض المشاهد ناتجة عن الضوء والضباب والانعكاسات، وبعض الأصوات عن طبيعة المباني القديمة والمساحات الواسعة، بينما يمكن للتوقع والخوف ومعرفة تاريخ المكان أن يؤثرا بقوة في الطريقة التي يفسر بها الإنسان ما يراه ويسمعه.
لكن ذلك لا يمحو السؤال الذي أبقى قصص روزهيل حية كل هذه السنوات.
إذا كانت المقابر أماكن صنعت أصلاً لكي نتذكر الموتى، فهل يكون النسيان نفسه هو أكثر ما تخشاه الأشباح في حكاياتنا ؟
ربما لهذا لا تدور أشهر قصة في روزهيل حول روح تطلب الانتقام أو تخيف الأحياء.
بل حول امرأة عادت، بحسب الرواية، لسبب أكثر بساطة :
كانت تريد فقط ألا تُنسى.