في مثل هذا اليوم 16 أكتوبر 2008 بدأت رحلة "ما وراء الطبيعة" بفكرة بسيطة وطموح كبير: أن يكون للظواهر الغامضة والفلكلور والأساطير والتجارب الإنسانية غير المألوفة مرجع عربي يجمع شتاتها، ويوثّق رواياتها، ويبحث في خفاياها بعيداً عن التهويل والتسليم بالأحكام المسبقة.
كانت البداية شغفاً شخصياً بالبحث عن الحقيقة، سرعان ما تحوّل إلى مشروع معرفي استغرق سنوات من القراءة والتقصّي والترجمة والكتابة، عكفت خلالها على جمع الحكايات من مصادرها، وتتبع الوقائع والشهادات، ومراجعة الدراسات والوثائق، وصياغة المقالات والتحقيقات، حتى أخذت تتشكل، مادة بعد أخرى، موسوعة رقمية وأرشيف متخصص يندر وجود نظير لهما في العالم العربي.
لم تكن الرحلة مقتصرة على ألغاز منطقتنا العربية، بل امتدت إلى مختلف بلدان العالم، نستكشف فلكلور الشعوب وأساطيرها ومعتقداتها، ونتتبع ما خلّفته الثقافات من حكايات عن الأشباح والجن والكائنات الغامضة، والأجسام الطائرة المجهولة، والظواهر التي حيّرت الإنسان منذ أقدم العصور.
وفي بيئة ثقافية تحتل فيها التفسيرات الغيبية مكانة واسعة في فهم كثير من أحداث الحياة وظواهرها، شعرت بالحاجة إلى نافذة معرفية توسّع الآفاق، وتمنح العقل وعلوم النفس دوراً أكبر في فهم تلك التجارب، لم يكن المقصود مصادرة المعتقدات أو الانتقاص من التراث، بل تقديم قراءات أخرى تساعد على التمييز بين ما نؤمن به، وما نرويه، وما يمكن التحقق منه بالأدلة.
ومنذ البداية، حرصت على أن يكون الموقع مساحة للتساؤل والحوار، ومحاولة دائمة لتحقيق التوازن بين منظومات المعتقدات والمعرفة العلمية؛ فلا نستخف بما ورثته الشعوب من تصورات، ولا نتعامل مع كل رواية غامضة بوصفها حقيقة مثبتة، ومن هذا المنطلق أفردنا مساحة واسعة لأسرار النفس والوعي، وللتفسيرات النفسية والعصبية التي قد تكشف لنا كيف تنشأ بعض التجارب التي ننسبها إلى الماورائيات.
وكان من صميم هذه الرسالة أيضاً التصدي لنظريات المؤامرة، وكشف زيف الخدع والأساطير التي تنتشر عبر الإنترنت، من خلال تقصّي مصادرها وتفكيك ادعاءاتها والبحث عن تفسيرات تستند إلى الأدلة، وقد ازدادت أهمية هذا الدور في عصر أتاحت فيه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي إنتاج المحتوى المضلل ونشره بسرعة غير مسبوقة، بينما أسهمت خوارزميات الانتشار والتوصية في كثير من الأحيان في تغليب الإثارة على الدقة، وجعلت الوصول إلى الرأي العلمي الرصين أكثر صعوبة وسط ضجيج المعلومات، وهنا لم يعد البحث عن الحقيقة مجرد شغف، بل مسؤولية معرفية أيضاً.
ومع مطلع عام 2026 شهد موقع "ما وراء الطبيعة" PARABIA إعادة إطلاق بحلّة جديدة، وبنية رقمية أكثر تطوراً، ومكتبات متخصصة للصور والفيديوهات والكتب، في خطوة أردتها بداية فصل جديد يواكب العصر ويحفظ في الوقت ذاته إرث السنوات الماضية، مع إتاحته عبر تطبيقات على متجري Apple وAndroid.
لكن قيمة هذه الرحلة لا تختصرها الأرقام وحدها؛ فخلف كل مقال ساعات من البحث، وخلف كل تحقيق أسئلة ومصادر وروايات متعارضة، وخلف هذا الأرشيف سنوات من المثابرة والإيمان بأن المعرفة تستحق الجهد، حتى حين لا تقودنا إلى إجابة نهائية.
لم يكن هدفي يوماً إثبات أن كل غامض خارق للطبيعة، ولا نفي كل ما يعجز العلم عن تفسيره في الوقت الراهن، بل أن أمنح الدهشة حقها، والشك مكانته، والعقل حريته في البحث.
وأدين بالكثير لكل من أسهم في هذه المسيرة من كتّاب وباحثين وأصحاب تجارب، ولكل قارئ وصديق تابع الموقع وشارك مواده وناقش أفكاره. فلولا هذا التفاعل لما تجاوزت الفكرة حدود الشغف الفردي لتصبح مشروعاً معرفياً يجمع المهتمين بأسرار الوجود من مختلف أنحاء العالم.
ثمانية عشر عاماً من البحث والتوثيق والكتابة، وما زال في هذا العالم من الأسرار ما يدعونا إلى المزيد من الأسئلة. فالغاية لم تكن يوماً أن نصل إلى نهاية الغموض، بل أن نواصل الاقتراب من الحقيقة، مهما طال الطريق.
لطالما شعرت أن مشروع "ما وراء الطبيعة" ليس مجرد موقع أنشأته، بل هو ابنٌ من أبنائي، وُلد من شغفي، ونما برعايتي، وكبر مع أحلامي وتطلعاتي، رافقته ثمانية عشر عاماً، سهرت على تفاصيله، وأفنيت في بنائه ساعات لا تُحصى من البحث والقراءة والكتابة، ومنحته من وقتي وفكري ما يمنح الأب لابنه من عناية واهتمام.
رأيته ينمو عاماً بعد عام، ويتجاوز عثراته، وتتسع آفاقه، حتى بلغ اليوم عامه الثامن عشر، وكأنه يدخل سنّ الرشد وقد اكتسب هويته ومكانته الخاصة، وحين أنظر إلى ما أصبح عليه، لا أرى مجرد أرشيف من المقالات والصور والحكايات، بل أرى ثمانية عشر عاماً من عمري تجسّدت في مشروع صار له كيانه وروحه وذاكرته.
واليوم، أشعر بفخر الأب وهو يرى ثمرة سنوات من الصبر والمثابرة وقد نضجت أمام عينيه، ومع ذلك، فما زلت أراه ذلك الابن الذي لا يكفّ عن إثارة فضولي، ويدعوني كل يوم إلى أن أكتشف معه شيئاً جديداً.
لقد كبر "ما وراء الطبيعة"... لكن شغفي به لم يشيخ وما زال في داخلي الكثير مما أودّ أن أمنحه إياه.
كل عام وأنتم رفاق هذه الرحلة... ورفاق الدهشة والسؤال.
الموقع بلغة الأرقام
- أكثر من 1800 مقال وخبر وتحقيق، بينها ما يزيد على 150 تحقيقاً في ألغاز وظواهر غامضة، وأكثر من 100 مقال عن أسرار النفس والوعي، تستكشف العلاقة بين التجربة الإنسانية والإدراك والتفسير النفسي للماورائيات.
- محتوى موزّع على أكثر من 30 تصنيف، من بينها تجارب الاقتراب من الموت والخروج من الجسد، وظواهر الأشباح، والمعتقدات التراثية عن الكيانات الغامضة والتواصل معها، والأماكن المسكونة بأساطير الماضي وأشباحه، وأسرار الوعي والكون، والمنظمات والطوائف السرية، وتقاليد الشعوب وممارساتها في السحر، وغيرها من الظواهر الجوية الغامضة UAP.
- أكثر من 500 تجربة واقعية رواها أصحابها وأرسلوها مباشرة إلى الموقع، وتم توثيقها بوصفها شهادات إنسانية تستحق التأمل والبحث، وخضع بعضها للتحليل والتقصي.
- أكثر من 300 منشور في ركن الخيال، بينها استعراض قصص لـ 100 فيلم وما ارتبط ببعضها من قصص حقيقية، وما يزيد على 70 قصة قصيرة من أدب الرعب والغموض والخيال العلمي.
- مكتبات متخصصة بالوسائط المتعددة، تشمل قسماً للفيديو يضم أكثر من 100 فيديو، ومكتبة صور تحتوي على أكثر من 800 صورة، بينها أحد أوسع الأرشيفات العربية المصورة للأجسام الطائرة المجهولة UFOs وأكثر من 200 صورة للأماكن المسكونة، إلى جانب مكتبة تستعرض كتب مختارة تترواح بين الواقع والخيال والتراث والبحث والدراسة، وتزيد عن 150 كتاب.
- مشاركة طوعية من 27 كاتباً ينتمون إلى 12 دولة عربية، أسهموا في إثراء المشروع بمقالاتهم وأبحاثهم وتجاربهم.
- قسم باللغة الإنجليزية يضم حالياً أكثر من 250 مقالاً وخبراً، سعياً إلى إيصال محتوى الموقع إلى جمهور أوسع خارج العالم العربي.
- حضور على منصات التواصل الاجتماعي، يتجاوز 250 ألف متابع على فيسبوك، و8 آلاف مشترك على يوتيوب، و7 آلاف متابع على تيك توك، و5 آلاف متابع على إنستغرام، بما يعكس اتساع دائرة المهتمين بالمحتوى وتفاعلهم معه عبر السنوات.