في أعماق بعض الكهوف، بعيداً عن الضوء والنبات والحياة التي نعرفها، تظهر أحياناً خيوط بيضاء دقيقة تتدلى من السقوف أو تخرج مباشرة من الجدران، تبدو للوهلة الأولى كأنها شعر نما من الحجر؛ بعضها رقيق إلى درجة أنه يتحرك مع تيار هواء ضعيف، وبعضها يتجمع في خصل ولحى وكتل قطنية، بينما تمتد خيوط أخرى عشرات السنتيمترات، وقد يصل بعضها إلى عدة أمتار.
والأغرب أن هذا "الشعر" لا يبقى دائماً في مكانه، في بعض الكهوف يظهر خلال المواسم الجافة، ثم يختفي عندما ترتفع الرطوبة، ليعود من جديد في ظروف أخرى، وكأن الجدار نفسه ينبت خيوطه ثم يسحبها.
لكن ذلك ليس النوع الوحيد من الشعر الذي وجد في الكهوف، ففي مواقع أثرية متباعدة حول العالم عثر الباحثون على شيء أكثر إثارة للحيرة: خصل وضفائر من شعر بشري حقيقي، قطعت عمداً وحفظت في أوعية أو أودعت في أعماق الكهوف إلى جانب الموتى والأدوات الطقسية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد ظاهرة طبيعية: لماذا حمل الإنسان شعره إلى أعماق الأرض ؟ ولماذا منحته ثقافات كثيرة مكانة خاصة في السحر والموت والقرابين ؟
شيء ينمو من الحجر
من أشهر الأماكن التي تظهر فيها هذه الظاهرة كهف ليتشوغيلا Lechuguilla في نيو مكسيكو بالولايات المتحدة، وهو واحد من أكثر الكهوف تعقيداً وغنى بالتكوينات المعدنية المعروفة.
هناك تظهر خيوط دقيقة تعرف بين مستكشفي الكهوف باسم "شعر الكهف" أو "لحى الجبس"، وفي بعض المناطق تنمو إلى أطوال تبلغ عدة أمتار، معلقة في ظلام لم تدخله أشعة الشمس قط.
وفي كهوف أخرى ظهرت تكوينات بأسماء أكثر شاعرية مثل "شعر الملائكة" Angel Hair و"صوف الكهوف" و Cave Wool أو "قطن الكهوف" وCave Cotton.
في كهف جوزيف-هيجي József-hegy في بودابست - المجر، سجل الباحثون خيوطاً جبسية يتراوح طول كثير منها بين عشرة وثلاثين سنتيمتراً، فيما امتدت أخرى إلى نحو تسعين سنتيمتراً، وهي رقيقة إلى حد أن بعضها يتأثر بحركة الهواء وحتى بالاهتزازات الناتجة عن الكلام بالقرب منه ، وفي كهف بلمير Bulmer Cavern في نيوزيلندا ظهرت خيوط منفردة تجاوز طول بعضها المتر.
كل ذلك قد يوحي بشيء عضوي ينمو ببطء في الظلام، لكن الغموض يزداد عندما ندرك أن بعض هذه الخيوط يمكن أن تختفي وتعود.
ففي أنابيب الحمم البركانية بمنطقة إيل مالبيس El Malpais في نيو مكسيكو، تتكون خيوط بيضاء حريرية خلال الفترات الجافة، ثم تذوب مع زيادة الرطوبة. وقد يعود المستكشف إلى الموضع نفسه بعد فترة ليجد الجدار عارياً، ثم تظهر الخيوط مرة أخرى عندما تتغير الظروف.
ولو دخل إنسان ذلك الكهف قبل قرون، ورأى شيئاً يشبه الشعر يخرج من الصخر ثم يختفي ويعود، فمن السهل تصور الأسئلة التي كان يمكن أن يطرحها.
لكن لا توجد، حتى الآن، أدلة موثوقة تسمح لنا بالقول إن الشعوب القديمة اعتبرت هذه التكوينات تحديداً شعر أرواح أو جن أو كائنات خفية. فاسم "شعر الملائكة" الذي يستخدمه مستكشفو الكهوف اسم وصفي حديث أكثر مما هو بقايا أسطورة قديمة، غير أن الشعر داخل الكهوف يأخذ معنى آخر تماماً عندما يكون بشرياً بالفعل.
خصل أودعت مع الموتى
في جزيرة مينوركا الإسبانية يقع كهف إِس كارِتش Es Càrritx وهو أحد أكثر المواقع إثارة للاهتمام في دراسة طقوس العصر البرونزي.
استخدم الكهف قبل نحو ثلاثة آلاف عام في ممارسات جنائزية وطقسية، وبين ما عثر عليه علماء الآثار خصل من الشعر البشري جرى التعامل معها بطريقة يصعب اعتبارها عشوائية.
كان الشعر يمشط ويقص، ويبدو أن بعض الخصل عولجت أو صبغت بلون أحمر، ثم وضعت داخل أوعية أسطوانية صغيرة صنعت من الخشب أو قرون الحيوانات وأغلقت بأغطية مزخرفة بدوائر متحدة المركز.
الأكثر غرابة أن بعض هذه الأوعية لم تترك ببساطة قرب الجثث، بل نقلت إلى حجرة عميقة داخل الكهف وأخفيت هناك مع مجموعة من الأدوات قبل أن يغلق الموضع ويبقى على حاله قروناً طويلة.
لماذا كان الشعر مهماً إلى هذه الدرجة ؟
ظل السؤال مفتوحاً، إلى أن أضاف تحليل حديث لتلك الخصل تفصيلاً غير متوقع.
ففي عام 2023 كشف التحليل الكيميائي لإحدى عينات الشعر عن وجود مركبات مثل الأتروبين والسكوبولامين والإيفيدرين وهي مواد ترتبط بنباتات ذات تأثير نفسي ويمكن أن تغير الإدراك والوعي.
لا يعني ذلك أن أصحاب الشعر كانوا "سحرة" بالضرورة، ولا أن الباحثين أثبتوا وجود طقوس لاستحضار الأرواح، لكن الاكتشاف يشير بقوة إلى استخدام نباتات ذات تأثير نفسي ضمن سياق اجتماعي أو طقسي في تلك الجماعة.
وبذلك اجتمعت داخل الكهف عناصر يصعب تجاهلها: الموت، الشعر البشري، مواد تغير الوعي، وأوعية أخفيت عمداً في الأعماق.
الضفائر في كهف آخر
على الجانب الآخر من العالم تقريباً، ظهرت صورة مختلفة لكنها تحمل بعض أوجه التشابه، في Cueva del Chileno في مرتفعات بوليفيا، عثر الباحثون على حزمة طقسية تعود إلى نحو ألف عام، تضمنت أدوات لاستهلاك مواد نفسية التأثير وأنبوباً مزخرفاً كانت مثبتة به ضفيرتان من الشعر البشري ، كما عثر بالقرب منها على ضفائر شعر أخرى مقطوعة، وأظهر تحليل المواد المحفوظة في الأدوات وجود عدة مركبات نباتية ذات تأثير نفسي.
لا توجد بالطبع علاقة معروفة بين هذا الموقع وموقع مينوركا، ولا ينبغي البحث عن صلة مصطنعة بين ثقافتين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات ومئات السنين، لكن التكرار يلفت الانتباه إلى حقيقة أبسط: الشعر البشري ظهر مراراً في سياقات طقسية مرتبطة بالكهوف والموت وحالات الوعي المتغيرة.
وفي كهف فرايتفول Frightful Cave بالمكسيك عثر علماء الآثار أيضاً على كميات وحزم من الشعر البشري ضمن آثار الجماعات القديمة التي استخدمت الكهف، إلا أن وظيفة هذه الحزم ما زالت أقل وضوحاً، وربما لن نعرف أبداً إن كانت جزءاً من طقس جنائزي أو ممارسة اجتماعية أو شيئاً آخر.
لماذا الشعر؟
تكمن خصوصية الشعر في أنه جزء من الجسد، لكنه يستطيع الانفصال عنه والبقاء، يمكن قصه من الإنسان من دون أن يفقد هويته بالكامل، خصلة الشعر تظل مرتبطة في الذهن بصاحبها حتى بعد مرور سنوات على قطعها، كما أن الكيراتين الذي تتكون منه يجعلها أكثر قدرة على البقاء من كثير من الأنسجة الرخوة ، ولهذا نجد الشعر في قبور ومومياوات ومواقع أثرية بعد أن تكون أجزاء أخرى كثيرة من الجسد قد اختفت ، وربما ساعدت هذه الخاصية المادية على منحه معنى رمزياً أيضاً.
فالإنسان يموت، لكن جزءاً منه يمكن أن يبقى ، وهذه الفكرة تظهر بأشكال متعددة في معتقدات الشعوب.
الشعر الذي لا ينفصل تماماً عن صاحبه
في الدراسات الأنثروبولوجية للسحر يظهر ما يعرف باسم السحر الاتصالي Contagious Magic وهو الاعتقاد بأن الأشياء التي كانت جزءاً من الإنسان أو لامست جسده يمكن أن تحتفظ بعلاقة به حتى بعد انفصالها عنه، ولهذا ظهر الشعر، إلى جانب الأظافر والدم والملابس، في ممارسات سحرية كثيرة.
وفق هذا التصور، لم يكن الساحر يحتاج دائماً إلى وجود الشخص أمامه؛ تكفي أحياناً شعرة أو قصاصة ظفر أو قطعة من ثيابه ، لكن من المهم ألا نحول هذه الفكرة إلى قاعدة عالمية، لأن معنى الشعر يختلف من ثقافة إلى أخرى. فقد يكون مادة يخشى وقوعها في يد الآخرين، وقد يكون قرباناً مقدساً أو علامة حداد أو رمزاً للانتقال من مرحلة من الحياة إلى أخرى.
في إنجلترا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، ظهرت ما يعرف اليوم باسم "قوارير الساحرات" Witch Bottles وهي أدوات شعبية استخدمت للحماية من السحر أو محاولة إبطال أثره.
كانت القارورة قد تحتوي على بول الشخص الذي يعتقد أنه تعرض للسحر، ويضاف إليها أحياناً شعر وأظافر ودبابيس وأشياء حادة، ثم تدفن أو تسخن، وكانت الفكرة أن المواد المرتبطة بالجسد تحتفظ بصلتها بصاحبها ويمكن استخدامها لعكس الأذى على الساحرة المزعومة.
وفي سجلات تاريخية عن الماوري في نيوزيلندا ظهرت مخاوف مشابهة من إمكانية استخدام شعر الإنسان في أعمال ماكوتو Mākutu السحرية(مفهوم يرتبط بالسحر أو الإيذاء بواسطة قوى روحية، أو اللعنة أو إلقاء الأذى الخارق) ولذلك ارتبط قص الشعر في بعض الفترات بقواعد وطقوس خاصة ، الخوف هنا لم يكن من الشعر نفسه، بل من أن يقع جزء من الإنسان في يد شخص آخر.
الشعر كقربان للموتى
لكن الوجه الآخر للشعر أقل ظلمة، في اليونان القديمة كان قطع خصلة من الشعر وتقديمها للميت ممارسة جنائزية معروفة، وتظهر هذه الفكرة في الأدب والأساطير، حيث تقدم خصلة الشعر على القبر بوصفها شيئاً شخصياً يحمل جزءاً رمزياً من صاحبها.
وفي مصر القديمة عثر علماء الآثار على ما فُسر أحياناً بوصفه قرابين من الشعر، وإن كانت دلالاتها الدقيقة موضع نقاش ولم يصل إلينا تفسير مصري واحد واضح لها.
وفي تقاليد هندوسية ما زالت ممارسة حلق الشعر وتقديمه في المعابد موجودة حتى اليوم، حيث يصبح الشعر قرباناً أو وفاء بنذر أو علامة تطهير وتجدد.
بهذا المعنى يصبح الشعر مادة تقع في منطقة غريبة بين الجسد والرمز: هو شيء منا، لكنه يستطيع أن يتركنا؛ يموت صاحبه بينما يبقى هو؛ ويمكن دفنه أو حرقه أو تقديمه للإله أو إخفاؤه عن الآخرين، وهذا ربما يفسر لماذا كان وضعه في الكهوف ذا أثر رمزي قوي.
لماذا الكهف ؟
الكهف نفسه ليس مجرد فراغ في الصخر، استخدم الإنسان الكهوف منذ عصور بعيدة للدفن والشعائر والتجمعات الطقسية، وفي ثقافات مختلفة ارتبطت الكهوف بالأرض والأجداد والموت والعوالم السفلية أو بالمنافذ التي تفصل عالم البشر عن قوى أخرى.
لا يعني ذلك أن جميع الحضارات رأت الكهف بهذه الطريقة، لكن تكرار استخدامه في الطقوس الجنائزية يجعل وجود الشعر داخله أكثر إثارة للاهتمام.
فإذا كان الشعر جزءاً يحتفظ بعلاقة رمزية مع الإنسان، وكان الكهف عند بعض الثقافات مكاناً للموت أو الانتقال، فإن إيداع خصلة شعر في أعماقه قد يحمل معنى يتجاوز مجرد التخلص منها.
ومع ذلك تبقى النية الحقيقية وراء كثير من هذه الممارسات مجهولة، وما يصل إلينا هو الأثر فقط: خصلة، وعاء، ضفيرة، قبر، أو حجرة مغلقة منذ آلاف السنين.
أما تفسير ما كان يدور في ذهن أصحابها، فيظل أكثر صعوبة.
هل ينمو الشعر فعلاً من الصخور؟
بعد كل هذه الرحلة بين الموت والسحر والطقوس، نعود إلى السؤال الأول.
ما تلك الخيوط التي تتدلى من جدران الكهوف ؟ في كثير من الحالات الجواب أقل خارقية، لكنه لا يقل غرابة.
معظم ما يسمى "شعر الكهوف" يتكون من بلورات معدنية ليفية شديدة الرقة، وأكثرها شيوعاً الجبس، إلى جانب معادن أخرى مثل الإبسوميت والميرابيليت.
تتحرك مياه تحتوي على أملاح مذابة خلال مسام الصخر وشقوقه، وعندما تصل إلى سطح مكشوف في جو الكهف الأكثر جفافاً يبدأ الماء بالتبخر، فتترسب المعادن على شكل بلورات.
ومع استمرار وصول المحلول من داخل الصخر، تنمو البلورة تدريجياً إلى الخارج، فتبدو وكأنها شعرة تخرج من الجدار.
وقد تتشابك آلاف البلورات فتنتج كتلة تشبه الصوف أو القطن أو اللحية، وهذا يفسر أيضاً اختفاء بعض الأنواع وعودتها، فالمعادن شديدة الذوبان قد تذوب عندما ترتفع الرطوبة أو يصل إليها الماء، ثم تبدأ من جديد في التبلور عندما يجف المكان.
النتيجة شيء يبدو حياً، لكنه في الحقيقة عملية كيميائية بطيئة تجري في الظلام.
ليس كل الشعر معدناً
حتى هذا التفسير لا يشمل جميع الحالات، في بعض الكهوف تنتج مستعمرات من البكتيريا، وخاصة بعض أنواع بكتيريا أكتين Actinobacteria وهي شبكات من الخيوط المجهرية يمكن أن تبدو للعين كطبقة شعرية ناعمة.
وفي مواقع أخرى تهبط جذور النباتات من التربة فوق الكهف عبر الشقوق، فتتدلى داخل الحجرات على هيئة خصل رفيعة، ومع مرور الوقت قد تغطيها المعادن وتتحول إلى تكوينات تجمع بين أصل عضوي وغلاف معدني.
ويبقى النوع الرابع: شعر الإنسان الحقيقي الذي وصل إلى الكهف بيد الإنسان نفسه، وهكذا فإن الشيء الذي نسميه ببساطة "شعر الكهوف" قد يكون في الواقع أربع ظواهر مختلفة تماماً: بلورات معدنية، خيوط ميكروبية، جذور نباتية، أو شعراً بشرياً احتفظ به الزمن.
لكن أغرب ما في القصة ربما لا يكمن في أن الصخور تستطيع إنتاج خيوط تشبه الشعر، بل في أن الإنسان نفسه، منذ آلاف السنين، كان يحمل شعره الحقيقي إلى أعماق الكهوف، يحفظه داخل أوعية، يقدمه للموتى أو يربطه بالطقوس، وكأنه شعر بأن هذا الجزء الصغير من الجسد يحتفظ بشيء من صاحبه حتى بعد أن يُقطع عنه.
فهل كان الشعر بالنسبة إليه مجرد أثر مادي ؟ أم ذكرى ؟ أم قرباناً ؟ أم وسيلة تحمل شيئاً من الإنسان إلى مكان اعتقد أنه يقع على حدود عالم آخر ؟
قد تفسر الجيولوجيا الشعر الذي ينمو من الحجر، لكن الخصل التي تركها البشر في الظلام ما زالت تحتفظ بجزء من لغزها.