في الرابع من يناير عام 2014، صعد رجل الأعمال الزيمبابوي زايد دادا إلى جبل نيانغاني برفقة زوجته واثنين من أصدقائه، وفي منتصف الطريق، شعر مرافقوه بالتعب وقرروا التوقف، بينما واصل هو الصعود بمفرده، كانت تلك آخر مرة يُشاهد فيها، اختفى الرجل البالغ من العمر 31 عاماً دون أن يُعثر له على أثر، رغم عمليات بحث واسعة شارك فيها الجيش والشرطة والمروحيات. ولم تكن هذه الحادثة الأولى في جبل ارتبط اسمه منذ زمن طويل باختفاء البشر.

يقع جبل نيانغاني Mount Nyangani المعروف سابقاً باسم إنيانغاني في المرتفعات الشرقية من زيمبابوي، ويبلغ ارتفاعه نحو 2592 متراً ليكون أعلى قمة في البلاد، تغطي سفوحه الغابات والمروج الصخرية، وتحيط به أودية شديدة الانحدار، بينما يستطيع الضباب الكثيف أن يحجب معالمه خلال دقائق، ورغم جماله الذي يجذب المتنزهين، يحمل الجبل سمعة مخيفة بين السكان المحليين، حتى أصبح يُعرف في بعض الروايات باسم "الجبل الذي يبتلع البشر".

والأغرب أن هذا المكان دخل لاحقاً في رواية غير مألوفة تربطه ببرنامج استخباراتي أمريكي شهير، وادعاءات عن وجود قاعدة سرية تحت صخوره لإصلاح المركبات الفضائية المجهولة.

اختفاءات حيرت فرق البحث

تعود إحدى أشهر الحوادث إلى مطلع ثمانينيات القرن العشرين، عندما اختفت ابنتا المسؤول الحكومي الزيمبابوي تيشائينديبي ماسايا أثناء وجودهما في الجبل، ورغم جهود البحث، لم يتم العثور عليهما، لتتحول قصتهما إلى واحدة من أكثر الحوادث حضوراً في ذاكرة المنطقة.

وفي نوفمبر عام 1984، تذكر تقارير صحفية اختفاء تلميذ يدعى روبرت أكهورست Robert Ackhurst خلال رحلة مدرسية إلى نيانغاني، برفقة معلم ومجموعة من الطلاب، وتروي هذه التقارير أن عمليات البحث لم تكشف مصيره، وإن كانت بعض المصادر تختلف بشأن تاريخ الحادثة وتفاصيلها.

أما اختفاء زايد دادا عام 2014، فقد حظي بتغطية صحفية مباشرة، وبعد نحو أسبوعين من البحث دون نتيجة، وافقت أسرته على إفساح المجال للزعماء التقليديين لإقامة طقوس تهدف، بحسب معتقداتهم، إلى استرضاء الأرواح الحارسة للجبل. كان المشهد استثنائياً؛ فرق الإنقاذ الحديثة تنسحب مؤقتاً، بينما يتقدم أصحاب الطقوس القديمة بحثاً عن رجل مفقود.

لكن ليس كل من ضل طريقه في نيانغاني اختفى إلى الأبد. ففي أغسطس من العام نفسه، روى الطالب البريطاني توماس غايسفورد Thomas Gaisford تجربة مخيفة بعد أن صعد الجبل منفرداً، وما إن بلغ القمة حتى أحاط به الضباب نحو الثالثة بعد الظهر، ثم هطلت الأمطار وفقد طريق العودة. اضطر إلى قضاء الليل في خيمته وسط البرد وأصوات الحيوانات، قبل أن يتمكن من النزول صباحاً بعد انقشاع الضباب، وكانت تجربته مثالاً على السرعة التي يمكن أن تتحول بها نزهة جبلية إلى محنة حقيقية.

جبل الأرواح والمحظورات القديمة

سبقت سمعة نيانغاني الغامضة ظهور الأجسام الطائرة المجهولة بقرون، وإن لم يكن بالإمكان تحديد بداية هذه المعتقدات بتاريخ دقيق، ففي تراث شعب المانييكا Manyika وغيره من المجتمعات المحلية، لا يُنظر إلى الجبل بوصفه تكويناً صخرياً فحسب، بل باعتباره مكاناً مقدساً تسكنه أرواح الأسلاف وقوى خفية تحرس الأرض.

وتتناقل الأجيال روايات تحذر الزائر من رفع صوته أو السخرية من المكان أو إظهار الغرور، كما تنص بعض التقاليد على تجنب العبث بالنباتات والأشياء التي يصادفها المتنزه. ويعتقد البعض أن انتهاك هذه المحظورات قد يستفز الأرواح ويدفعها إلى إضلال المخالف أو إخفائه.

ومن أكثر حكايات الجبل غرابة ظهور ثعابين متعددة الألوان تحيط بإناء فخاري يتصاعد منه الدخان، أو سبائك ذهبية تستلقي في الطريق وكأنها تنتظر من يلتقطها، وتذكر أساطير أخرى أشجاراً ذات صفات بشرية وشلالات تختفي بصورة غير متوقعة، وفي هذه الروايات، قد يكون الشيء المغري أو المشهد غير المألوف اختباراً للزائر؛ فإذا اقترب منه أو حاول الاستيلاء عليه، عرّض نفسه لغضب القوى الحارسة.

لم تكن هذه المعتقدات مجرد قصص للتخويف، ففي دراسة نشرتها مجلة Cogent Social Sciences في يناير 2025، أجرى باحثون مقابلات ميدانية مع سكان ومرشدين وشخصيات مرتبطة بالتراث المحلي، ووجدوا أن أساطير نيانغاني تؤدي دوراً في تنظيم سلوك الناس وحماية البيئة وتعزيز احترام المواقع المقدسة، وهي وظيفة اجتماعية وثقافية استمرت عبر الأجيال، بصرف النظر عن صحة التفسيرات الخارقة المرتبطة بها.

وتتحدث الروايات أيضاً عن فقدان الاتجاهات وسماع أصوات غريبة والشعور بالتيه، بل وعن أشخاص ساروا في دوائر أو عجزوا عن التعرف إلى معالم مألوفة، وقد أضيفت إلى هذه الحكايات روايات عن أضواء مجهولة تظهر فوق المرتفعات ليلاً، وإن كانت تفتقر إلى توثيق مستقل يحدد طبيعتها أو مدى تكرارها.

ستارغايت: هل توجد منشأة فضائية داخل الجبل ؟

أخذ لغز نيانغاني اتجاهاً مختلفاً عندما ارتبط باسم لين بوكانان Lyn Buchanan وهو عسكري أمريكي سابق شارك في برنامج "ستارغايت" Project Stargate، الذي استكشف خلال الحرب الباردة إمكانية جمع معلومات استخباراتية باستخدام ما يعرف بـ "الرؤية عن بعد" Remote Viewing.

كانت الفكرة تقوم على محاولة وصف أماكن أو منشآت بعيدة دون رؤيتها مباشرة أو الاعتماد على وسائل الاستطلاع التقليدية، وقد موّلت مؤسسات استخباراتية أمريكية هذه التجارب منذ سبعينيات القرن الماضي، وهو جانب تاريخي تؤكده الوثائق التي رُفعت عنها السرية لاحقاً.

لكن قصة القواعد الفضائية بدأت قبل مشاركة بوكانان بسنوات، ففي عام 1973، زعم أحد ممارسي الرؤية عن بُعد، ويدعى بات برايس Pat Price، أنه استطاع تحديد أربع قواعد سرية لكائنات غير بشرية، مخبأة داخل جبال موزعة على أنحاء العالم، وكان برايس يعمل آنذاك مع معهد ستانفورد للأبحاث، لكنه وضع هذه الرواية بمبادرة شخصية، ولم تكن نتيجة مهمة استخباراتية رسمية كُلف بها.

وبحسب الأوراق المنسوبة إليه، يقع المركز الرئيسي لهذه القواعد في جبال البرانس على الحدود الإسبانية الفرنسية، بينما يوجد مركز للتنقل والأفراد داخل جبل زايل بأستراليا، ومنشأة للتحكم بالطقس والظواهر الجيولوجية في جبل هايز بألاسكا، أما جبل نيانغاني في زيمبابوي، فكان في تصوره مركزاً رئيسياً للصيانة والإصلاحات التقنية.

لم يكتف برايس بتحديد المواقع، بل وصف ما اعتقد أنه معدات متطورة وعمليات لحام تتم داخل حجرات مفرغة من الهواء، وأنظمة تقنية غير مألوفة. وتحدث عن أنابيب وتجهيزات قد تستخدم لتغيير خصائص الهواء، إلى جانب طواقم تعمل داخل المنشأة.

لاحقاً، انتقلت أوراق برايس إلى ضابط الاستخبارات الأمريكي سكيب أتواتر Skip Atwater الذي استخدمها لإعداد جلسات تجريبية تحت اسم "مشروع 8200" بهدف اختبار أوصاف المواقع باستخدام مشاركين آخرين في الرؤية عن بُعد. ومن بين الأسماء المرتبطة بهذه التجارب جو ماكمونيغل ولين بوكانان.

أعاد أتواتر نشر تفاصيل المشروع في كتاب صدر عام 2024، بينما اكتسبت القصة زخماً جديداً خلال عام 2026، عندما تحدث بوكانان عن القواعد الأربع في مقابلات إعلامية، وأعاد ربط نيانغاني بمنشأة مزعومة لصيانة الأجسام الطائرة المجهولة.

وهكذا اجتمعت روايتان مختلفتان عن المكان نفسه: واحدة أفريقية قديمة تتحدث عن أرواح تضلل البشر، وأخرى حديثة ترى تحت الجبل منشأة مجهولة تديرها كائنات غير أرضية.

ماذا يكشف التحقيق ؟

إن الوجود التاريخي لبرنامج ستارغايت لا يعني أن نتائجه كانت صحيحة، فقد خضعت أبحاث الرؤية عن بُعد لتقييم مستقل عام 1995، خلص إلى أن المعلومات الناتجة عنها كانت متقلبة وغير دقيقة بما يكفي للاعتماد عليها في العمليات الاستخباراتية، ما أدى إلى إنهاء البرنامج.

كذلك لا يوجد دليل جيولوجي أو أثري معروف يثبت وجود منشأة فضائية تحت نيانغاني، ولا صور موثقة أو بيانات رادارية تثبت أن مركبات مجهولة تدخل الجبل أو تغادره. وحتى الروايات التي تربط الأضواء الغريبة بحالات الاختفاء لا تقدم علاقة سببية قابلة للتحقق. أما أوراق بات برايس، فهي توثق ما ادعى إدراكه ذهنياً، ولا تشكل اكتشافاً ميدانياً للقواعد المزعومة.

وتقدم طبيعة الجبل نفسها تفسيراً محتملاً للكثير من حوادث الضياع، فالتبدل المفاجئ من طقس صافٍ إلى ضباب كثيف قادر على محو العلامات البصرية التي يعتمد عليها المتنزه في تحديد اتجاهه، بينما تجعل المنحدرات والأودية الصخرية أي انحراف عن الطريق خطراً. وقد أشار مسؤولون عن المتنزهات في زيمبابوي إلى هذه العوامل عند تفسير الاحتمالات المحيطة باختفاء زايد دادا.

ومع ذلك، فإن تفسير ظروف الضياع لا يعني معرفة المصير الفعلي لكل مفقود، فما حدث للأشخاص الذين لم يُعثر عليهم يظل مجهولاً في غياب أدلة حاسمة.

ولعل أكثر ما يميز نيانغاني أن غموضه لم ينشأ من رواية واحدة، بل من تراكم قرون من المعتقدات، وحوادث فقدان حقيقية، وتجارب أشخاص نجوا من ظروف صعبة، ثم ادعاءات استخباراتية غير مألوفة جاءت لتضيف طبقة جديدة إلى الأسطورة.

وبين أرواح الأسلاف التي يخشاها السكان المحليون والمركبات الفضائية التي تحدث عنها برايس وبوكانان، يبقى الجبل على حاله: مرتفعات صامتة يبتلعها الضباب، وتحتفظ بحكايات عن أشخاص صعدوا إليها ولم يعودوا. وليس ضرورياً أن يخفي نيانغاني قاعدة فضائية حتى يظل مكاناً غامضاً؛ فمصير بعض من اختفوا فيه يكفي ليترك أسئلة لم تجد إجاباتها بعد.