في ربيع عام 1812، كان سبعة مسافرين يعبرون طريقاً ريفياً في جنوب فرنسا على متن عربة تجرها الخيول، عندما ظهر أمامهم شيء لم يجدوا له تفسيراً، كرة مضيئة تتحرك فوق الطريق، ثم تنقسم إلى أربع كتل نارية، قبل أن تتخذ المشاهد أمام أعينهم هيئة أغرب: أربعة رجال، يبدو كل منهم محاطاً بما يشبه فانوساً مضيئاً.

أصاب المشهد المسافرين برعب دفعهم إلى تغيير خطتهم والمبيت في نُزل متواضع يُعرف باسم "الأبراج الأربعة"، بدلاً من مواصلة الطريق إلى مدينة مانوسك ، لم تكن هناك طائرات، ولا أقمار صناعية، ولا حتى مفهوم "الصحون الطائرة" الذي سيظهر بعد أكثر من قرن. ومع ذلك، فإن تفاصيل تلك المشاهدة تشبه بعض الروايات التي سيجمعها الباحثون لاحقاً تحت مسمى الأجسام الطائرة المجهولة.

لكن الأكثر إثارة أن الحادثة وقعت في منطقة كانت تتعرض لسلسلة من الزلازل، وأن الطبيب الذي وثّقها لم يكن يكتب عن زوار من عوالم أخرى، بل عن ظواهر طبيعية حيرته وحيرت السكان. 

حادثة مانوسك 1812

بدأت القصة الجيولوجية في 20 مارس 1812، عندما ضرب زلزال منطقة بومون دو بيرتوي Beaumont-de-Pertuis في جنوب شرق فرنسا، ولم يكن الحدث عابراً؛ فقد أعقبته هزات متكررة استمرت أسابيع ، وتؤكد السجلات الزلزالية الفرنسية الحديثة وقوع الزلزال، وتُقدّر شدته التاريخية بنحو الدرجة السابعة إلى الثامنة على مقياس الشدة الزلزالية الأوروبي التاريخي، وهو تقدير لآثاره لا لمقدار قوته على مقياس ريختر. 

في يوليو من العام نفسه، نشر الطبيب وعالم الطبيعة لويس جوزيف ماري روبير Louis-Joseph-Marie Robert دراسة بعنوان Notice historique sur le tremblement de terre du village de Beaumont تناول فيها الهزات الأرضية والظواهر الجوية والأرضية التي رافقتها ، ذكر روبير أن بعض السكان شاهدوا ما وصفوه بألسنة من النيران الكهربائية تخرج من الأرض، وأن ظواهر مشابهة تكررت في البلدات المجاورة، ثم انتقل إلى حادثة 4 مايو 1812، على الطريق الواصل بين مانوسك وفيلنوف، حيث تحدث عن كرة مضيئة تحركت بالقرب من عربة المسافرين، قبل أن تنقسم إلى أربعة أضواء.

لكن عبارته الأكثر غرابة كانت وصف اضطراب رؤية المسافرين إلى درجة أنهم اعتقدوا أنهم شاهدوا أربعة رجال يرقصون حولهم، وكل واحد منهم داخل فانوس.

وفي مدينتي سانت تول Sainte-Tulle ومانوسك، جرى تسجيل مشاهدة إضاءة كبيرة معلقة في الجو لبضع دقائق، شُبّهت بالشفق القطبي ، وهنا تظهر أهمية العودة إلى الوثيقة الأصلية، وليس الاكتفاء بما ترويه كتب الأجسام الطائرة اللاحقة.

الوثيقة التاريخية: صفحة 10 من كتاب روبير

عرض صورة الصفحة الأصلية باللغة الفرنسية تتضمن الصفحة وصف الكرة المضيئة المنقسمة إلى أربعة أضواء، إضافة إلى تعليق الطبيب حول طبيعة الأضواء المرتبطة بالزلازل ، فهل وصف الطبيب مخلوقات فضائية حقاً ؟

الإجابة هي أن نصه لا يقدم هذا الاستنتاج، بل إن روبير أضاف في هامش الصفحة ملاحظة تفيد بأن ظهور تلك النيران ليس أمراً استثنائياً، وربطه بالظواهر المصاحبة للزلازل الكبرى، كذلك استخدم تعبيراً يفيد بأن المسافرين "اعتقدوا أنهم رأوا" الرجال الأربعة، وليس أنهم شاهدوا كائنات مؤكدة الوجود.

وهناك حدود أخرى للشهادة: لم تُحفظ أسماء المسافرين، ولا إفاداتهم الفردية، ولا نعرف كيف وصلت تفاصيل مشاهدتهم إلى الطبيب. لذلك لا يمكن التحقق مما إذا كان السبعة قد شاهدوا المشهد نفسه بالتفصيل أو تناقلوا وصفاً مشتركاً له.

وتعرضت الحادثة لاحقاً لتحريفات في التاريخ، فقد ظهرت في بعض المراجع بتاريخ 20 مارس 1812، وفي مرجع آخر بتاريخ 4 مايو 1872، بينما تنص الصفحة الأصلية بوضوح على 4 مايو 1812، وتكمن هنا مشكلة معروفة في دراسة الظواهر التاريخية: كلما انتقلت الشهادة بين الكتب والمؤلفين، أصبحت عرضة لتغييرات صغيرة قد تؤثر في معناها الأصلي. 

أضواء الزلازل: تفسير علمي محتمل

يعرف الباحثون اليوم مصطلح أضواء الزلازل Earthquake Lights أو ظاهرة أضواء الأرض وهو اسم يطلق على مجموعة من الظواهر الضوئية التي يُبلغ عن مشاهدتها قبيل الزلازل أو أثناءها أو في فترات قريبة منها، قد توصف على هيئة كرات مضيئة، أو ومضات، أو ألسنة ضوئية، أو توهج منتشر بالقرب من الأفق.

وقد تم طرح فرضيات فيزيائية لتفسير بعضها، منها تولّد شحنات كهربائية مرتبطة بالإجهاد الواقع على الصخور، لكن الآليات الدقيقة لا تزال محل نقاش. وتوضح هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS أن العلماء يختلفون بشأن مدى موثوقية الحالات المنسوبة إلى هذه الظاهرة، وأن بعض التقارير الحديثة اتضح ارتباطها بشرارات ناتجة عن اهتزاز خطوط الكهرباء. 

وفي حادثة مانوسك تحديداً، توجد ثلاثة احتمالات عامة: أن تكون الأضواء ظاهرة طبيعية مرتبطة بالنشاط الزلزالي، أو ظاهرة جوية أخرى، أو أن يكون الوصف قد تأثر بالخوف والظروف المحيطة بالشهود.

غير أن الربط بين الأضواء وزلزال 1812 يبقى فرضية، لأن مشاهدة المسافرين وقعت بعد أسابيع من الهزة الرئيسية، ولم تتوفر قياسات فيزيائية أو شهادات مستقلة تسمح بتحديد السبب.

تشيلي 1868: الطائر المعدني العملاق

في مارس 1868، ظهرت في صحيفة El Constituyente بمدينة كوبيابو التشيلية رواية أغرب من مشاهدات الأضواء الفرنسية، فبحسب النص المنقول عن الصحيفة، كان عمال أحد المناجم يستعدون لتناول طعامهم عندما شاهدوا جسماً ضخماً يطير فوقهم. ظنوه في البداية سحابة، لكنهم وصفوا بعد اقترابه مخلوقاً مجنحاً له ريش رمادي ورأس يشبه الجرادة، وعينان متوهجتان، وجسم طويل تغطيه قشور لامعة تصدر أصواتاً معدنية.

وانتقلت الرواية إلى مصادر أجنبية، ومنها مجلة التاريخ الطبيعي البريطانية The Zoologist في يوليو 1868، قبل أن يعيد كتاب الظواهر الغامضة والأجسام الطائرة تداولها في القرن العشرين. 

لكن التحقيق في أصل الرواية يكشف تفصيلاً مهماً: تنقل مصادر تشيلية أن الصحيفة وضعت فوق الخبر عبارة "ESTE ES UN CUENTO" التي تعني "هذه حكاية"، لا يثبت هذا وحده أنها كانت قصة خيالية، لكنه يدعو إلى الحذر من قراءتها باعتبارها تقريراً صحفياً عن مشاهدة مؤكدة.

واللافت أن الرواية تجمع بين صور المخلوقات الأسطورية والتكنولوجيا: طائر عملاق، وقشور معدنية، وأصوات تشبه الآلات، وربما تكشف هذه العناصر عن الخيال الشعبي في تلك المرحلة بقدر ما تكشف عن شيء مجهول في السماء.

الخليج العربي 1879

لم تقتصر الظواهر الغريبة على السماء. ففي 15 مايو 1879، شاهد قائد السفينة الحربية البريطانية HMS Vulture، إليوت برينغل، ظاهرة غير مألوفة في مياه الخليج العربي بالقرب من البحرين، كانت السماء صافية والبحر هادئاً عندما لاحظ القائد موجات مضيئة تتحرك بسرعة عبر سطح المياه، بدت من سطح السفينة وكأنها عجلتان عملاقتان تدوران في اتجاهين مختلفين.

استمرت الظاهرة نحو 35 دقيقة، ودُوّنت في تقرير رسمي إلى الأميرالية البريطانية، نُشر لاحقاً في مجلة Nature العلمية في 24 يوليو ، غير أن القائد نفسه لاحظ، بعد صعوده إلى موضع أعلى على السفينة، أن الموجات كانت تتحرك بصورة متوازية، وأن هيئة العجلات الدوارة نتجت على الأرجح عن اختلاف المنظور البصري.

ويرجح باحثون أن مثل هذه الأضواء البحرية ترتبط بالتلألؤ الحيوي للكائنات الدقيقة، مع استمرار النقاش حول كيفية تشكل الأنماط الهندسية المعقدة ، هذه الحادثة ليست مشاهدة لجسم طائر بالمعنى الدقيق، لكنها تقدم مثالاً نادراً على أن ظاهرة تبدو في البداية كتركيب هندسي متحرك قد تكون ناتجة عن عمليات طبيعية.

المكسيك 1883

في يومي 12 و13 أغسطس 1883، كان الفلكي المكسيكي خوسيه أربول إي بونيّا José Árbol y Bonilla يعمل في مرصد زاكاتيكاس عندما لاحظ أجساماً داكنة تعبر أمام قرص الشمس.

سجل بونيّا مرور نحو 447 جسماً خلال فترة الرصد، وتمكن من التقاط عدة صور فوتوغرافية لبعضها، وقد وصف بعضها بأنه محاط بمظهر ضبابي، قبل نشر ملاحظاته في مجلة L'Astronomie الفرنسية عام 1886، اقترح محرر المجلة، الفلكي كامي فلاماريون، أن الأجسام ربما كانت طيوراً أو حشرات أو جسيمات قريبة من التلسكوب. 

لكن القضية عادت إلى الواجهة في عام 2011 عندما نشر ثلاثة باحثين مكسيكيين دراسة تقترح أن ما شاهده بونيّا قد يكون شظايا مذنب متفكك مر بالقرب من الأرض، كانت فرضية مثيرة، لكنها واجهت اعتراضاً علمياً واضحاً: لو مرت مئات الأجسام الكبيرة بهذا القرب من الأرض، فلماذا لم ترصدها مراصد أخرى ؟ لذلك ظلت فرضية شظايا المذنب غير مثبتة، كما أن الصور التاريخية لا تقدم دليلاً على مركبات فضائية. 

أمريكا 1896–1897

رسم نشرته صحيفة The San Francisco Call في 19 نوفمبر 1896 لتصوّر المنطاد المزعوم فوق ساكرامنتو، وهو رسم صحفي تخيلي يستند إلى الأوصاف وليس صورة فوتوغرافية للجسم، في نوفمبر 1896 بدأت الصحف الأمريكية تنشر أخباراً عن أضواء وأجسام طائرة مجهولة فوق مدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، وصف بعض الشهود ضوءاً قوياً يتحرك ببطء ويغيّر ارتفاعه، بينما تحدث آخرون عن جسم طويل يشبه المنطاد، مزود بمراوح وأضواء، حتى إن بعض الروايات زعمت سماع أصوات أشخاص يتحدثون على متنه، وسرعان ما امتدت الأخبار إلى مدن أخرى، وصولاً إلى ولايات الغرب الأوسط الأمريكي خلال عام 1897.

كانت تلك الفترة تشهد تطوراً في تجارب الطيران والمناطيد، لكن التقنيات المتاحة لم تكن تفسر بالضرورة جميع القدرات التي نسبت إلى هذه المركبات المزعومة.، والأهم أن بعض الصحف التي نشرت الروايات بدأت تشكك فيها أيضاً.

ففي 20 نوفمبر 1896، نشرت صحيفة Sacramento Daily Record-Union مقالاً بعنوان Air Fancies، أقرت فيه بأن ضوءاً غريباً قد شوهد فعلاً، لكنها اعتبرت أن القصص حول المركبة وركابها ربما كانت وليدة المبالغة والشائعات والمزاح.

وتؤكد جمعية نبراسكا التاريخية أن بعض محرري الصحف اختلقوا أخبار مشاهدات لتعزيز شهرة مدنهم، وأن أشخاصاً استخدموا الطائرات الورقية لخداع المتفرجين. 

وهكذا نشأت إحدى أشهر موجات المشاهدات الغامضة قبل نحو نصف قرن من انتشار مصطلح "الصحن الطائر" عام 1947.

هل كانت الظواهر المجهولة موجودة قبل أن نمنحها أسماء حديثة ؟

عند مقارنة هذه الروايات، يظهر نمط تاريخي مثير، ففي فرنسا عام 1812، ارتبطت الظاهرة بالأضواء والنيران والرجال المحاطين بالفوانيس، وفي تشيلي عام 1868، اتخذ الغموض هيئة طائر أسطوري ذي جسم معدني، أما في أمريكا أواخر القرن، فقد ظهرت مركبات بمراوح وأضواء تشبه طموحات المهندسين والمخترعين في ذلك العصر.

هذا الاختلاف يطرح احتمالاً أن التوقعات الثقافية والتكنولوجيا المعروفة في كل زمن تؤثر في الطريقة التي يفسّر بها الشهود مشاهداتهم ويصفونها، وقد يكون بعضها ناتجاً عن ظواهر طبيعية حقيقية أُسيء تفسيرها، وبعضها عن قصص شعبية أو مبالغات صحفية، بينما تبقى حالات أخرى غير محسومة بسبب نقص الأدلة.

لكن ثمة فرقاً أساسياً بين ثلاثة مستويات من الحقيقة التاريخية: أن تكون الرواية قد نُشرت بالفعل، وأن يكون شاهد قد وصف ما رآه بصدق، وأن يكون تفسيره لما شاهده صحيحاً، فالتحقق من المستوى الأول لا يثبت تلقائياً المستويين الآخرين.

ولذلك لا يصح التعامل مع كل خبر قديم عن ضوء أو جسم غامض بوصفه دليلاً على وجود مركبة فضائية.

ماذا تخبرنا حادثة مانوسك على وجه الخصوص ؟

تُعد رواية مانوسك مثيرة لأنها جاءت ضمن دراسة عن زلزال حقيقي، ولم تُكتب أصلاً للدفاع عن وجود كائنات فضائية، فوجود الكتاب مؤكد، وتاريخ الزلزال موثق، والنص الأصلي يصف حادثة غير مألوفة، لكن هوية الشهود، وتفاصيل ظروف المشاهدة، والطبيعة الفيزيائية للأضواء، كلها أمور لم يعد من الممكن التحقق منها على نحو حاسم، وعندما نقرأ وصف الرجال الأربعة داخل الفوانيس، لا ينبغي أن ننسى العبارة التي سبقت ظهورهم في النص: اضطراب رؤية المسافرين، فهل رأوا بالفعل أشكالاً بشرية داخل الأضواء ؟ أم أن عقولهم حاولت إعطاء شكل مألوف لمشهد ضوئي لم يستطيعوا فهمه ؟ 

وهل كان الضوء نفسه من الظواهر المرتبطة بالنشاط الزلزالي، أم حدثاً جوياً مستقلاً ؟

ليست لدينا أدلة كافية لترجيح تفسير نهائي.

السماء القديمة لم تكن أقل غموضاً

تُظهر سجلات القرن التاسع عشر أن البشر شاهدوا ووصفوا أشياء غامضة قبل زمن الطائرات الحديثة والرادارات والأقمار الصناعية، لكنها تكشف أيضاً أن وسائل الإعلام والذاكرة الشعبية والخيال العلمي الناشئ كانت قادرة على إعادة تشكيل تلك الروايات.

وبين الطبيب الفرنسي الذي وثّق أضواء الزلازل، والفلكي المكسيكي الذي صور أجساماً تعبر أمام الشمس، والصحفي الأمريكي الذي كتب عن منطاد لا يعرف أحد صانعه، يبقى القاسم المشترك هو محاولة الإنسان تفسير مشهد يخرج عن نطاق خبرته المعتادة.

وربما يكون السؤال الأهم ليس: هل زارتنا مركبات فضائية في القرن التاسع عشر ؟

بل: كم من مشاهدات الأجسام المجهولة التي نسمع عنها اليوم تشبه في جوهرها تلك الحكايات القديمة، مع اختلاف اللغة والتكنولوجيا والتوقعات التي نستخدمها لتفسيرها ؟