في مساء هادئ من شهر سبتمبر عام 1952، خرج عدد من الصبية في بلدة فلاتوودز Flatwoods الصغيرة بولاية فرجينيا الغربية الأميركية، ولم يكن في المشهد ما يوحي بأن البلدة ستصبح بعد ساعات قليلة مسرحاً لإحدى أشهر حوادث الأجسام الطائرة المجهولة والكيانات الغريبة في القرن العشرين.
بدأ الأمر بضوء يعبر السماء، وانتهى بهيئة شاهقة ذات وجه متوهج تتحرك بين الأشجار، وبين هذين المشهدين وُلدت قصة وحش فلاتوودوز Flatwoods Monster التي بقيت حية لأكثر من سبعة عقود؛ مرة بوصفها مواجهة مع كائن قادم من الفضاء، ومرة بوصفها مثالاً كلاسيكياً على الطريقة التي يمكن للخوف والظلام والتوقعات المسبقة أن تعيد بها تشكيل ما تراه العين.
كرة نارية تهبط خلف التلال
كان مساء 12 سبتمبر/أيلول 1952، قرابة السابعة والربع، عندما كان عدد من الصبية يلعبون في الخارج وشاهدوا جسماً شديد السطوع يشق السماء، بدا لهم أنه يهبط خلف أحد التلال القريبة من البلدة.
هرع الصبية لإخبار الكبار بما رأوه، وسرعان ما انطلقت مجموعة نحو الموقع المفترض، كان من بينهم كاثلين ماي Kathleen May ومعها عدد من الصبية والشاب جين ليمون Eugene "Gene" Lemon إضافة إلى كلب كان يرافق المجموعة.
كلما اقتربوا من التل ازدادت الأجواء غرابة، كانت الرؤية محدودة، وفي البعيد لاحظوا ضوءاً أحمر أو برتقالياً نابضاً بين الظلام. بالنسبة لمن خرجوا للتو بحثاً عن جسم ظنوا أنه سقط من السماء، بدا ذلك بمثابة تأكيد أنهم في المكان الصحيح، وتذكر موسوعة فرجينيا الغربية West Virginia أن المجموعة كانت مؤلفة من سبعة أشخاص، وأنهم اتجهوا إلى قمة التل بعد مشاهدتهم الجسم الناري.
لكن ما كان ينتظرهم لم يشبه حطام طائرة أو نيزكاً.
عينان في الظلام
بينما كانت المجموعة تتقدم، لاحظ جين ليمون Gene Lemon نقطتين مضيئتين بالقرب من إحدى الأشجار. قد تكونان، للوهلة الأولى، عيني حيوان يعكسان ضوء المصباح.
وُجّه المصباح نحوهما ، وهنا ظهرت الهيئة التي ستصبح لاحقاً واحدة من أشهر صور المخلوقات الغامضة في الثقافة الأميركية.
بحسب الشهادات، كان الكيان شاهقاً وعريضاً على نحو غير مألوف، بوجه دائري متوهج بلون أحمر أو برتقالي، تحيط به هيئة داكنة مدببة من الأعلى شُبّهت لاحقاً بورقة البستوني في أوراق اللعب، أما الجزء السفلي فبدا طويلاً ومنسدلاً، حتى أن بعض الروايات وصفته بأنه يشبه تنورة واسعة أو جسماً معدنياً لا تظهر تحته ساقان، وقد قدرت بعض الروايات المبكرة ارتفاعه بما يقارب ثلاثة أمتار أو أكثر، وإن كان تقدير الأحجام في الظلام وعلى مسافة غير معلومة أمراً شديد الصعوبة.
وبعض النسخ اللاحقة من القصة أضافت أذرعاً تنتهي بما يشبه المخالب، لكن أوصاف الشهود لم تكن متطابقة في جميع هذه التفاصيل، وهو أمر مهم عند محاولة إعادة بناء ما حدث فعلاً.
ثم تحرك الشيء ، لم يقل الشهود إنه تقدم بخطوات طبيعية، بل وصفوا حركته بأنها أشبه بالانزلاق أو الطفو. وتحدثت روايات عن صوت حاد أو فحيح صدر منه بينما تحرك باتجاههم.
لم تنتظر المجموعة لمعرفة المزيد ، هرب الجميع من أعلى التل.
رعب حقيقي… مهما كان مصدره
من السهل، بعد مرور أكثر من سبعين عاماً، النظر إلى الحكاية بوصفها مجرد أسطورة محلية، لكن التقارير التي ظهرت عقب الحادثة مباشرة تعطي انطباعاً بأن الأشخاص الذين عادوا من التلة كانوا في حالة خوف حقيقي.
وهنا تكمن إحدى النقاط المهمة في قضية فلاتوودز: حتى بعض الباحثين الذين رفضوا التفسير الفضائي لم يتهموا الشهود بالضرورة باختلاق القصة.
فقد أعاد الباحث المتشكك جو نيكل Joe Nickell دراسة القضية بعد عقود، ورأى أن المجموعة ربما واجهت مجموعة من الظواهر الطبيعية التي فُسرت بطريقة خاطئة تحت تأثير الخوف والظلام، أي أن تفسيراً طبيعياً للحادثة لا يستلزم أن يكون الشهود كاذبين؛ قد يكونون وصفوا بأمانة ما اعتقدوا أنهم رأوه.
وهذا التفريق بين الحدث الحقيقي وتفسير الحدث ربما يكون مفتاح القضية كلها.
الرائحة والضباب والأعراض الغريبة
لم تقتصر الشهادات على الكيان ، تحدث أفراد المجموعة عن رائحة قوية خانقة أو معدنية في المكان، بينما وصفت بعض الروايات المنطقة بأنها كانت مغطاة بضباب أو غشاوة. وبعد الحادثة قيل إن بعض الشهود شعروا بالغثيان وتهيج الحلق وأعراض أخرى.
في الرواية الفضائية أصبحت تلك الأعراض دليلاً محتملاً على غاز أو أبخرة صادرة من مركبة أو من الكائن نفسه ، لكن لا توجد عينات محفوظة يمكن تحليلها اليوم، كما أن الخوف الشديد والركض وفرط التنفس يمكن أن يسببوا الغثيان والدوار وصعوبة التنفس. ولذلك ظلت هذه الجزئية مثيرة للاهتمام، لكنها لم تتحول إلى دليل مادي يمكن فحصه.
البحث عن المركبة
بعد انتشار الخبر عاد آخرون إلى المكان، لكن لم تظهر مركبة غريبة، ولم يعثر على جسم معدني أو حطام أو حفرة اصطدام واضحة.
ظهرت لاحقاً تقارير عن عشب مضغوط وآثار على الأرض ومادة زيتية أو لزجة، وأصبحت في بعض الروايات دليلاً على أن شيئاً ثقيلاً حط في المنطقة.
المشكلة أن الموقع لم يعزل منذ البداية كمسرح للتحقيق، فقد دخله أشخاص وسيارات وباحثون وفضوليون، مما جعل تحديد أصل أي أثر لاحق أمراً بالغ الصعوبة.
ولهذا لا تعد "آثار الهبوط" من أقوى عناصر القضية، رغم حضورها المتكرر في الروايات الشعبية.
الوحش الذي صنعه الرسم
ربما لم يكن وحش فلاتوودز ليصبح مشهوراً إلى هذا الحد لولا الرسم الذي خلد مظهره، فبعد الحادثة تحولت أوصاف الشهود إلى صورة واضحة: هيئة شاهقة، رأس أو غطاء أسود ضخم مدبب، وجه دائري متوهج، وجسم طويل تتدلى منه طيات.
انتشرت هذه الصورة في الصحف والكتب والبرامج التلفزيونية، ثم أصبحت النموذج الذي تستند إليه معظم الرسومات والتماثيل الحديثة للمخلوق، وتحتفظ موسوعة ويست فيرجينيا West Virginia أيضاً بصورة مركبة مرتبطة بباحث الـUFO الشهير Gray Barker ضمن أرشيف القضية.
لكن ينبغي التذكير بأن الصورة الشهيرة ليست صورة فوتوغرافية للمخلوق، بل إعادة بناء فنية اعتماداً على الشهادات، ومع مرور السنوات أصبحت الصورة أكثر ثباتاً من الذكريات الأصلية نفسها ، وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
هل كان الجسم في السماء مركبة فضائية ؟
أحد أقوى عناصر التفسير الطبيعي يأتي من السماء نفسها، فالسجلات المرتبطة بمشروع الكتاب الأزرق Project Blue Book التابع للقوات الجوية الأميركية صنفت الجسم المضيء الذي شوهد في تلك الليلة باعتباره ظاهرة فلكية، وتربط بطاقة القضية الرسمية ما شوهد قرب فلاتوودز بكرة نارية أو نيزك رُصد في نطاق واسع مساء 12 سبتمبر، وتضع نتيجة التقييم تحت تصنيف "حادثة فلكية" Astronomical وهذه نقطة مهمة للغاية ، فإذا كان الضوء في السماء نيزكاً عالياً وبعيداً، فإن ظهوره وكأنه هبط خلف التل لا يعني أنه سقط هناك فعلاً، عندما يختفي جسم مضيء بعيد خلف الأفق أو التضاريس، يمكن للمشاهد أن يعتقد بسهولة أنه هبط على الجانب الآخر من التل ، أي أن رحلة المجموعة إلى أعلى التل ربما بدأت من وهم بصري في تقدير المسافة ، لكن ذلك لا يفسر وحده ما شاهدوه بين الأشجار.
بومة صنعت وحشاً ؟
التفسير الطبيعي الأشهر للكيان نفسه هو أيضاً الأكثر غرابة: بومة.
اقترح جو نيكل Joe Nickell بعد دراسة الروايات والموقع، أن ما شاهده أفراد المجموعة ربما كان بومة الحظائر Barn Owl جاثمة فوق غصن شجرة.
للوهلة الأولى يبدو تفسير كائن ارتفاعه عدة أمتار ببومة صغيرة أمراً غير معقول، لكن الفرضية تعتمد على ظروف الرؤية أكثر من حجم الحيوان.
فبومة الحظائر تمتلك وجهاً فاتحاً شبه دائري أو قلبي الشكل، وعينين يمكن أن تعكسا ضوء المصباح بقوة، وعندما تكون جاثمة على غصن فوق نباتات أو شجيرات طويلة، قد يدمج المشاهد في الظلام بين الطائر وما تحته فيبدو الكل هيئة واحدة طويلة. وإذا طارت البومة فجأة باتجاه المجموعة، فإن حركتها الصامتة أو الانسيابية قد تبدو وكأن الكائن "ينزلق" فوق الأرض، كما تستطيع بعض البوم إصدار فحيح وأصوات حادة ومزعجة عند شعورها بالتهديد.
وفي هذا السيناريو يصبح المشهد كله سلسلة مترابطة: كرة نارية تجعل المجموعة تعتقد أن شيئاً هبط، ثم ضوء بعيد على التل، ثم حيوان يفاجئ أشخاصاً متوترين وسط الظلام.
العقل يكمل الباقي ، لكنها تبقى إعادة بناء وليست إثباتاً مباشراً؛ فلم يمسك أحد بالبومة، ولم يجر توثيق الحيوان في المكان لحظة الحادثة.
ضوء بعيد وحيوان قريب
يمكن كذلك النظر إلى حادثة فلاتوودز بوصفها اجتماع عدة أشياء لا علاقة مباشرة بينها ، قد يكون الجسم في السماء نيزكاً، والضوء الأحمر المرئي في الأفق مصدره ضوء أرضي أو ملاحي، أما العينان والهيئة فحيوان أو طائر فوق شجرة، وعندما اجتمعت هذه العناصر خلال دقائق وفي ذهن مجموعة تبحث عن "شيء سقط من السماء"، تحولت إلى قصة واحدة.
وهذه ظاهرة معروفة في الإدراك: الإنسان لا يسجل المشهد مثل الكاميرا، بل يبني تفسيراً سريعاً من معلومات ناقصة، وعندما تكون الإضاءة ضعيفة والخوف مرتفعاً، تصبح الأخطاء في تقدير الحجم والمسافة والشكل أكثر احتمالاً.
لكن حتى هذا السيناريو يواجه سؤالاً: لماذا جاءت بعض أوصاف الكيان بهذا القدر من التفصيل والغرابة؟
قد يكون الجواب أن الذكريات نفسها تطورت مع إعادة سرد القصة. وقد يكون الشهود شاهدوا بالفعل شيئاً غير مألوف أكثر مما تستطيع فرضية البومة وحدها تفسيره.
فرضية الكائن الفضائي
بالنسبة لمن يرون في فلاتوودز مواجهة حقيقية مع كيان غير بشري، تبدو المصادفات كثيرة: جسم مضيء في السماء، ضوء غريب فوق التلة، ثم كائن لا يتحرك كإنسان، ورائحة خانقة وأعراض جسدية لدى بعض الشهود ، كما وقعت الحادثة في سنة 1952، إحدى أكثر السنوات نشاطاً في تاريخ تقارير "الأطباق الطائرة" الأميركية.
ناقش الباحث والكاتب إيفان تي ساندرسون Ivan T. Sanderson القضية لاحقاً ضمن دراساته لظواهر الأجسام الطائرة المجهولة UFO، بينما كرّس فرانك سي فريستشينو جونيور Frank C. Feschino Jr سنوات طويلة لإعادة بناء القضية في كتاب The Braxton County Monster ، ويطرح فريستشينو سيناريو أوسع بكثير، يربط حادثة فلاتوودز بمشاهدات عديدة وقعت في المنطقة في الليلة نفسها، إلا أن هذه الروابط والتفسيرات تمثل قراءة مؤيدة لفرضية UFO ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة؛ بل إن وصف ناشر الكتاب نفسه يقدم العمل بوصفه محاولة لإثبات "غزو" وتستر حكومي وهي استنتاجات تتجاوز ما تثبته الأدلة المتاحة بصورة مستقلة.
والمشكلة الأساسية أمام الفرضية الفضائية واضحة: لم يبق لدينا جسم، أو قطعة من مركبة، أو عينة بيولوجية، أو صورة للكيان، أو قياسات يمكن إخضاعها لفحص حديث.
لدينا في النهاية شهادات بشرية عن مواجهة قصيرة جداً حدثت في الظلام.
من حادثة إلى فلكلور
لم يظهر "وحش فلاتوودز" مجدداً بالطريقة نفسها، لكن القصة لم تختف ، بمرور العقود أصبح الكائن جزءاً من تراث ويست فيرجينيا الشعبي إلى جانب مخلوقات شهيرة أخرى مثل الرجل العثة Mothman، وتحولت صورته إلى تماثيل وتذكارات وأعمال فنية، وافتتح متحف مخصص للقضية في بلدة ساتون Sutton، وتدرجه موسوعة ويست فيرجينيا اليوم ضمن فلكلور الولاية، وهو تحول مثير بحد ذاته: حادثة لم تستغرق سوى دقائق أصبحت هوية ثقافية كاملة لمنطقة بأسرها.
وللقصة أيضاً حضور واسع في الكتب والأفلام الوثائقية، ومن أشهر الأعمال الحديثة The Flatwoods Monster: A Legacy of Fear الصادر عام 2018 وهو فيلم وثائقي يعيد سرد القضية وتاريخها وتأثيرها الثقافي.
ماذا حدث على التل ؟
بعد أكثر من سبعين عاماً، يمكن تفسير جانب مهم من حادثة فلاتوودز دون الحاجة إلى مركبة فضائية.
الأدلة التاريخية تجعل من المعقول جداً أن الجسم الذي عبر السماء كان كرة نارية أو نيزكاً، وهو التفسير الذي تبنته السجلات العسكرية. كما توفر فرضية البومة تفسيراً مثيراً للاهتمام للعينين المتوهجتين والوجه المستدير والحركة الانسيابية والفحيح.
لكن قوة قصة فلاتوودز لا تكمن في إثبات أن وحشاً فضائياً ظهر بالفعل، بل في المسافة الصغيرة التي تفصل أحياناً بين شيء حقيقي حدث وبين ما اعتقد الإنسان أنه حدث.
فربما لم يهبط شيء على ذلك التل في سبتمبر 1952 ، وربما لم تكن هناك مركبة ولا زائر من عالم آخر، بل نيزك بعيد، وضوء في الأفق، وضباب وبومة مذعورة اجتمعت كلها في اللحظة الخطأ أمام مجموعة كانت تتوقع أن تجد شيئاً سقط من السماء.
ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين فروا من التلة في تلك الليلة لم يعتقدوا أنهم شاهدوا بومة.
بالنسبة إليهم، كان هناك شيء في الظلام ينظر إليهم ، ثم بدأ يتحرك نحوهم.