في إحدى الروايات الغامضة المنسوبة إلى أواخر العهد العثماني، لم يكن أهالي تشينارجيق Çınarcık يخشون المقابر أو البيوت المهجورة، بل مجرى ماء يمر قرب طاحونة قديمة.
تقول الحكاية إن بعض من اقتربوا من المجرى بعد حلول الظلام عادوا إلى بيوتهم وقد تغيروا تماماً؛ أصيب بعضهم بانهيارات نفسية، بينما عانى آخرون شللاً مفاجئاً أو لزموا الفراش، وقيل إن بعض المرضى أخذوا يتحدثون ويتصرفون بطريقة أرعبت ذويهم.
ومع تكرار الحالات، بدأ السكان يعتقدون أن الأمر يتجاوز المرض العادي.
ليلة الطاحونة
تذكر الرواية أن الأهالي استدعوا رجلاً يعرف باسم صالح أفندي Salih Efendi، اشتهر بمعالجة الحالات التي ينسبها الناس إلى المس والأرواح.
خرج ليلاً نحو الطاحونة برفقة نحو عشرة رجال مسلحين، وهناك، بحسب الحكاية، شاهدوا ظلين غامضين يتغير شكلهما في العتمة.
حاول أحد الرجال إطلاق النار، لكن بندقيته تعطلت فجأة، ثم أصيب بحالة من الصراخ والهياج، ولم يهدأ إلا بعد أن تلا صالح أفندي عليه آيات وأدعية.
اعتقد الرجال أن الخطر انتهى، لكن ما حدث في الليلة التالية كان أكثر غرابة.
عندما انهار العشرات
تقول الرواية إن مجموعة كبيرة من السكان اجتمعت قرب المجرى، ربما بدافع الفضول أو للتأكد من أن المكان أصبح آمناً، وفجأة أصيب نحو 35 شخصاً بالصراخ والتشنج وفقدان السيطرة على أجسادهم، حتى إن بعضهم أخذ يؤذي نفسه، قبل أن يتدخل إمام القرية ويتلو آيات من القرآن على المصابين.
وتضيف نسخ من الحكاية أن صالح أفندي حاول لاحقاً "تقييد" الكيان المزعوم وربطه بإنسان، ثم بدأت العائلات تغادر المكان تباعاً حتى أصبحت القرية مهجورة.
لكن عندما نغادر الرواية ونبحث في التاريخ، تتغير الصورة.
قرية مفقودة بالفعل
تشينارجيق نفسها لم تختف؛ فهي اليوم منطقة مأهولة في ولاية يالوفا Yalova على ساحل بحر مرمرة، غير أن بالقرب منها كانت توجد قرية قديمة تدعى إنغره Enger تقع في نطاق المنطقة نفسها وقد بقيت منها آثار مستوطنة وكنيسة وينبوع مقدس وبعض المنشآت القديمة ، واللافت أن إنغره تعرضت بالفعل لكارثة في أواخر العصر العثماني.
في ديسمبر/كانون الأول 1895 ضربها وباء الكوليرا بسرعة شديدة، وتشير دراسات اعتمدت وثائق عثمانية إلى أن نحو عشرين شخصاً ماتوا خلال يومين أو ثلاثة فقط، ثم ارتفعت الوفيات حتى بلغ عدد الموتى 25 من أصل 32 مصاباً.
أثار الوباء قلق السلطات بسبب قرب يالوفا من إسطنبول، فتم فرض حجر صحي على القرية وتم إرسال فرق طبية وأدوية ومعدات للتطهير ، لاحقاً تظهر إنغره في مصادر أخرى كقرية تعرضت للدمار الشديد وأصبحت غير صالحة للسكن.
وهنا يظهر احتمال مثير: هل اختلطت ذكرى الوباء والموت وهجر السكان مع روايات محلية أخرى، ثم تحولت بمرور الزمن إلى قصة "لعنة" ومس جماعي ؟
لماذا الطاحونة والمجرى ؟
وجود الطاحونة والماء في الحكاية ليس تفصيلاً غريباً عن الفولكلور الأناضولي، ففي المعتقدات الشعبية التركية ارتبطت الطواحين والجداول والينابيع والأماكن المنعزلة ليلاً بالجن والأرواح ، وقد سجل الباحث جورج إدوارد وايت George Edward White في مطلع القرن العشرين روايات أناضولية تنسب إلى الكائنات الخفية القدرة على إحداث المرض والجنون والشلل، وتضعها في أماكن مشابهة ، كما تسجل مصادر فولكلورية تركية الاعتقاد بأن الجن يسكنون بعض الطواحين ليلاً، وأن الاقتراب من هذه الأماكن بعد حلول الظلام قد يعرض الإنسان للأذى ، لذلك تبدو بيئة الحكاية منسجمة تماماً مع المخيلة الشعبية للمنطقة، سواء كانت الواقعة نفسها حقيقية أم لا.
هل يمكن تفسير المس الجماعي ؟
إذا كان انهيار عشرات الأشخاص قد حدث فعلاً، فهناك ظاهرة معروفة طبياً تسمى المرض النفسي الجماعي Mass Psychogenic Illness، وفيها تظهر أعراض جسدية حقيقية لدى مجموعة من الأشخاص من دون العثور على سبب عضوي مشترك واضح، وقد تشمل التشنجات والارتجاف والدوار والخدر والضعف والحركات غير الإرادية.
ولا يعني ذلك أن المصابين يتظاهرون؛ فالأعراض تحدث بصورة لا إرادية، ويمكن للخوف ومشاهدة الآخرين وهم ينهارون والاعتقاد بوجود تهديد غير مرئي أن تزيد انتشارها داخل المجموعة.
وهناك حالة حديثة قريبة ثقافياً سجلت في قرية لبنانية عام 2007 ولم يكشف الباحثون اسمها حفاظاً على خصوصية سكانها، بدأت الواقعة بفتاة في السادسة عشرة عانت نوبات من ضيق التنفس والدوار والخدر والارتجاف، ثم ظهرت أعراض مشابهة لدى سبعة أشخاص آخرين من القرية، واستدعت إحدى العائلات معالجاً روحانياً اعتبر السبب "روحاً شريرة" بينما تداول السكان احتمالات أخرى كالأبخرة السامة والتسمم، وبعد فحوص وتحقيق شاركت فيه جهات طبية ووزارة الصحة اللبنانية، انتهى الباحثون إلى تشخيص الحالة بأنها مرض نفسي جماعي وتوقفت النوبات خلال نحو ستة أسابيع، ومع ذلك يبقى استبعاد الأسباب العضوية أو التسمم أو التعرض البيئي المشترك أمراً ضرورياً قبل اعتماد أي تفسير نفسي.
أين الحقيقة ؟
المشكلة الأساسية أن الجزء الأكثر إثارة في الرواية ما زال بلا مصدر تاريخي مستقل ، لا يوجد حتى الآن ما يثبت وجود صالح أفندي في هذه القضية، أو الرجال المسلحين، أو الظلال قرب الطاحونة، أو البندقية التي تعطلت، أو إصابة 35 شخصاً بالمس في ليلة واحدة.
لكن في المقابل، توجد عناصر تاريخية حقيقية يصعب تجاهلها: قرية قديمة قرب تشينارجيق، وباء قاتل ضربها في العصر العثماني، ووفيات سريعة، ثم دمار وتفرق للسكان، وكل ذلك وسط بيئة فولكلورية ربطت الطواحين والجداول بالجن منذ زمن بعيد.
فهل نحن أمام قصة رعب حديثة بنيت من عناصر الفلكلور؟ أم أمام ذكرى مشوشة لكارثة حقيقية أعادت الأجيال تفسيرها بلغتها ومعتقداتها ؟
لا توجد وثيقة تحسم ذلك، وربما يكمن سر الحكاية في هذه المسافة بين التاريخ والأسطورة؛ فخلف قصة المس التي لا نستطيع إثباتها، نجد قرية مفقودة فعلاً، وموتاً جماعياً حدث بالفعل، وذاكرة محلية وجدت في الجن واللعنة لغة تروي بها ما لم تستطع تفسيره.