كيف تتحول كنيسة بُنيت للصلاة إلى مكان يرتبط اسمه بالسحر الأسود والقبور المنتهكة والعظام البشرية والأشباح ؟

هذا هو اللغز الذي يحيط بكنيسة القديسة مريم القديمة في قرية كلوفيل الإنجليزية، غير أن تتبّع الحكاية زمنياً يكشف مفارقة مثيرة: لم تبدأ شهرة المكان بالأشباح، بل بجريمة حقيقية وقعت بين القبور ، وبعدها جاءت الطقوس والشائعات والزوار، ثم ظهرت الحكايات الشبحية واحدة تلو الأخرى ، فهل كانت الكنيسة مسكونة منذ البداية، أم أن قصص الناس هي التي صنعت أشباحها ؟

كنيسة قديمة فوق التل

تقع كلوفيل Clophill في مقاطعة بيدفوردشير الإنجليزية وعلى تل مرتفع عند أطراف القرية تقوم أطلال كنيسة القديسة مريم القديمة Old St Mary’s Church.

تشير بعض الروايات إلى وجود موقع ديني هناك منذ العصور الأنجلوسكسونية، لكن أجزاء المبنى الباقية ترجع في معظمها إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

وبحلول القرن التاسع عشر أصبحت الكنيسة صغيرة بالنسبة إلى عدد سكان القرية، فشُيدت كنيسة جديدة بين عامي 1848 و1849 في موضع أقرب إلى مركز كلوفيل، أما الكنيسة القديمة فتحولت فترةً إلى مصلى للجنائز، لأن المقبرة المحيطة بها ظلت مستخدمة، قبل أن تُهجر تدريجياً.

وفي عام 1956 سرق لصوص الرصاص الذي كان يغطي سقفها، فتسارع انهيار المبنى وتحول إلى أطلال مكشوفة تحيط بها القبور وقد جعلها موقعها المنعزل وهيئتها القوطية المتهدمة مكاناً مثالياً للزيارات الليلية والمغامرات السرية ،لكن سمعتها المظلمة لم تبدأ فعلياً إلا في مارس عام 1963.

جمجمة في أيدي صبيين

في 16 مارس 1963 شاهد زوجان من سكان كلوفيل شابين من مدينة لوتون يحملان جمجمة بشرية، قال الشابان إنهما عثرا عليها داخل الكنيسة القديمة، مثبتة فوق قضيب معدني أو جزء منزوع من إطار إحدى النوافذ.

وعندما وصلت الشرطة إلى الأطلال، عثرت على مشهد أكثر غرابة: عظام بشرية، بينها عظم الصدر والحوض والساقان، رتبت على الأرض بطريقة وصفها بعض رجال الشرطة والصحف بأنها تشبه ما يُستخدم في "القداس الأسود"؛ أي طقس يقوم، في التصور الشعبي الغربي، على قلب رموز الشعائر المسيحية وتدنيسها.

كما وُجد ريش ديك وعلامتان تشبهان الصليب المالطي، إحداهما حديثة والأخرى بدت أقدم، وقد مُلئتا بمادة حمراء اختلفت الآراء حول ما إذا كانت دماً أم مجرد طلاء.

كانت العظام تعود إلى شابة تدعى جيني همبرستون Jenny Humberstone، توفيت عام 1770 عن اثنين وعشرين عاماً، وقد أزيح الغطاء الحجري الثقيل عن قبرها، وفُتح تابوتها، ثم نُقلت أجزاء من رفاتها إلى داخل الكنيسة.

أثار ثقل الغطاء سؤالاً لم يُحسم: هل استطاع الشابان فتح القبر وحدهما أم أنهما وجدا الرفات بعد أن نبشها أشخاص آخرون ؟ لم يكن مجرد رؤيتهما يحملان الجمجمة دليلاً كافياً على أنهما المسؤولان عن فتح القبر وترتيب العظام.

لماذا استُهدفت قبور النساء ؟

لم يكن قبر جيني الوحيد الذي تعرض للاعتداء، فقد ذكر القس ليزلي باركر Rev. Leslie Barker المسؤول عن الكنيسة آنذاك، أن ستة قبور لنساء عُبث بها قبل فتح قبر جيني.

كان هذا التفصيل كافياً لإثارة الشكوك حول وجود دافع طقسي، فلصوص القبور الباحثون عن الحلي والمقتنيات لا يحتاجون عادة إلى استهداف النساء تحديداً، ولا إلى نقل العظام وترتيبها داخل كنيسة مهجورة.

اعتقد باركر وحارس الكنيسة أن عبدة الشيطان ربما كانوا وراء ما حدث، كما بحثت الشرطة احتمال إقامة طقس سحري، لكن تلك التصورات بقيت تفسيرات لا نتائج مثبتة؛ فلم تُعرف هوية من فتح القبور ولم يُضبط طقس حقيقي أثناء إقامته ولم يظهر دليل قاطع على وجود جماعة منظمة تمارس السحر الأسود في الموقع.

وقد لخّصت صحيفة Luton News الغموض في عنوان تقريرها المنشور يوم 21 مارس 1963:

"عظام وُضعت فوق المذبح : سحر فودو أم تخريب ؟ "

لم يكن العنوان إعلاناً عن إثبات السحر، بل سؤالاً صحفياً سيصبح مع مرور الوقت جواباً جاهزاً في الروايات الشعبية.

جريمة تكررت بعد الدفن

أعيد دفن رفات جيني في 23 مارس، لكن الاعتداءات لم تتوقف، وتقول التقارير إن قبرها فُتح مجدداً أكثر من مرة، فيما تحولت الكنيسة إلى مقصد ليلي للمراهقين والفضوليين.

حاول القس باركر حماية القبور ومراقبة المكان، لكن شهرة الحادثة كانت تجذب مزيداً من الزوار، فكلما تحدثت الصحف عن احتمال وجود طقوس شيطانية، جاء أشخاص يريدون رؤية "كنيسة السحر الأسود" بأعينهم، وربما تنفيذ مشاهد شبيهة بما قرؤوه عنها.

هكذا دخلت القضية في دائرة مغلقة: يصنع التخريب خبراً مثيراً، فيجذب الخبر زواراً جدداً، ثم تنتج عن زياراتهم حوادث إضافية تعزز الحكاية الأصلية.

الطقس الذي كان "مزحة"

ثمة واقعة تكشف مدى صعوبة التمييز بين الممارسة السحرية الحقيقية والمقلب المتعمد في كلوفيل ، بعد انتشار أخبار عام 1963، اعترف طالب من كلية سيلسو الزراعية بأنه زار الكنيسة سنة 1961 مع مجموعة من الطلاب، وقال إنهم قتلوا ديكاً ونثروا دمه وريشه ورسموا صليباً، بوصف ذلك "مزحة كبيرة" لم تعد تبدو مضحكة بعد ما حدث.

لا يفسر هذا الاعتراف نبش قبر جيني أو نقل رفاتها؛ فالطلاب لم يعترفوا بفتح أي قبر، لكنه يثبت أن بعض العلامات التي فسرت لاحقاً بوصفها آثاراً مؤكدة لطقوس سحرية ربما كانت نتيجة عبث وتمثيل.

كما أن بعض الباحثين رأوا أن تصورات الشرطة والصحافة عن "القرابين الشيطانية" تأثرت بثقافة الرعب الرائجة آنذاك، ولا سيما الروايات والأفلام التي قدمت صورة نمطية عن القداس الأسود والتضحية بالحيوانات ، وعندما بدأ الزوار يقلدون ما يتخيلونه عن السحر، أصبح الفصل بين الجريمة الأصلية والممارسات اللاحقة شبه مستحيل.

عندما جاءت الأشباح

المثير أن الأخبار الأولى لم تكن مشغولة بأشباح الكنيسة، كانت تتحدث عن القبور والعظام والتخريب واحتمال وجود طقوس غامضة ، أما الميثولوجيا الشبحية فقد تطورت لاحقاً، بعدما استقرت سمعة كلوفيل بوصفها "كنيسة السحر الأسود".

الفارس المقنّع

تتحدث إحدى الروايات عن موزع صحف كان يقود مركبته قرب كلوفيل عام 1969، حين شاهد فارساً مقنّعاً يمتطي حصاناً ويحمل مصباحاً يتأرجح في الظلام، وقيل إن الفارس عبر الطريق ثم مرّ من خلال المركبة واختفى، لكن الحادثة، كما رُويت لاحقاً، لم تقع داخل الكنيسة أو مقبرتها، بل في منطقة كلوفيل الأوسع، وربطها بالأطلال جاء بعد أن كانت شهرة الكنيسة السوداء قد انتشرت بالفعل.

شبح صوفي

في سبعينيات القرن العشرين أصبح اسم "صوفي" مرتبطاً بشبح امرأة قيل إنه يظهر داخل الكنيسة أو بالقرب منها، وخلال أعمال حفر أجرتها مجموعة مدرسية عام 1972، عُثر على لوحة تابوت تحمل اسم صوفيا مندهام Sophia Mendham، المولودة عام 1806 والمتوفاة عام 1893، وهي زوجة القس جون مندهام الذي شارك في الإشراف على بناء الكنيسة الجديدة.

بعد العثور على اللوحة، التصق اسم صوفيا بالطيف الأنثوي المزعوم، وبدأت الروايات تشير إليه باسم "شبح صوفي"، لكن لا توجد في أخبار حادثة 1963 الأصلية شهادة عن شبح بهذا الاسم؛ إذ نشأت هويته ضمن طبقة لاحقة من فلكلور المكان.

الراهب في الصورة

تداول المهتمون بالظواهر الخارقة أيضاً صوراً قيل إنها تُظهر شخصية مقنّعة تشبه راهباً يقف داخل الأطلال، وارتبطت إحدى أشهر هذه اللقطات بتحقيقات شارك فيها الباحث الماورائي دين جونسون Dean Johnson.

لكن الصورة الغامضة لا تثبت وحدها وجود شبح، فقد تكون الهيئة شخصاً حقيقياً أو ظلاً أو خداعاً بصرياً أو نتيجة تشوه في التصوير، وقد تكون مثالاً على "الباريدوليا"؛ أي ميل الدماغ إلى رؤية أشكال مألوفة، مثل الوجوه والأجساد، داخل الظلال والأنماط العشوائية.

ومع ذلك يصعب تجاهل القوة الرمزية للمشهد: شخصية دينية مقنّعة تظهر في كنيسة مهدمة تحيط بها القبور. إنها الصورة المثالية التي يُنتظر من مكان كهذا أن يصنعها.

هل كانت هناك قصة واحدة فعلاً ؟

ربما لا توجد في كلوفيل مؤامرة واحدة أو جماعة غامضة مسؤولة عن كل ما وقع، بل سلسلة من الحوادث غير المرتبطة:

شخص نبش القبور، فنشرت الصحف الخبر، جاء الفضوليون إلى الكنيسة، فنفذ بعضهم طقوساً تمثيلية أو مقالب. قلدهم آخرون، ثم وصل المراهقون والباحثون عن الأشباح وهم يتوقعون مشاهدة شيء خارق.

رأى أحدهم ظلاً، وسمع آخر صوتاً، والتقط ثالث صورة ملتبسة، ومع مرور الزمن اندمجت الاعتداءات والطقوس والحكايات الشبحية في أسطورة واحدة.

هكذا يعمل الفلكلور أحياناً: تبدأ الحكاية بحادثة حقيقية، ثم تمتص كل ما يقع بعدها، إلى أن يصبح من الصعب تذكّر أي جزء جاء أولاً.

هل كنيسة كلوفيل مسكونة ؟

لا يوجد ما يسمح بإجابة قاطعة.

ما نعرفه أن الكنيسة والمقبرة حقيقيتان، وأن جيني همبرستون كانت امرأة حقيقية، وأن قبرها فُتح ورفاتها نُقلت إلى الكنيسة، كما أن بعض الأشخاص نفذوا في الموقع أفعالاً بدت طقسية، سواء بدافع الاعتقاد أو العبث أو الرغبة في إثارة الخوف.

أما الفارس المقنّع وصوفي والراهب الظاهر في الصور، فتنتمي رواياتهم إلى مرحلة لاحقة، قد تعكس تجارب صادقة لم يفهمها أصحابها، أو أخطاء في الإدراك، أو قصصاً شعبية نما بعضها فوق بعض؛ لكنها لا تشكل دليلاً مستقلاً على أن المكان مسكون.

وقد رُممت الأطلال وثُبت بناؤها عام 2014، وأصبحت جزءاً من موقع تراثي يمكن زيارته، بينما لا تزال المقبرة المحيطة بها مستخدمة.

القبور كانت هناك أولاً

لا تحتاج كلوفيل إلى شبح حتى تكون قصتها مرعبة، ففي أصل الأسطورة توجد قبور حقيقية، وأشخاص حقيقيون، واعتداء حقيقي على حرمة الموتى.

فتح مجهولون قبر جيني بعد نحو قرنين من وفاتها، ثم نقلوا عظامها وحولوها إلى مشهد يثير الرعب، جاءت الصحف، ثم الفضوليون، ثم الطقوس المقلدة، وبعد ذلك فقط بدأت الأشباح تحصل على أشكال وأسماء وقصص.

لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: أي شبح يسكن كنيسة كلوفيل ؟

بل: كيف تحولت مقبرة كنيسة مهجورة إلى مكان أصبح الجميع يتوقع أن تسكنه الأشباح ؟

ربما كانت كلوفيل مسكونة منذ البداية، وربما كان شيء مجهول يختبئ بين أطلالها بالفعل، أو ربما ولدت ظواهرها ببطء، حكاية بعد أخرى.

لكن التسلسل يبقى واضحاً:

كانت القبور هناك أولاً، ثم جاءت الطقوس، وأخيراً ظهرت الأشباح.