قد نتمنى أحياناً أن نطيل النوم، هرباً من تعب يوم أو ثقل فكرة، ثم نفتح أعيننا لنجد الحياة تنتظرنا حيث تركناها، لكن ماذا لو امتد ذلك الليل حتى غابت وجوه أحببناها، وكبر إخوتنا، ومضى شبابنا ونحن في الفراش ؟ هذا هو السؤال الذي تستحضره حكاية كارولينا أولسون، الفتاة السويدية التي قيل إنها أغمضت عينيها في الرابعة عشرة، ولم تعد إلى حياتها إلا وقد بلغت السادسة والأربعين.
اشتهرت باسم "نائمة أوكنو" وأصبحت قصتها أقرب إلى نسخة واقعية من حكاية الجميلة النائمة Sleeping Beauty ، وفيما يلي سردها كما تنقلها الروايات المنشورة، قبل العودة إلى ما تثيره من أسئلة تاريخية وطبية.
ليلة امتدت إلى سنوات
وُلدت كارولينا أولسون في خريف 1861 في أوكنو، جزيرة قرب مونستروس في السويد، لأسرة بسيطة يعمل والدها في الصيد، وفي فبراير 1876، وهي في الرابعة عشرة، اشتكت من ألم في أسنانها وذهبت إلى فراشها، وترتبط بداية حالتها في بعض الروايات بسقوط على الجليد، لكن ما تتفق عليه الحكاية هو أن تلك العودة إلى السرير كانت بداية غياب طويل.
حيث تروي بعض المصادر أن كارولينا سقطت على الجليد أثناء عودتها من المدرسة، قبل أيام من ملازمتها الفراش، وأصابت رأسها، ثم اشتكت لاحقاً من ألم في أسنانها، فذهبت إلى السرير لتبدأ تلك الفترة الغامضة من حياتها، وقد أصبحت حادثة السقوط أحد التفسيرات المتداولة لبداية حالتها، إلى جانب رواية ألم الأسنان، دون دليل يحسم وجود صلة مباشرة بين الإصابة وما أعقبها.
حلّ الصباح، ولم تعد الفتاة إلى نشاطها المعتاد، حاول أهلها إيقاظها، لكنها بقيت في حالتها الغريبة؛ جسد يتنفس، وعينان مغمضتان، وانتظار لا يعرف أصحابه متى ينتهي، توالت الأيام ثم صار ما حسبته الأسرة وعكة عابرة جزءاً من حياتها اليومية.
وتذكر الروايات أن الجيران ساعدوا الأسرة في تدبير زيارة طبيب، وأن حالتها جذبت اهتمام أطباء حاولوا فهم ما أصابها، غير أن الفحوص والزيارات لم تفتح لها طريقاً واضحاً للعودة.
أم تنتظر عودة ابنتها
بقيت الأم إلى جانب كارولينا، تتولى رعايتها وإطعامها، وبحسب الرواية المتداولة، اعتمد غذاؤها على الحليب الذي كانت أمها تقدمه لها وفي روايات أخرىكان غذاؤها عبارة عن حليب مع عسل ، ومع مرور السنوات أضيفت إلى الحكاية تفاصيل زادت غرابتها؛ قيل إن شعرها وأظافرها لا ينموان، وإنها تجلس أحياناً في الفراش وتتمتم بكلمات، ثم تعود إلى الاستلقاء.
مرّ عام، ثم أعوام أخرى، والسرير يحتفظ بمكانه في البيت، فيما أخذت الطفلة التي استلقت فيه تبتعد عن عمر الطفولة، صار الانتظار عملاً يومياً: رعاية وغذاء وترقب لحركة قد تعني أن الغياب انتهى.
في صيف عام 1892، نُقلت كارولينا إلى مستشفى أوسكارشامن، بعد سنوات من ملازمتها الفراش، وكان الطبيب المسؤول هناك، أدولف فيلهلم تورين، جرّاحاً لا متخصصاً في الطب النفسي، حاول القائمون على علاجها إيقاظها باستخدام الكهرباء، لكن المحاولة لم تُحدث تحسناً، وظلت بحسب الرواية المنشورة لا تستجيب للوخز واللمس، وبعد نحو شهر أُعيدت إلى أسرتها، حاملة تشخيصاً باسم "الخرف الشللي" وهو تشخيص يشير العرض التاريخي إلى افتقاره للسند الطبي، ولم يخلُ تعامل المستشفى معها من القسوة؛ إذ تنقل المصادر أن إعادتها رافقتها عبارة ساخرة بمعنى: "ها قد أعدنا إليكم هذه المهزلة"، وهكذا رجعت كارولينا إلى فراشها، بينما بقي أهلها أمام الحالة نفسها التي عجز الأطباء عن تفسيرها أو تغييرها.
صباح الثالث من أبريل
في 3 أبريل 1908 انتهى الانتظار الطويل، بحسب الروايات، أصبحت كارولينا مستيقظة ومتفاعلة مع من حولها، بعد نحو 32 عاماً من بداية قصتها، كانت في السادسة والأربعين؛ شاحبة ونحيلة وضعيفة، وواجهت صعوبة في الكلام وحساسية للضوء في الأيام الأولى، لكنها احتفظت بقدرتها على القراءة والكتابة وبذكريات من طفولتها.
وتحفظ الرواية العائلية تفصيلاً بسيطاً: طلبت سمك الرنجة المملح، بعد كل تلك السنوات، كان الطعام واحداً من أوائل ما ربط عودتها بالحياة اليومية، وسرعان ما وصل الصحفيون والفضوليون، وكتب أحد المراسلين أنها تبدو أصغر كثيراً من عمرها.
وتضيف بعض الروايات المتداولة مشهداً مؤثراً إلى لحظة استيقاظ كارولينا: قيل إنها نظرت في المرآة وأجهشت بالبكاء، كأن الوجه الذي يطالعها يعود إلى امرأة لا تعرفها؛ فقد ذهبت إلى فراشها طفلة، وها هي ترى على ملامحها زمناً لا تتذكر أنها عاشته.
يذكر المصدر السويدي Land أن الأم توفيت عام 1905 ، أي أن كارولينا استيقظت بعد وفاة أمها بنحو ثلاث سنوات، وبعد رحيل الأم تولّى الأب رعايتها، ثم استعانت الأسرة بمدبرة منزل، وتضيف الرواية تفصيلاً مؤثراً: عندما نهضت كارولينا، بكت وسألت مدبرة المنزل عن أمها، فالمرأة التي رعتها طوال تلك السنوات لم تكن هناك لتشهد عودتها.
وفي تلك الروايات أيضاً، نُسب إليها أنها أمضت غيابها داخل حلم غريب، ترى فيه وجوهاً زرقاء تحت الماء وتشعر كأنها تغرق معها، دون أن تستطيع تذكر ملامح أصحابها، وربط بعض ناقلي الحكاية هذه الصور برواية غرق إخوتها، بينما أعادها آخرون إلى حادثة سقوطها في الماء قبل بدء حالتها، وهكذا اكتسبت سنوات الصمت عالماً من الأحلام والتأويلات، مع بقاء هذه التفاصيل جزءاً من الرواية المتداولة التي سنناقش مدى توثيقها في التحقيق.
لكن السنوات التي أراد الجميع أن يسمعوا عنها لم تتحول إلى حكاية واضحة على لسانها، ووفق العرض السويدي المستند إلى دراسة في التاريخ الطبي، تذكرت ألم الأسنان والذهاب إلى الفراش، ولم تتذكر فترة مرضها.
عاشت كارولينا بعد ذلك أكثر من أربعة عقود، وتوفيت سنة 1950 عن 88 عاماً، وتتذكرها أسرتها امرأة مرحة ومجتهدة، تذهب إلى البلدة لقضاء الحاجات وإيصال بضائع الأسرة، كانت لها حياة بعد السرير، وإن ظلت شهرتها معلقة بالسنوات التي قضتها فيه.
التحقيق : ماذا حدث خلال تلك السنوات ؟
وجود كارولينا واهتمام الصحافة والأطباء بها لا يثبتان أن كل ساعة من تلك العقود مضت في نوم متواصل، فالمصادر المتاحة لا تقدم مراقبة طبية مستمرة وإنما مشاهدات متفرقة وشهادات عائلية وروايات كُتبت في أزمنة مختلفة.
أما حلم "الوجوه الزرقاء تحت الماء" وربطه بغرق إخوتها، فلم نعثر على توثيق موثوق يكفي لنسبته إليها، لذلك لا يصح بناء تفسير نفسي أو ماورائي عليه، وكذلك لم نعتمد مشهد بكائها أمام المرآة أو إنقاذها من بركة، لعدم ثبوت تفاصيلهما.
هل كانت غيبوبة ؟
الغيبوبة ليست نوماً عميقاً يمكن قطعه بالنداء؛ إنها فقدان للوعي لا يمكن إيقاظ المصاب منه، ولا يُظهر خلاله استجابة واعية لمحيطه وقد تبقى بعض الحركات والمنعكسات ولذلك لا تكفي حركة عابرة وحدها لإثبات الوعي.
وتوضح مايو كلينك أن الغيبوبة لا تستمر عادةً أكثر من بضعة أسابيع، وقد ينتقل من يستمر اضطراب وعيه إلى حالة أخرى، مثل "اليقظة غير المستجيبة"، المعروفة سابقاً بالحالة النباتية، لذا فإن وصف امرأة بأنها ظلت في غيبوبة واحدة ثابتة مدة 32 عاماً ثم نهضت يستلزم أدلة طبية أقوى بكثير مما لدينا.
لا يمكن استبعاد مرور كارولينا بفترة مرضية أو اضطراب في الوعي، لكن لا يمكن أيضاً تشخيص جميع سنواتها بهذا الاسم. والكلام المفهوم أو السلوك الهادف، إذا صحت الشهادات عنهما، لا ينسجمان مع غيبوبة متواصلة.
هل يمكن إطعام فاقد الوعي من فمه ؟
صب الحليب في فم شخص فاقد الوعي قد يكون خطيراً، فالمشكلة لا تتوقف عند قدرته على المضغ؛ بل تشمل البلع وحماية مجرى التنفس. وعندما يختل ذلك، قد يدخل السائل إلى القصبة الهوائية والرئتين بدلاً من المريء، فيسبب أذية رئوية أو التهاباً رئوياً، وقد تحدث مشكلات تنفسية خطيرة.
وهناك فرق بين الاختناق بانسداد مجرى الهواء وبين دخول الطعام أو السوائل إلى الرئتين، وإن كان كلاهما من مخاطر اضطراب البلع. وقد يحدث هذا الدخول دون سعال واضح، فيما يسمى "الاستنشاق الصامت"؛ لذلك لا يثبت غياب السعال أن الإطعام آمن.
عند تعذر البلع الآمن، يمكن تقديم الغذاء عبر أنبوب إلى المعدة أو الأمعاء بإشراف طبي، وهذا يقلل الحاجة إلى البلع، لكنه لا يزيل جميع مخاطر دخول الإفرازات أو محتويات المعدة إلى الرئتين. ولا ينبغي إطعام فاقد الوعي أو إعطاؤه الشراب من الفم.
وفي حالة كارولينا، لا تثبت رواية إطعامها الحليب أنها كانت في غيبوبة، ولا تثبت وحدها أنها كانت واعية تماماً، إنها تترك أسئلة عن درجة استجابتها، وطريقة إطعامها.
حالة مشابهة : فتاة تورفيل النائمة
لم تكن كارولينا وحدها من ارتبط اسمها بنوم امتد سنوات، ففي قرية تورفيل الإنجليزية اشتهرت إلين سادلر، المولودة سنة 1859، بلقب "فتاة تورفيل النائمة" ، وبحسب الروايات، بدأت حالتها سنة 1871 وهي في الحادية عشرة، واستمرت نحو تسع سنوات، حتى استعادت يقظتها سنة 1880. جذبت قصتها اهتمام الصحف والأطباء والجمهور داخل بريطانيا وخارجها، وتوافد الزوار لرؤيتها. لكن الاهتمام صاحبه جدل حول حقيقة حالتها ودور أمها التي تولت رعايتها، خصوصاً مع تلقي الأسرة تبرعات من الزائرين. ثم جاءت عودتها بعد وفاة الأم بأشهر، وتزوجت لاحقاً وأنجبت أطفالاً. وكما في حالة كارولينا، بقيت طبيعة ما وُصف بالنوم غير محسومة؛ فشهرة الحكاية ووجود شهود عليها لا يثبتان غياب الوعي بلا انقطاع طوال تلك السنوات.
بين المرض والعزلة والرواية العائلية
تذكر المصادر شهادات عن رؤيتها تتحرك وسماعها تتكلم، وعن تغيّر مواضع أشياء واختفاء حلوى عندما تُترك وحدها، وبعد زيارتها سنة 1910 بحث الطبيب النفسي هارالد فرودرستروم دور علاقتها بأمها ورعايتها في استمرار حالتها.
هذه القرائن تضعف صورة الغياب الكامل، لكنها لا تثبت خدعة مدبرة، ولا تسمح بإسناد تشخيص نفسي محدد إليها، فقد تكون حالتها متغيرة، أو كانت الأسرة تعرف عنها أكثر مما قالته، أو ضاعت تفاصيل أساسية مع مرور الزمن.
تتيح المعرفة الطبية الحديثة طرح تفسيرات محتملة لحالة كارولينا، لكن الشهادات المتفرقة وغياب الفحوص اللازمة يحولان دون تشخيصها بأثر رجعي، هل كانت تعاني مرضاً طويل الأمد، أم حالة متغيرة من اضطراب الوعي، أم أن الرواية المتداولة أغفلت تفاصيل حاسمة ؟
لا نملك ما يثبت أن كارولينا أولسون نامت بلا انقطاع 32 سنة، نملك قصة امرأة ارتبطت حياتها بعقود من الفراش والعزلة وحالة غامضة، ثم عادت إلى نشاطها اليومي، بين ما عاشته وما وصل إلينا بقيت مساحة نمت فيها أسطورة نائمة أوكنو.