على الضفة القريبة من نهر نور River Nore في مقاطعة كيلكيني الأيرلندية، ترتفع قلعة باليراغيت Ballyragget Castle ككتلة حجرية صامتة بقيت شاهدة على أكثر من خمسة قرون من الصراعات والعائلات المتنافسة والتحولات السياسية. ليست من تلك القلاع التي ازدحمت حولها روايات الأشباح البيضاء والصرخات الليلية، لكن الغياب النسبي للأشباح لم يحرمها من الغموض؛ ففي أعلى برجها يوجد مقعد حجري ارتبط باعتقاد قديم يقول إن من يجلس عليه ويتمنى أمنية قد يراها تتحقق.
وخلف "كرسي الأمنيات" تقف شخصية امرأة تحولت مع الزمن من سيدة نبيلة ذات نفوذ إلى بطلة فولكلورية تحيط بها حكايات القوة والقسوة، إضافة إلى أسطورة كنز مخفي وممر سري يهبط من القلعة نحو النهر ، إنها قلعة لا تخيف زائرها بقصة شبح واحدة محددة، بقدر ما تمنحه شعوراً بأن الأسطورة والتاريخ ما زالا يتقاسمان حجارتها.
حصن يحرس الطريق إلى كيلكيني
يرجع بناء قلعة باليراغيت بصورتها الحالية إلى أواخر القرن الخامس عشر، وهي واحدة من نماذج البيوت البرجية Tower Houses التي انتشرت في أيرلندا خلال أواخر العصور الوسطى.
تتكون القلعة من برج مستطيل يرتفع خمسة طوابق، تحيط به ساحة محصنة Bawn وسور دفاعي وأبراج عند الزوايا، ولم يكن اختيار المكان عشوائياً؛ فالقلعة كانت تحتل موقعاً مهماً شمال مدينة كيلكيني، وتراقب طرق الاقتراب منها، ولذلك اكتسبت خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر أهمية عسكرية وسياسية ملحوظة.
وتنسب التقاليد المحلية بناءها إلى مارغريت فيتزجيرالد Margaret FitzGerald ابنة جيرالد فيتزجيرالد، إيرل كيلدير الثامن، والتي تزوجت من بيرس روا بتلر Piers Rua Butler الذي أصبح إيرل أورموند الثامن.
لكن نسبة البناء إليها ليست حقيقة محسومة تماماً؛ فالأدق تاريخياً القول إن القلعة شُيدت في أواخر القرن الخامس عشر ضمن بيئة نفوذ آل بتلر، بينما ظلت الذاكرة الشعبية تربطها بمارغريت إلى درجة أن اسمها أصبح جزءاً من أسطورة المكان.
وفيما بعد أصبحت باليراغيت مقراً رئيسياً لفرع مونتغاريت Mountgarret من عائلة بتلر إحدى أكثر الأسر الأنغلو-نورمانية نفوذاً في أيرلندا، وظلت القلعة مرتبطة بهم لأكثر من قرنين.
مارغريت: المرأة التي ابتلعها الفولكلور
ليس من السهل عند الحديث عن مارغريت فيتزجيرالد تحديد أين تنتهي الشخصية التاريخية وأين تبدأ الشخصية التي صنعتها الحكاية الشعبية.
فالمصادر والتقاليد الأيرلندية تصورها امرأة ذات نفوذ استثنائي في عالم كان يهيمن عليه الرجال، وتنسب إليها قدرة كبيرة على إدارة الممتلكات والتأثير السياسي، بينما ذهب الفولكلور أبعد من ذلك بكثير، فحوّلها إلى سيدة محاربة تمتطي جوادها على رأس أتباع مسلحين وتدخل في النزاعات مع جيرانها وتعود منتصرة.
ومع مرور الأجيال أصبحت القصص أكثر قتامة؛ فنُسبت إليها أعمال انتقام وقسوة وإعدام لأعدائها، بل ظهرت لاحقاً حكايات تربط قوتها بالسحر، غير أن كثيراً من هذه الروايات ينتمي بوضوح إلى الفولكلور المتراكم حول النساء ذوات السلطة أكثر مما ينتمي إلى السجل التاريخي الموثق ، لكن شيئاً واحداً بقي مرتبطاً باسمها حتى اليوم: مقعد حجري صغير في أعلى القلعة.
كرسي مارغريت الذي يحقق الأمنيات
فوق سور البرج، عند برج مراقبة صغير في الركن الشمالي الشرقي، يوجد مقعد حجري كان يعرف قديماً باسم "كرسي مارغريت" Mairéad's Chair ثم اشتهر باسم أكثر إثارة: "كرسي الأمنيات" The Wishing Chair ، وتقول الرواية الشعبية القديمة في باليراغيت إن من يجلس على هذا المقعد ويتمنى أمنية بصدق، فسوف تتحقق أمنيته.
واللافت أن هذه ليست حكاية سياحية حديثة أضيفت إلى القلعة لجذب الزوار؛ فقد سُجل الاعتقاد ضمن مواد الفولكلور المحلي، وورد في مشروع مدرسي لجمع التراث الشفهي أن في القلعة "كرسياً حجرياً كبيراً" يعتقد الناس أن الجلوس عليه وتمني شيء يؤدي إلى تحققه. ويحتفظ مسح تراث نهر نور أيضاً بصورة للمقعد نفسه بوصفه.
وتقول رواية أخرى إن مارغريت كانت تجلس هناك لتطل على الأراضي المحيطة بممتلكاتها، وفي بعض النسخ الأكثر سوداوية، يتحول موضع المشاهدة الهادئ إلى مكان كانت تعاقب منه من أغضبوها، لكن هذه التفاصيل نفسها توصف في المصادر المحلية بأنها منقولة شفهياً وليست موثقة في السجلات التاريخية.
وهكذا أصبح المقعد شيئاً بين الأثر المعماري والتميمة الشعبية: حجر قديم لا يحمل في ذاته شيئاً خارقاً، لكنه حمل أمنيات أجيال كاملة.
الكنز الذي لم يعثر عليه أحد
ولكرسي الأمنيات منافس آخر على لقب أشهر أسرار باليراغيت: كنز آل بتلر المفقود ، إذ تروي إحدى القصص أن أفراد الأسرة أخفوا ثروة داخل القلعة أو في محيطها عندما أصبح سقوطها في أيدي خصومهم وشيكاً، وبعد استيلاء القوات الكرومويلية عليها، حاول أحد الضباط معرفة مكان الكنز.
وتربط الرواية المحلية القصة بالعقيد دانيال أكستل Daniel Axtell أحد رجال كرومويل وتقول إن أحد أفراد آل بتلر تعرض للتعذيب ثم القتل بعدما رفض الكشف عن مكان الثروة المدفونة. لكن مكان هذا الكنز – إن كان قد وجد أساساً – لم يظهر قط.
والنتيجة كانت مثالية لولادة الأسطورة: قلعة قديمة، أسرة ثرية، حرب ومصادرة، ورجل يموت دون أن يبوح بمكان الذهب.
ومع كل جيل لا يجد شيئاً، يصبح الكنز أكثر حضوراً في المخيلة.
ممر تحت الأرض نحو النهر
وثمة سر ثالث تقول الحكايات إنه موجود تحت القلعة لا داخلها ، فقد تناقلت الأجيال قصة ممر أو سرداب يمتد من باليراغيت باتجاه نهر نور، ربما استخدم طريقاً للهروب أثناء الحصار أو وسيلة للوصول إلى الماء بعيداً عن أعين المهاجمين.
وظهرت هذه الرواية أيضاً في مجموعة الفولكلور المدرسية القديمة، حيث قيل إن للقلعة "سرداباً يمتد منها إلى النهر".
لكن لا يوجد حتى الآن دليل أثري منشور يثبت وجود نفق طويل من النوع الذي تصفه الأسطورة، وهذا أمر يتكرر كثيراً في قلاع أيرلندا وبريطانيا؛ فالغرف السفلية والمخازن والممرات القصيرة الموجودة فعلاً تتحول مع مرور الزمن في الرواية الشعبية إلى أنفاق تمتد مئات الأمتار نحو كنيسة أو نهر أو قلعة أخرى.
لذلك يبقى "ممر باليراغيت" في المنطقة الرمادية المفضلة للفولكلور: لا دليل يكفي لإثباته، ولا اكتشاف حاسم أنهى حكايته.
قلعة شهدت زمناً دموياً
ليس ضرورياً اختراع شبح لمنح باليراغيت ماضياً قاتماً ، فموقعها الاستراتيجي جعلها تتورط مراراً في صراعات أيرلندا، ففي عام 1600 تم وضع حامية فيها بقيادة السير جورج كارو في مواجهة أفراد من آل ماونتغاريت الذين كانوا في حالة تمرد على التاج الإنجليزي، ثم انتقلت القلعة بين القوى المتصارعة وتعرضت، مثل كثير من ممتلكات النبلاء الأيرلنديين، لتبدلات الملكية والمصادرات خلال اضطرابات القرن السابع عشر.
وظلت القلعة جزءاً من المشهد المضطرب حتى عصور لاحقة؛ ففي عام 1775 وقعت قربها مواجهة مرتبطة بحركة وايتبويز Whiteboys الزراعية السرية وهي إحدى الحركات التي ظهرت دفاعاً عن مصالح المستأجرين والفلاحين في الريف الأيرلندي ، ولهذا فإن الصمت الحالي حول المبنى يخفي تاريخاً لم يكن هادئاً على الإطلاق.
أين أشباح باليراغيت ؟
قد يبدو غريباً أن تقف قلعة عمرها أكثر من خمسة قرون، شهدت الحروب والتعذيب والصراع العائلي، من دون أن تمتلك شبحاً شهيراً يطل من إحدى نوافذها.
لكن هذا بالضبط ما يجعل باليراغيت مختلفة ، لا توجد رواية راسخة وموثقة عن "سيدة بيضاء" تجوب السلالم، أو فارس مقطوع الرأس يعود عند منتصف الليل، أو صوت معروف يتكرر في غرفة بعينها، ومحاولة إضافة مثل هذه القصص إليها لمجرد أن المكان قديم ستسيء إلى ما تملكه القلعة بالفعل من غموض حقيقي ، فالرهبة هنا أكثر هدوءاً ، سلالم حجرية ضيقة، ممرات عاشت قروناً، فتحات مراقبة كان رجال مسلحون يقفون خلفها، وغرف تعاقبت فيها أجيال لم يبق منها شيء تقريباً سوى الأسماء، وفي الأعلى ينتظر كرسي حجري ظل الناس يؤمنون بأنه يسمع الأمنيات ، إن كان ثمة "حضور" في باليراغيت فهو حضور الذاكرة قبل أن يكون حضور الأشباح.
عندما تصبح الحكاية جزءاً من الحجر
قلعة باليراغيت مملوكة ملكية خاصة وليست موقعاً سياحياً مفتوحاً بصورة اعتيادية، وهو ما أبعدها إلى حد ما عن الشهرة التي حظيت بها قلاع أيرلندية أخرى، ومع ذلك بقي كرسي مارغريت والكنز المفقود والممر المؤدي إلى النهر حاضرة في الذاكرة المحلية ، وربما تكمن جاذبية المكان تحديداً في أنه لا يقدم إجابة نهائية.
هل جلست مارغريت بالفعل فوق ذلك الحجر وهي تراقب ممتلكاتها ؟ على الأرجح كان للموضع وظيفة مراقبة، أما التفاصيل الشخصية فقد صاغها الفولكلور، هل حقق الكرسي أمنية واحدة خلال القرون الماضية ؟ لا توجد وسيلة لمعرفة ذلك.
هل يرقد كنز آل بتلر خلف جدار لم يُفتح، أو تحت أرض لم تُحفر ؟ لا دليل عليه.
وهل يصل سرداب خفي بالفعل إلى نهر نور؟ لم يعثر عليه أحد.
لكن الأساطير لا تحتاج دائماً إلى أن تثبت صحتها كي تبقى حية.
فبعد أكثر من خمسة قرون، ما زالت قلعة باليراغيت تقف بصمت فوق أرض كيلكيني، بينما بقي في أعلاها مقعد حجري بسيط يحمل اسماً أكبر بكثير من حجمه:كرسي الأمنيات
وربما كان هذا وحده كافياً لكي تتحول القلعة من بناء عسكري قديم إلى مكان ترفض الحكايات أن تغادره.