قد يكون من السهل اعتبار الجاثوم تجربة فردية غريبة: يستيقظ شخص ليجد نفسه عاجزاً عن الحركة، ثم تنتهي النوبة بعد لحظات أو دقائق ويعود كل شيء إلى طبيعته.

لكن الصورة تصبح أكثر غرابة عندما يقول الأب إنه عاش التجربة نفسها، ثم يتذكر أحد الأعمام أنه عرفها منذ شبابه، وتكشف الجدة أنها كانت تستيقظ بدورها عاجزة عن الحركة، بينما كانت تسمي ما يحدث باسم آخر تماماً.

فماذا لو ظهر الجاثوم مراراً داخل الأسرة الواحدة ؟

هل نحن أمام مصادفة سببها أن أفراد العائلة يعيشون الظروف نفسها، أم أن هناك استعداداً بيولوجياً يمكن أن ينتقل عبر الأجيال ؟ وهل تستطيع القصص التي تتداولها الأسرة عن الجن والأرواح و"الشيء الذي يجثم فوق النائم" أن تجعل الأجيال اللاحقة ترى التجربة بالطريقة نفسها ؟

الأكثر إثارة أن الطب سجل بالفعل عائلات يبدو فيها شلل النوم وكأنه صفة تتنقل بين أفرادها.

فتاة لم تكن الوحيدة في العائلة

في أحد التقارير السريرية المنشورة، وصلت فتاة في السادسة عشرة إلى الأطباء وهي تعاني نوبات متكررة من شلل النوم بدأت منذ الثالثة عشرة.

لم تكن المشكلة بالنسبة إليها مجرد العجز المؤقت عن الحركة، كانت النوبات مصحوبة أحياناً بأحاسيس سمعية ولمسية وبخوف متزايد بلغ درجة جعلتها تخشى الذهاب إلى النوم، وبدأ الأمر ينعكس على حياتها ودراستها.

وخلال أخذ التاريخ الطبي ظهر تفصيل لافت: والدها واثنان من أعمامها من جهة الأب وصفوا نوبات مشابهة.

لكن الفرق أن الرجال الثلاثة لم ينظروا إلى ما يحدث بوصفه مشكلة مهمة، في حين كانت التجربة بالنسبة إلى الفتاة مصدر قلق شديد، لم تكشف الفحوص الطبية والعصبية سبباً آخر واضحاً يفسر النوبات.

هنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا ظهرت الظاهرة لدى أربعة أشخاص مرتبطين بصلة قرابة مباشرة ؟

وقد يكون من السهل اعتبار ذلك مجرد حالة استثنائية، لولا أن الباحثين واجهوا شيئاً أكبر بكثير قبل ذلك بعقود.

33 شخصاً في عائلة واحدة

في عام 1986 نشر الطبيب النفسي الأميركي كارل سي بل Carl C. Bell وزملاؤه دراسة عن شلل النوم تضمنت فحص عائلة كبيرة مكونة من 64 فرداً، كانت النتيجة  لافتة: 33 شخصاً من أفراد العائلة أبلغوا عن تعرضهم لشلل النوم مرة واحدة على الأقل، أي أن التجربة لم تظهر عند فرد أو اثنين، بل لدى أكثر من نصف من شملتهم الدراسة تقريباً.

ورأى الباحثون أن النمط الذي وجدوه يتوافق مع احتمال وجود عامل جيني مهم يزيد الاستعداد لشلل النوم، مع تأكيدهم في الوقت نفسه دور الضغوط والعوامل البيئية.

ولم تكن تلك المحاولة الأولى ، ففي عام 1968 كان الباحث التشيكي بيدريخ روت  Bedřich Roth وزملاؤه قد نشروا بالفعل دراسة حملت عنواناً مباشراً هو شلل النوم العائلي Familial Sleep Paralysis  وهي من أوائل المحاولات الطبية التي تعاملت مع تكرار الجاثوم داخل الأسرة باعتباره مسألة تستحق البحث الوراثي، لا مجرد مجموعة مصادفات.

ومع تراكم الحالات، بدأ احتمال الوراثة يخرج تدريجياً من نطاق الملاحظة إلى الاختبار العلمي.

"ضغط الشبح" الذي يظهر أيضاً في العائلات

بعيداً عن الولايات المتحدة، ظهرت ملاحظة مشابهة في هونغ كونغ ، هناك يعرف شلل النوم تقليدياً باسم يمكن ترجمته تقريباً إلى "ضغط الشبح" Ghost Oppression وهو اسم يعكس التفسير الشعبي للإحساس بالعجز والضغط أو بوجود شيء غير مرئي قرب النائم.

في دراسة شملت 603 طلاب جامعيين، قال 37% إنهم اختبروا الظاهرة مرة واحدة على الأقل، لكن الرقم الأكثر أهمية لموضوعنا أن 20% ذكروا وجود تاريخ عائلي لشلل النوم.

وهكذا تظهر المشكلة نفسها في ثقافات وبيئات مختلفة: شخص يعاني الجاثوم ثم يكتشف أن أفراداً آخرين في عائلته يعرفون التجربة جيداً.

لكن العائلات لا تتشارك الجينات وحدها، إنها تتشارك أيضاً المنازل، وأوقات النوم، والضغوط، والعادات، والأهم من ذلك: القصص.

حين تسبق الحكاية التجربة

في تركيا يحمل الجاثوم اسماً شعبياً معروفاً هو كاراباسان Karabasan وهو كيان تصفه التقاليد وكأنه شيء يأتي إلى النائم ويضغط عليه ، ومن الحالات التي وثقها باحثون امرأة شابة تدعى، باسم مستعار، زينب، كانت قد سمعت للمرة الأولى عن الكاراباسان  من جدتها عندما كان عمرها سبع سنوات ، مرت السنوات، ثم بدأت زينب نفسها تختبر شلل النوم ، وفي إحدى أشد نوباتها رعباً استيقظت عاجزة عن الحركة واعتقدت للحظة أن الشلل قد يصبح دائماً. ثم رأت أمامها امرأة مخيفة ذات وجه محترق، وسمعت منها أصواتاً مرعبة ، لم تحتج زينب إلى البحث عن اسم لما رأته ، لقد عرفته فوراً: إنه الكاراباسان الذي سمعت عنه منذ طفولتها.

وعندما روت التجربة لوالديها، نصحاها بمراجعة طبيب نفسي ورجل دين في الوقت نفسه، وفي النهاية أصبحت تجربتها جزءاً من المنظومة الثقافية نفسها التي سمعت عنها قبل سنوات.

لا تثبت هذه الحالة أن قصة الجدة هي التي "صنعت" الهلوسة، ولكنها تكشف عن عنصر بالغ الأهمية: عندما تقع تجربة غامضة، لا يبدأ الإنسان دائماً من صفحة بيضاء؛ فقد تكون ثقافته وعائلته قد أعطتاه مسبقاً اسماً ووجهاً وتفسيراً لما سيحدث.

فهل يكون ما ينتقل داخل بعض الأسر إذن شيئاً نفسياً أكثر منه وراثياً ؟

اختبار التوائم يدخل على الخط

للتمييز بين الجينات والبيئة، يلجأ الباحثون كثيراً إلى التوائم، لأن التوائم المتطابقة تتشارك نسبة أكبر بكثير من مادتها الوراثية مقارنة بالتوائم غير المتطابقة ، وفي عام 2015 أجريت أول دراسة للتوائم تركز بصورة مباشرة على قابلية وراثة شلل النوم.

شملت الدراسة 862 توأماً وشقيقاً من إنجلترا وويلز، تراوحت أعمارهم بين 22 و32 عاماً.

وعندما طبق الباحثون النماذج الوراثية على النتائج، قدروا أن التأثيرات الجينية يمكن أن تفسر نحو 53% من التباين في قابلية حدوث شلل النوم داخل تلك العينة ، وهنا يجب الانتباه إلى معنى الرقم ، فهو لا يعني أن 53% من الجاثوم الذي يصيب الإنسان سببه الجينات، ولا أن من لديه والد يعاني الجاثوم لديه احتمال 53% للإصابة ، بل يعني أن الاختلاف بين أفراد العينة في ميلهم إلى التعرض للظاهرة أمكن تفسير جزء متوسط منه بالعوامل الجينية في النموذج الإحصائي المستخدم.

وفي الدراسة نفسها ظهرت أيضاً عوامل أخرى مرتبطة بشلل النوم بصورة مستقلة، مثل رداءة النوم والقلق والتعرض لأحداث مهددة أو ضاغطة.

أي أن الصورة لم تكن: جينات أو لا شيء ، بل جينات تعمل وسط شبكة من العوامل النفسية والبيئية.

هل اكتشف العلماء "جين الجاثوم" ؟

حاول الباحثون في الدراسة نفسها البحث عن متغيرات جينية مرتبطة بالساعة البيولوجية، لأن شلل النوم يرتبط بالانتقال المضطرب بين النوم واليقظة ، وظهرت إشارة مثيرة تتعلق بجين يسمى PER2 وهو من الجينات الداخلة في تنظيم الإيقاع اليومي للجسم ، لكن القصة هنا مثال جيد على ضرورة الحذر عند قراءة الدراسات الجينية.

فالعلاقة ظهرت في التحليل الأولي، لكنها لم تعد ذات دلالة إحصائية بعد تطبيق التصحيح اللازم للمقارنات المتعددة، لذلك لا يوجد حتى الآن ما يسمح لنا بالقول إن العلماء اكتشفوا "جين الجاثوم".

الأدق هو القول إن الأدلة تشير إلى وجود مكوّن وراثي في القابلية ، بينما لم تحدد بعد مجموعة واضحة من الجينات التي يمكن تحميلها المسؤولية.

ماذا عن "العدوى" ؟

إذا كان أفراد الأسرة يسمعون تجارب بعضهم بعضاً، فهل يمكن للجاثوم أن ينتقل نفسياً بينهم مثل بعض الظواهر التي كانت تسمى قديماً "الهستيريا الجماعية"؟

في الواقع هناك فرق مهم ، ما يسمى اليوم غالباً  المرض النفسي الجماعي Mass Psychogenic Illness  يشير إلى ظهور مجموعة من الأعراض المتشابهة بصورة سريعة بين أفراد مجموعة مترابطة، غالباً بعد حدث مثير للخوف أو التوتر، ومن دون العثور على سبب بيئي أو عضوي يفسر انتشار الأعراض. وقد تساعد الملاحظة والإشاعات والتوقع والقلق في انتشارها بين الأفراد.

لكن هذا النموذج لا يطابق جيداً ما نراه في شلل النوم العائلي ، فالجاثوم ليس عرضاً مجهول المنشأ ينتقل فجأة بين أفراد الأسرة، هناك بالفعل حالة فسيولوجية معروفة يحدث فيها تداخل بين خصائص نوم حركة العين السريعة REM واليقظة؛ يبقى تثبيط العضلات المرتبط بالنوم لوقت قصير بينما يستعيد الشخص جزءاً من وعيه، وتدعم دراسات النوم الحديثة فكرة "تداخل حالات النوم واليقظة" هذه.

لذلك لا توجد أدلة جيدة حتى الآن على أن شلل النوم نفسه معدٍ نفسياً بالمعنى الذي تستخدم فيه عبارة الهستيريا الجماعية، لكن هذا لا يبرئ "العدوى الاجتماعية" تماماً ، فالشيء الذي قد ينتقل ليس الشلل ذاته، وإنما  توقعه وتفسيره والخوف منه والصورة التي سيأخذها في ذهن صاحبه.

عندما تعطي الثقافة للجاثوم وجهاً

هذه النقطة تظهر بوضوح عندما نقارن الثقافات.

ففي دراسة أجراهابالاند جلال Baland Jalal وأندريا رومانيللي Andrea Romanelli وديفون هينتون Devon E. Hinton، ونُشرت عام 2015 حول التفسيرات الثقافية لشلل النوم في منطقة أبروتسو الإيطالية، شملت العينة 68 شخصاً سبق لهم اختبار شلل النوم، وجد الباحثون أن 38% منهم اعتقدوا أن الكائن الشعبي المعروف باسم الباندافيكي Pandafeche ربما كان سبب التجربة، بينما أفاد 24% بأنهم شعروا بوجود هذا الكائن أثناء نوبة شلل النوم نفسها ، يوصف هذا الكائن أحياناً كساحرة شريرة أو روح أو مخلوق شبيه بالقط.

وفي دراسة مقارنة أجراها بالاند جلال Baland Jalal وجوزيف سيمونز-رودولف Joseph Simons-Rudolph وبامو جلال Bamo Jalal وديفون هينتون Devon E. Hinton ونُشرت إلكترونياً عام 2013 ثم في مجلةTranscultural Psychiatry عام 2014 قارن الباحثون تفسيرات شلل النوم بين أفراد من القاهرة وكوبنهاغن ، وأظهرت النتائج أن نحو 48% من أفراد العينة المصرية العامة الذين سبق لهم اختبار شلل النوم اعتقدوا أن الجن هو سبب التجربة، في حين كانت التفسيرات الخارقة للطبيعة أقل شيوعاً بوضوح بين المشاركين الدنماركيين.

ولا يعني ذلك أن الثقافة تستطيع ببساطة أن تجعل الإنسان يرى أي شيء تريده.

فبعض ملامح شلل النوم، مثل الشعور بوجود شخص أو كيان قريب، تظهر حتى في مجتمعات لا تمتلك تقليداً واضحاً يصف الجاثوم، وهناك باحثون يرون أن التجربة نفسها هي التي قد تكون في الأصل قد ساهمت في نشوء بعض الأساطير، وليس العكس فقط.

لكن الثقافة تبدو قادرة على الأقل على توجيه المعنى الذي يعطى للتجربة، وربما تضخيم الخوف المرتبط بها.

وفي دراسة من إيطاليا، وجد الباحثون مستويات مرتفعة من الخوف والهلوسات لدى مجتمع يمتلك تقليداً شعبياً مفصلاً حول الكائن المسؤول عن الجاثوم، ورأوا أن المعتقدات الثقافية قد تشكل بعض جوانب التجربة نفسها.

العائلة التي تورث شيئين

لنتخيل أسرة عرف فيها الجد الجاثوم، ثم الأم، ثم أحد الأبناء ، هناك احتمال أن أفراد هذه الأسرة يحملون بالفعل استعداداً بيولوجياً مشتركاً يجعل حدوث شلل النوم لديهم أكثر ترجيحاً ، لكن الطفل ينشأ أيضاً وهو يسمع قصة أمه:

"استيقظت ولم أستطع الحركة، وكان شيء يقف عند الباب".

ثم يسمع من جدته رواية مشابهة:

"كنا نقول إن كائناً يأتي إلى النائم ويضغط عليه"

بعد سنوات، يستيقظ الطفل نفسه في إحدى الليالي وهو عاجز عن الحركة.

في تلك اللحظة قد يكون ما حدث لجسده مرتبطاً بآليات النوم وباستعداد وراثي ساهمت عائلته في نقله إليه.

لكن ما يعنيه له ذلك العجز قد يكون قد وصل إليه منذ طفولته.

وهكذا يمكن للعائلة نظرياً أن تنقل مسارين متوازيين:

استعداداً لحدوث التجربة عبر البيولوجيا، وقصة لتفسيرها عبر الثقافة.

ولا يمكن بسهولة فصل الاثنين بمجرد سؤال أفراد الأسرة إن كانوا قد عرفوا الجاثوم؛ لأن الأقارب لا يتشاركون الجينات فقط، بل البيئة وأنماط الحياة والتوتر والعادات والمعرفة أيضاً، ولهذا كانت دراسات التوائم مهمة، لأنها قدمت دليلاً أقوى على أن العامل الجيني موجود بالفعل، من دون أن تلغي العوامل الأخرى.

الجاثوم: موروث أم مكتسب ؟

بعد أكثر من نصف قرن من أول الدراسات عن "شلل النوم العائلي" لا يستطيع العلم القول إن الجاثوم مرض وراثي بالمعنى التقليدي، ولا يوجد جين واحد معروف ينتقل من الأب إلى الابن فيحكم عليه بتجربة الجاثوم.

تبقى أمامنا عدوى من نوع آخر، أكثر خفاءً.

قد تنتقل من الجدة إلى الأم ثم إلى الطفل قصة تقول له مسبقاً ما الذي ينتظره في الظلام، وما اسم الزائر، وكيف يبدو، وماذا يريد.

وعندما تأتي الليلة التي يستيقظ فيها عاجزاً عن الحركة، قد يكون جسده قد ورث الاستعداد…

لكن العائلة ربما تكون قد ورثته أيضاً الحكاية التي سيضع فيها تجربته.