هناك أشخاص يبدون أكثر حساسية لما يدور حولهم؛ يلتقطون تغيراً خفيفاً في نبرة الصوت، يشعرون بتوتر المكان قبل أن يعرفوا سببه، ويكوّنون انطباعاً عن شخص خلال لحظات ثم يعجزون أحياناً عن شرح كيف وصلوا إليه.
وتوصف مثل هذه الشخصيات في الثقافات الروحانية والتقاليد الصوفية بأنها صاحبة فراسة أو بصيرة أو شفافية عالية، بينما يستخدم علم النفس مفاهيم أكثر حذراً مثل الحساسية المرتفعة للمؤثرات والحدس والتقاط الإشارات غير الواعية.
فهل هناك بالفعل ما يميز ما نسميه "الشخص الروحاني" عن الآخرين ؟ وهل يرى ما لا نراه، أم أنه ببساطة يلاحظ ما لا ننتبه إليه ؟
ما المقصود بالشخص الروحاني ؟
لا يوجد في العلم تشخيص يسمى "الشخص الروحاني" ولا مجموعة علامات يمكن من خلالها إثبات امتلاك الإنسان قدرة خارقة، لكن يمكن استخدام المصطلح هنا بالمعنى الوصفي للإشارة إلى شخص يتمتع بحساسية مرتفعة تجاه الأشخاص والأماكن والانفعالات والتفاصيل الدقيقة وقد يفسر بعض تجاربه على أنها حدس أو فراسة أو إدراك باطني.
وفي الموروث الروحاني يشار أحياناً إلى هذه الحالة بتعبير "الشفافية العالية"؛ أي أن الإنسان يبدو وكأن الحاجز بين وعيه وبين ما يدور حوله أقل سماكة، فتصل إليه مؤثرات يمر بها غيره دون أن يمنحها أهمية.
وربما تكمن المسألة كلها في ثلاثة مستويات متداخلة: قدرة أكبر على ملاحظة التفاصيل، ومعالجة لاواعية لها داخل الدماغ، ثم تفسير النتيجة وفق معتقدات الشخص وثقافته.
يلتقط ما لا يقال
إحدى أكثر الصفات ارتباطاً بالشخص الحدسي هي قدرته على الشعور بأن شيئاً ما غير طبيعي قبل ظهور دليل واضح، قد يقول شخص أمامه إنه بخير، لكن شيئاً في صوته أو نظرته أو وقفته يوحي بعكس ذلك، وربما لا يستطيع المراقب تحديد العنصر الذي أثار شكه، لكنه يشعر فوراً بأن هناك حزناً أو خوفاً أو كذباً مخفياً.
ما يحدث هنا قد يبدو أشبه بقراءة الأفكار، لكنه يمكن أن يكون في كثير من الحالات نتيجة التقاط عشرات الإشارات الصغيرة: حركة العين، سرعة الكلام، التردد، شد عضلات الوجه، المسافة الجسدية أو التغير الطفيف في الصوت.
الدماغ يجمع هذه التفاصيل بسرعة، ثم يقدم خلاصتها إلى الوعي في صورة إحساس بسيط: هناك شيء غير سليم.
حدس يأتي قبل التفسير
الشخص شديد الحدس يصل أحياناً إلى النتيجة قبل أن يعرف الأسباب، قد يدخل مكاناً فيشعر بعدم الارتياح أو يقابل شخصاً لأول مرة فيحذر منه أو يتوقع اتجاه موقف ما دون أن يستطيع شرح منطقه في اللحظة ذاتها.
وهنا تظهر إحدى أكثر خصائص الحدس إثارة: الإنسان قد يتعلم عبر سنوات طويلة أنماطاً في السلوك والوجوه والمواقف من دون أن يحفظها بصورة واعية، وعندما تتكرر أمامه عناصر شبيهة يتعرف إليها عقله قبل أن يبدأ التفكير التحليلي.
لهذا يشعر أحياناً بأنه عرف دون أن يعرف كيف عرف.
وقد تكون هذه الآلية الطبيعية وراء جزء كبير مما تسميه الثقافات القديمة بالفراسة.
حساسية مرتفعة للأشخاص
بعض الأشخاص يتأثرون بشدة بالمزاج السائد حولهم ، يدخل أحدهم الغرفة فيشعر فوراً بوجود توتر بين شخصين، رغم أن كليهما يتصرف بصورة طبيعية، وقد يصبح وجود شخص عصبي أو عدائي مرهقاً له، في حين يشعر براحة ملحوظة قرب أشخاص آخرين.
في الخطاب الروحاني يوصف ذلك كثيراً بأنه "الإحساس بطاقة الآخرين" بينما يمكن النظر إليه نفسياً باعتباره مزيجاً من التعاطف والانتباه الدقيق للإشارات الاجتماعية والحساسية الانفعالية.
واللافت أن أصحاب هذه الحساسية لا يرون دائماً في موهبتهم نعمة؛ فقد تتحول إلى عبء عندما يصبح الإنسان شديد التأثر بانفعالات المحيطين به.
الأماكن أيضاً تترك انطباعاً
من العلامات التي تتكرر في روايات الأشخاص الذين يوصفون بالروحانيين شعورهم القوي تجاه الأماكن ، قد يدخل الإنسان منزلاً لأول مرة فيشعر براحة غير معتادة، بينما يسبب له مكان آخر ضيقاً أو رغبة في المغادرة من دون سبب ظاهر.
التفسير الروحاني يتحدث هنا عن طاقة المكان أو أثر الأشخاص الذين عاشوا فيه، أما التفسير الحسي فيشير إلى تفاصيل يمكن للدماغ التقاطها دون انتباه واعٍ: رائحة الرطوبة، انخفاض الإضاءة، الأصوات ذات التردد المنخفض، ضيق الممرات، حرارة المكان أو تصميمه المعماري ، ومع ذلك فإن قوة الانطباع قد تجعل صاحبه مقتنعاً بأن المكان يحمل شيئاً يتجاوز صفاته المادية.
الأحلام الواضحة والرمزية
كثير ممن يصفون أنفسهم بالحساسية الروحية يمنحون أحلامهم أهمية خاصة ، تكون أحلامهم أحياناً شديدة الوضوح أو كثيرة التفاصيل، وقد يشعرون بأن بعض الأحلام تنبههم إلى حدث أو شخص أو قرار، وفي حالات أخرى يتكرر رمز معين حتى يبدو وكأنه يحمل رسالة.
وتشكل الأحلام منذ أقدم الحضارات جسراً بين الإنسان وما اعتبره العالم غير المرئي ولذلك ليس غريباً أن ترتبط بقوة بمفهوم الشخص الروحاني.
لكن الذاكرة البشرية انتقائية أيضاً؛ فنحن نتذكر الحلم الذي تشابه مع حدث وقع لاحقاً، وننسى عدداً أكبر من الأحلام التي لم يتحقق منها شيء.
الإحساس بالجسد كإنذار مبكر
الحدس ليس فكرة دائماً؛ قد يكون إحساساً جسدياً ، انقباض مفاجئ في المعدة، قشعريرة، تسارع ضربات القلب أو شعور غامض بالضيق قد يسبق أحياناً الإدراك الواعي للخطر فالجسم نفسه يستجيب للمعلومات التي يعالجها الدماغ، حتى عندما لا نكون قد فهمنا بعد ما الذي أثار استجابتنا.
ولهذا قد يقول شخص: "جسدي أخبرني أن أغادر" بينما تكون الحقيقة أن عقله لاحظ أمراً مريباً ولم يستطع بعد تحويله إلى فكرة واضحة.
المصادفات التي تبدو وكأنها رسائل
يفكر في شخص فيتصل ذلك الشخص بعد دقائق، يرى اسماً عدة مرات خلال يوم واحد، يحلم بمكان ثم يجد نفسه فيه بعد فترة ، هذه التجارب من أكثر ما يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه يتمتع بقدرة خاصة أو أن العالم يرسل له إشارات.
ويرى البعض فيها نوعاً من "التزامن ذي المعنى"، بينما يفسرها آخرون بقوانين الاحتمال والانتباه الانتقائي؛ إذ يصبح العقل أكثر استعداداً لملاحظة الشيء بمجرد أن يكتسب معنى خاصاً لديه ، ولا يلغي ذلك غرابة بعض المصادفات، لكنه يجعل من الضروري عدم اعتبار كل مصادفة دليلاً على قدرة خارقة.
الحاجة إلى العزلة
كثير من الأشخاص شديدي الحساسية يحتاجون إلى فترات من الهدوء بعد الاختلاط الطويل بالآخرين ، فالتجمعات الكبيرة، الضوضاء، كثرة المحادثات والانفعالات قد تسبب لهم إنهاكاً سريعاً فيبحثون عن العزلة وكأنهم يحتاجون إلى إعادة ضبط حواسهم.
وفي التفسير الروحاني يقال أحياناً إن الشخص يمتص طاقة الآخرين أما نفسياً فقد يكون أكثر تأثراً ببساطة بكمية المثيرات الحسية والاجتماعية التي يتلقاها.
الشفافية العالية
تعبير "الشفافية" ليس مصطلحاً علمياً لكنه يقدم صورة جيدة للطريقة التي تصف بها بعض التقاليد هذه الشخصيات ، فالإنسان الطبيعي يرشح باستمرار معظم المعلومات المحيطة به، لو أصبح واعياً بكل صوت وحركة ورائحة وتعبير وجه في كل لحظة لتعذر عليه التركيز ، لكن بعض الأشخاص يبدو أنهم يسمحون لكم أكبر من تلك المعلومات بالدخول إلى تجربتهم.
ومن هنا يمكن طرح احتمال مثير: ربما لا يمتلك الشخص شديد الحساسية حاسة سادسة، وإنما يستخدم حواسه الخمس بطريقة تجعله يلتقط تفاصيل أكثر من المتوسط ، وهنا يصبح الحد الفاصل بين الإدراك العادي وما يبدو خارقاً أكثر دقة مما نتصور.
كشف القلوب عند المتصوفة
فكرة الإنسان القادر على رؤية ما وراء ظاهر الآخرين ليست حديثة ، ففي التراث الصوفي ظهرت مفاهيم مثل الفراسة والكشف والمكاشفة والإلهام ومعرفة الخواطر، وكانت المعرفة بالنسبة إلى عدد من المتصوفة لا تأتي فقط عن طريق الدراسة والاستدلال، بل قد تنشأ أيضاً في القلب بعد صفاء النفس والمجاهدة والتأمل والذكر.
ويُستخدم أحياناً تعبير كشف القلوب لوصف الروايات التي يبدو فيها الشيخ الصوفي قادراً على معرفة ما يشغل الإنسان أمامه أو الإجابة عن سؤال لم ينطق به ، لكن الأدق أن كشف القلوب ليس اسماً موحداً لقدرة محددة لدى جميع المتصوفة، بل يقترب من مجموعة مفاهيم كان أبرزها الفراسة والكشف والمكاشفة.
فقد وصف القشيري الفراسة بأنها خاطر يرد على القلب ويكون له أثر قوي لدى صاحبه، بينما أصبحت "المكاشفة" في الأدبيات الصوفية تعبيراً عن انكشاف المعنى للقلب بصورة تتجاوز المعرفة العقلية المعتادة.
الروحاني بالفطرة والوسيط الروحاني
من الضروري التمييز بين مفهومين يختلطان كثيراً.
الروحاني بالفطرة هوشخص يمتلك حساسية مرتفعة وحدساً قوياً وانتباهاً إلى التفاصيل والأشخاص والأماكن، وقد يختبر أحلاماً أو انطباعات غير معتادة، لكنه لا يدعي بالضرورة التواصل مع أرواح الموتى ولا يمارس جلسات روحانية.
أما الوسيط الروحاني Medium فهو شخص يدعي بصورة مباشرة أنه يستطيع العمل كحلقة اتصال بين الأحياء والأموات أو الكيانات غير المرئية.
وقد يزعم الوسيط تلقي رسائل في صورة أصوات أو صور ذهنية أو أحاسيس، أو يمارس الكتابة التلقائية أو جلسات استحضار الأرواح.
لهذا يمكن اختصار الفرق بالقول:
الشخص الروحاني يصف استعداداً أو حساسية، أما الوسيط الروحاني فيدعي ممارسة الاتصال بالعالم الآخر.
ومن ثم ليس كل شخص حدسي أو شديد الحساسية وسيطاً روحانياً.
عندما يتحول الحدس إلى فخ
الحساسية المرتفعة لا تعني العصمة من الخطأ ، فالدماغ الذي يستطيع العثور على الأنماط يستطيع أيضاً رؤية نمط حيث لا يوجد نمط، قد يشعر الإنسان بأن شخصاً لا يحبه، ثم يبدأ في تفسير كل حركة منه بما يؤكد اعتقاده وقد يتذكر عشر مرات صدق فيها حدسه، وينسى عشرات المرات التي أخطأ فيها ، وهذا ما يعرف بـ الانحياز التأكيدي: نلاحظ الأدلة المؤيدة لما نعتقده أكثر مما نلاحظ ما يناقضه.
وهنا يظهر الفرق بين الشخص الحدسي الناضج وبين من يصبح أسيراً لحدسه: الأول يعتبر شعوره إشارة تستحق الفحص، بينما يتعامل الثاني معه باعتباره حقيقة لا تحتاج إلى دليل.
هل يرى الشخص الروحاني ما لا نراه ؟
ربما لا يكون السؤال الصحيح هو: هل يملك بعض الأشخاص قدرة خارقة ؟
بل: هل تختلف عتبة الإدراك من إنسان إلى آخر إلى درجة تجعل تجربة أحدهم للعالم مختلفة جذرياً عن تجربة الآخرين؟
لدينا أسباب جيدة للاعتقاد بأن البشر يختلفون بالفعل في حساسية أعصابهم، وتعاطفهم، وانتباههم للتفاصيل، وقدرتهم على قراءة الإشارات الاجتماعية والتعرف إلى الأنماط.
أما الانتقال من ذلك إلى القول بوجود استبصار أو تخاطر أو اتصال بعالم غير مرئي، فهو ادعاء آخر يحتاج إلى أدلة مختلفة وربما لهذا ظلت شخصية صاحب الفراسة حاضرة منذ القدم وحتى اليوم: شخص ينظر إليك للحظات ثم يقول شيئاً يجعلك تتساءل كيف عرفه.
قد يسمي عالم النفس ذلك معالجة لاواعية للإشارات، ويسميه المتصوف فراسة، ويسميه الروحاني إحساساً بالطاقة.
لكن اللحظة الغامضة تبقى واحدة:
أن تعرف شيئاً قبل أن تعرف كيف عرفته.
وربما لهذا يمكن وصف الشخص الروحاني بأبسط عبارة:
إنه لا يرى بالضرورة ما لا نراه، لكنه قد يلاحظ ما اعتدنا ألا ننتبه إليه.