في جنوب سريلانكا، حيث امتزجت المعتقدات الشعبية بالبوذية وبقايا تقاليد أقدم، نشأت واحدة من أغرب طرق العلاج الروحي في آسيا: طقوس يرتدي فيها المعالجون أقنعة مرعبة تمثل الأرواح أو الكيانات التي يُعتقد أنها تقف وراء المرض، ثم يدخلون معها في مواجهة مسرحية طويلة تنتهي بطردها أو إخضاعها.

هذه الممارسة معروفة ضمن طقوس توفيل  Tovil وهي طقوس علاج شعبي كان يلجأ إليها بعض السنهاليين عند مواجهة أمراض أو اضطرابات لا يجدون لها تفسيراً واضحاً،  أما أشهر صورها وأكثرها إثارة فهي طقوس ساني ياكوما Sanni Yakuma المرتبطة بما يعرف بـ "أرواح الأمراض الثمانية عشر".

لكن الغريب في هذه الطقوس أن القناع لم يكن مجرد وسيلة لإخافة الأرواح بل كان يمنح المرض نفسه وجهاً.

حين يتحول المرض إلى كائن

في التصور الشعبي السنهالي القديم، لم تكن بعض الأمراض تُفهم بوصفها خللاً يحدث داخل الجسد فقط، بل قد تكون منسوبة  إلى تأثير كائنات غير مرئية تعرف باسم ياكا  Yakka أو ياكشا Yaksha.

ومن هنا ظهر مفهوم الساني Sanni  وهي مجموعة من القوى أو الكيانات التي جرى ربط كل منها بنوع معين من العلل.

بدلاً من القول إن الإنسان يعاني الحمى أو الصمم أو الشلل، كان المرض يُجسد في صورة كائن له اسم وشكل وسلوك خاص.

وهكذا ظهرت سلسلة من الأقنعة الخشبية شديدة التعبير: عيون جاحظة، أفواه ملتوية، ألسنة بارزة، أنياب ووجوه مشوهة، بحيث يعكس شكل القناع طبيعة المرض الذي يمثله.

كان بيهيري سانيا Bihiri Sanniya يرتبط بالصمم، بينما ارتبط غولو سانيا  Golu Sanniya بفقدان الكلام، و كورا سانيا Kora Sanniya بالشلل أو صعوبة الحركة، في حين ارتبطت أقنعة أخرى بالقيء والحمى والأمراض الجلدية واضطرابات المعدة والاضطرابات العقلية.

بهذه الطريقة تحول المرض من شيء خفي داخل المريض إلى خصم مرئي يمكن مواجهته.

الأرواح الثمانية عشر

اشتهرت الطقوس بفكرة وجود ثمانية عشر من ساني Sanni يمثل كل منها شكلاً من أشكال المرض أو المعاناة، ولا تتطابق قوائم الأسماء دائماً بين منطقة وأخرى، وهو أمر طبيعي في تقليد شعبي انتقل عبر الأجيال شفهياً، لكن الرقم ثمانية عشر بقي من أبرز عناصر الأسطورة.

ويظهر فوق هذه المجموعة كيان يعرف باسم : ماها كولا ساني ياكا Maha Kola Sanni Yaka 

ويقدم في بعض الروايات باعتباره سيد تلك القوى أو الكائن الجامع للأمراض ولهذا نجد بعض الأقنعة السريلانكية الكبيرة تحمل وجهاً رئيسياً تحيط به وجوه أصغر، في إشارة إلى الأرواح المتعددة المرتبطة به.

هذه الأقنعة هي اليوم من أكثر القطع السريلانكية إثارة للانتباه في المتاحف والمجموعات الأنثروبولوجية، لكنها لم تصنع في الأصل للزينة ، كان لها دور في طقس قد يستمر ليلة كاملة.

ليلة طرد الأرواح

كان طقس ساني ياكوما  Sanni Yakuma يقام عادة قرب منزل الشخص المريض ، ومع حلول الظلام تبدأ الاستعدادات بإقامة مساحة طقسية تستخدم فيها أوراق النخيل وسيقان الموز والزينة والقرابين، ثم تبدأ الطبول والتلاوات والرقص.

يجلس المريض قريباً من مكان العرض، بينما يؤدي المعالجون والراقصون سلسلة من المشاهد ، وفي مرحلة معينة يظهر أحد المؤدين مرتدياً قناع الـ ساني Sanni المسؤول – وفق الاعتقاد – عن مرض الشخص.

هنا تحدث المفارقة الأكثر غرابة في الطقس ، فالمعالج لا يطارد الكيان غير المرئي فقط، بل يستحضره رمزياً على هيئة إنسان يرتدي وجهه، يبدأ حوار بين الكيان والمشاركين في الطقس، وقد يتضمن تهديداً أو تفاوضاً أو سخرية أو إغراءً بالقرابين.

ومع تقدم الليل، يفقد «الشيطان» شيئاً من هيبته ، يصبح موضع استجواب، ثم استهزاء، ثم إخضاع ، وفي نهاية الأداء يُفترض أن يترك الكيان المريض ويقبل القرابين المقدمة له أو يرضخ للقوة الطقسية التي واجهته ، بهذا المعنى لم يكن الطقس معركة بسيطة بين الخير والشر، بل عملية معقدة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان والقوى غير المرئية.

لماذا يرتدي المعالج وجه الشيطان ؟

ربما تكون هذه أكثر الأفكار إثارة في الطقس بأكمله ، ففي الكثير من تقاليد طرد الأرواح، يقف المعالج في مواجهة الكيان ، أما هنا، فإنه يسمح له أولاً بأن يظهر ، القناع يجعل ما هو غير مرئي قابلاً للرؤية، وما هو غامض قابلاً للتسمية فالمرض الذي لا يستطيع المريض فهمه يصبح فجأة كائناً له وجه وصوت وشخصية وهكذا تنتقل المعركة من داخل الإنسان إلى ساحة أمامه.

يرى المريض «الشيطان» الذي يطارده وهو يظهر ويرقص ويتحدث، ثم يشاهده يُهزم ، ومن منظور نفسي حديث، قد تكون لهذه العملية قيمة رمزية كبيرة؛ إذ تمنح المريض إحساساً بأن سبب معاناته أصبح قابلاً للفهم والسيطرة، حتى إن لم يكن التفسير الخارق نفسه صحيحاً.

القرابين والتفاوض مع الكائنات

لا يعتمد الطقس دائماً على الطرد بالقوة ، في بعض مراحله تظهر فكرة أقرب إلى المساومة مع الروح ، حيث تقدم الأطعمة وأوراق التنبول والزهور والبخور وغيرها من القرابين، ويطلب من الكيان أن يقبلها مقابل ترك المريض وهذا يعكس تصوراً مختلفاً للعالم الخفي ، فالكيانات ليست دائماً شراً مطلقاً يجب القضاء عليه، بل قوى خطيرة يمكن استرضاؤها أو ضبط علاقتها بالبشر ، وقد تجمع طقوس التوفيل لذلك بين الاستدعاء والتفاوض والسخرية والتهديد والرقص والتعاويذ ضمن أداء واحد.

 أسطورة ولادة سيد الأمراض

وتروي التقاليد الشعبية قصة قاتمة عن أصل ماها كولا ساني ياكا ، تختلف التفاصيل بحسب الرواية، لكن إحدى أشهر النسخ تتحدث عن ملك أمر بقتل زوجته الحامل بعد أن شك في خيانتها ، ومن جسد الأم الميتة خرج طفل أصبح فيما بعد كائناً مخيفاً يسعى إلى الانتقام، ويرتبط ظهور أرواح الأمراض الثمانية عشر بقصته.

وفي بعض الصيغ، يبدأ هذا الكيان بإطلاق الأمراض على البشر قبل أن تتم السيطرة عليه ضمن إطار ديني بوذي، حيث يجبر هو والأرواح التابعة له على الامتثال لقواعد تمنعهم من إيذاء البشر دون حدود ، ولا ينبغي فهم هذه الرواية كتاريخ، بل كأسطورة تفسر أصل الطقس وأصل الأرواح التي يمثلها.

مثل الكثير من الأساطير، تمنح القصة المرض معنى أخلاقياً ودرامياً، وتحوله من حادثة عشوائية إلى نتيجة لصراع قديم بين البشر والعالم غير المرئي.

الأقنعة نفسها

كانت الأقنعة تصنع تقليدياً من أخشاب خفيفة يسهل نحتها، واشتهرت منطقة أمبالانغودا Ambalangoda جنوب غرب سريلانكا خصوصاً بصناعة الأقنعة.

كان الحرفي ينحت الملامح ثم يلون القناع بألوان قوية تجعل تعبيراته واضحة حتى في ضوء المشاعل أو المصابيح الليلية.

لكن من المهم التفريق بين أنواع الأقنعة السريلانكية ، فليست كل الأقنعة ذات الأنياب والعيون الكبيرة أقنعة لطرد الأرواح ، هناك أقنعة كولام Kolam المستخدمة في المسرح الشعبي، وأقنعة راكشا Raksha المرتبطة بعروض وطقوس أخرى، إلى جانب أقنعة ساني التي ترتبط مباشرة بالأمراض وطقوس العلاج.

ومع انتشار السياحة، أصبحت نماذج كثيرة منها تباع كقطع زخرفية، مما جعل الخط الفاصل بين القناع الطقسي الأصلي والنسخة السياحية الحديثة أقل وضوحاً.

الطقس كان تجربة اجتماعية كاملة

يجتمع أفراد العائلة والجيران حول المريض ويشارك الموسيقيون والراقصون والمعالجون في حدث قد يستمر ساعات طويلة، بينما تتحول معاناة المريض إلى قصة يشاهد الجميع نهايتها.

ومن منظور علم النفس والأنثروبولوجيا، يمكن فهم هذا النوع من الطقوس كوسيلة لإعطاء المعاناة معنى، وتخفيف الخوف، وتحويل الإحساس بالعجز إلى تجربة يشعر فيها المريض بأن الخطر قد جرى تحديده ومواجهته.

وقد يفسر ذلك لماذا وصف بعض المرضى شعوراً بالراحة بعد انتهاء الطقس دون أن يعني ذلك بالضرورة أن السبب الخارق الذي افترضه التقليد كان حقيقياً.

عندما يصبح الرعب علاجاً

تبدو أقنعة ساني اليوم مرعبة لمن يشاهدها خلف زجاج أحد المتاحف ، لكن بالنسبة لمن صنعوها واستخدموها لم يكن الرعب غايتها النهائية ، فالوجه المشوه لم يكن فقط صورة للشر، بل صورة لشيء كان الإنسان يحاول السيطرة عليه ، ربما كانت الفكرة الجوهرية وراء الطقس بسيطة على نحو مدهش:

ما دام المرض مجهولاً، فإنه مرعب. لكن إن أمكن منحه اسماً ووجهاً وإحضاره إلى الضوء، يصبح من الممكن مواجهته ولهذا كان المريض يرى علته وقد أصبحت جسداً أمامه، ثم يشاهدها ترقص وتصرخ وتساوم، قبل أن تُهزم في نهاية الليل.

وبين الطبول والأقنعة والنار والأسطورة، تحولت عملية الشفاء إلى مسرح كامل تدور أحداثه على الحد الفاصل بين النفس والمرض والعالم غير المرئي.

وربما لهذا بقيت أقنعة Sanni Yakuma حتى اليوم واحدة من أغرب الشواهد على محاولة الإنسان القديمة لفهم المرض:

ليس بوصفه ألماً داخل الجسد فحسب، بل شيئاً يمكن أن يكون له وجه...ليتم طرده.