في أحد حقول مقاطعة سوفولك الإنجليزية ظلت مجموعة من التلال الترابية الصامتة تطل على منزل الأرملة إديث بريتي Edith Pretty سنوات طويلة، لم يكن منظرها يوحي بشيء استثنائي، لكن بريتي كانت مقتنعة بأن تحتها سراً ينتظر من يكشفه، والأغرب أن بعض الروايات التي سبقت التنقيب لم تتحدث عن آثار أو دلائل في التربة، بل عن أشكال بشرية غامضة شوهدت تتحرك بين التلال عند الغسق وعن محاربين وفارس يظهر فوق أحدها ثم يختفي.

كان من السهل اعتبار تلك الحكايات أوهاماً، خصوصاً أن بريتي معروفة باهتمامها بالروحانية والتواصل مع عالم الأرواح، لكن في عام 1939 بدأ التراب نفسه يكشف مفاجأة أكبر مما توقعه أحد: تحت أحد التلال ظهر أثر سفينة هائلة مدفونة منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وفي قلبها غرفة مليئة بالذهب والأسلحة والفضة والحلي.

كان ذلك اكتشاف "ساتون هو" Sutton Hoo أحد أهم الاكتشافات الأثرية في تاريخ بريطانيا والذي أعاد رسم صورة إنجلترا في بدايات العصور الوسطى، لكن قصة ساتون هو لم تبدأ بالآثار وحدها وربما لم تنتهِ بها أيضاً.

 تلال غامضة في أرض إديث بريتي

يقع "ساتون هو" قرب مدينة وودبريدج في سوفولك شرقي إنجلترا على أرض كانت جزءاً من ملكية تعرف اليوم باسم دار ترانمر Tranmer House ، عاشت إديث بريتي هناك مع ابنها روبرت وكانت تشاهد من منزلها مجموعة من التلال القديمة المنتشرة في الحقل، وكان معروفاً محلياً أن المنطقة تحتوي على مدافن قديمة، لكن بعض التلال تعرض للعبث والنهب في قرون سابقة ولذلك ساد الاعتقاد بأن ما كان فيها من كنوز قد اختفى منذ زمن بعيد .

لم تقتنع بريتي بذلك فاهتمامها بالآثار لم يكن وليد الخيال وحده؛ فقد سافرت في شبابها إلى بلدان عدة وزارت مواقع أثرية في مصر وأماكن أخرى وكانت على دراية نسبية بالحفريات والتاريخ القديم.

ومع ذلك كان هناك جانب آخر في شخصيتها جعل قصة ساتون هو لاحقاً أرضاً خصبة للروايات الغامضة: اهتمامها بالروحانيات Spiritualism وهي الحركة التي ازدهرت في بريطانيا وأوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وقامت على الاعتقاد بإمكانية التواصل مع أرواح الموتى ويبدو أن اهتمامها بذلك ازداد خلال سنوات حياتها الأخيرة، خصوصاً بعد وفاة زوجها فرانك بريتي عام 1934.

محاربون يسيرون بين التلال

تنقل مصادر تناولت حياة إديث بريتي أن أشخاصاً في محيطها تحدثوا عن رؤية أشكال بشرية تتحرك فوق التلال أو بالقرب منها ، وفي إحدى أشهر الروايات شوهدت هيئة محارب قديم أو فارس يمتطي حصاناً أبيض فوق أحد التلال، وتحدثت روايات أخرى عن رجال يحملون ما يشبه الرماح والدروع ويتحركون في الحقل كأنهم جنود من زمن آخر.

كما ظهرت لاحقاً شهادة منسوبة إلى لين كوكس Len Cox تحدث فيها عن والدته دوروثي التي قيل إنها كانت تتمتع بقدرات نفسية وتزور إديث بريتي باستمرار وأنها كانت ترى محاربين في المكان وتعتقد أن شيئاً مهماً مدفوناً هناك.

لكن هذه الجزئية تحديداً يجب التعامل معها بحذر لأنها وصلت إلينا أساساً عبر روايات لاحقة وليست موثقة بالدرجة نفسها التي توثقت بها أحداث التنقيب، ولهذا لا يمكن القول إن "الأشباح أخبرت إديث بريتي بمكان الكنز"  الأدق أن نقول إن حكايات عن مشاهدات غريبة تزامنت مع قناعة حقيقية لدى بريتي بأن التلال تخفي شيئاً مهماً ، وفي عام 1938 قررت أخيراً أن تختبر هذه القناعة بالحفر.

باسيل براون يدخل المشهد

استعانت إديث بريتي بعالم الآثار المحلي باسيل براون Basil Brown، وهو رجل لم يحمل الألقاب الأكاديمية اللامعة التي امتلكها كثير من علماء الآثار في ذلك الزمن، لكنه كان يمتلك خبرة كبيرة في تاريخ سوفولك وفي قراءة الأرض.

بدأ براون أعماله في يونيو 1938 وبأدوات بسيطة وبمساعدة عمال من الملكية، بدأ فتح عدد من التلال ، كانت النتائج الأولى مثيرة، لكنها لم تكن بعد ذلك الاكتشاف الذي سيغير كتب التاريخ، فقد تم العثور على آثار مدافن وسفن إلا أن بعضها كان قد تعرض للنهب في الماضي.

ثم جاء ربيع عام 1939 ، قررت بريتي وبراون فتح أكبر التلال وبعد وقت قصير بدأت تظهر في التربة قطع صغيرة متكررة من الحديد ، كانت مسامير ثم اتضح أن تلك المسامير كانت مصطفة في خطوط طويلة ترسم شيئاً لا يكاد يصدق: هيكل سفينة كاملة مدفونة داخل التل ، لم يبقَ خشب السفينة نفسه تقريباً، فقد تحلل مع مرور القرون، لكن التربة احتفظت بطبعتها، فيما بقيت المسامير الحديدية في مواقعها الأصلية ، بلغ طول السفينة نحو 27 متراً ، ولم تكن سفينة عادية ، كانت "سفينة دفن".

سفينة ملك إلى العالم الآخر

مع اتساع الحفر أدرك باسيل براون أنه يقف أمام اكتشاف يفوق إمكانيات عملية تنقيب محلية، فاستُدعي علماء آثار متخصصون، بينهم تشارلز فيليبس وستيوارت بيغوت وزوجته عالمة الآثار بيغي بيغوت Peggy Piggott K وفي يوليو 1939 كانت بيغي تعمل داخل غرفة الدفن عندما لمحت شيئاً صغيراً يلمع في التراب فأخرجته، كان قطعة ذهبية هرمية صغيرة مرصعة بالعقيق ،وكان ذلك أول مؤشر واضح على حجم الكنز المدفون في قلب السفينة ، ثم توالت الاكتشافات.

خرجت من الأرض أسلحة، وأوانٍ فضية، وحلي ذهبية، وأجزاء من دروع، وأوعية فاخرة، وعملات، وأبازيم متقنة الصنع، وأغراض جاءت من أماكن بعيدة في أوروبا وشرق البحر المتوسط وبلغ عدد القطع المكتشفة في غرفة الدفن نحو 263 قطعة ،لكن أشهرها بلا شك كانت الخوذة.

وجه من القرن السابع

أصبحت خوذة ساتون هو لاحقاً واحدة من أشهر الصور المرتبطة بالتاريخ الأنجلوسكسوني، عُثر عليها محطمة إلى مئات القطع ثم أعاد خبراء المتحف البريطاني بناءها ، الخوذة مصممة بحيث تغطي معظم الوجه وتحمل زخارف دقيقة تشمل محاربين وحيوانات وأنماطاً هندسية ، وحين تُرى من الأمام تبدو ملامحها شبه بشرية: فتحات العينين والحاجبان والأنف والشارب تشكل معاً وجهاً مخيفاً ومهيباً، كانت هذه القطع كافية لقلب فكرة شائعة عن إنجلترا بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية.

فبدلاً من صورة مجتمع فقير ومعزول يعيش في "عصور مظلمة"، كشف "ساتون هو" عن نخبة ثرية تمتلك حرفيين مهرة وشبكات تجارة واسعة واتصالات بعيدة ونظام حكم قادر على جمع الثروة والقوة.

لمن كان القبر ؟

لم يعثر العلماء على جثة محفوظة بوضوح داخل غرفة الدفن ، ويرجح أن التربة شديدة الحموضة في المنطقة أدت إلى تحلل العظام والأنسجة بالكامل تقريباً ، لكن حجم السفينة وثروة المقتنيات دفعت الباحثين إلى الاعتقاد بأن صاحب القبر كان شخصية ملكية بالغة الأهمية.

والمرشح الأشهر هو رِيدوالد Rædwald ملك أنجليا الشرقية الذي حكم في أوائل القرن السابع الميلادي وتوفي على الأرجح نحو عام 624 ، لكن هذا الربط يظل ترجيحاً وليس حقيقة مثبتة بصورة قاطعة.

كما تكشف محتويات القبر عن مرحلة انتقالية مثيرة في التاريخ الديني لإنجلترا؛ فبعض الرموز والممارسات تبدو مرتبطة بالتقاليد الوثنية الجرمانية، بينما تظهر في بعض القطع مؤثرات مسيحية ، وكأن صاحب القبر عاش في عالم يقف بين معتقدين.

لماذا جرى دفن سفينة كاملة ؟

دفن شخص مهم داخل سفينة محملة بالأسلحة والكنوز لم يكن مجرد استعراض للثروة، ففي عدد من الثقافات الجرمانية والإسكندنافية، ارتبطت السفينة رمزياً بالرحلة والموت والانتقال من عالم إلى آخر.

وتذكر هذه المراسم بما ورد في الملحمة الإنجليزية القديمة "بيوولف Beowulf" حيث يوضع الملك الأسطوري شيلد شيفينغ بعد موته في سفينة تحيط به الكنوز والأسلحة قبل أن يُرسل في رحلته الأخيرة ، وهذا التشابه جعل اكتشاف "ساتون هو" يبدو للعلماء كما لو أن مشهداً من الأدب القديم تحول فجأة إلى حقيقة أثرية.

فالأشياء التي دُفنت مع صاحب القبر ربما لم تكن مجرد ممتلكات ثمينة بل أدوات ورموزاً يفترض أن ترافقه إلى العالم الآخر، وهنا تأخذ الروايات الشبحية التي سبقت الاكتشاف بعداً أكثر غرابة، فالأشكال التي زعم البعض رؤيتها فوق التلال وُصفت بأنها محاربون ثم كشف التنقيب بالفعل عن قبر ملكي يحتوي على أسلحة وتجهيزات محارب ، إنها مصادفة جذابة بلا شك لكنها ليست دليلاً على أن ما شوهد كان أشباحاً.

الكنز تحت سرير إديث

بعد اكتشاف الكنوز ظهرت مشكلة قانونية: لمن تعود ؟ ، تم عقد تحقيق رسمي عام 1939 لتحديد ما إذا كان الكنز يدخل ضمن ما كان يعرف قانونياً بـTreasure Trove وانتهى التحقيق إلى أن الملكية تعود إلى إديث بريتي ، كان بإمكانها الاحتفاظ بأحد أثمن الاكتشافات الأثرية البريطانية أو بيعه بثروة هائلة ، لكنها اتخذت قراراً آخر ، تبرعت بالمجموعة كاملة إلى المتحف البريطاني ، وأصبحت هديتها واحدة من أهم التبرعات التي تلقاها المتحف في تاريخه.

وتنقل الروايات الطريفة أنها احتفظت ببعض القطع في منزلها خلال الأيام الأولى للاكتشاف حتى إنها أخفت جزءاً منها تحت سريرها حفاظاً عليها ، لكن إذا كانت الكنوز قد غادرت التلال إلى المتحف، فالروايات الغريبة ـ بحسب البعض ـ لحقتها إلى هناك.

هل انتقلت الأشباح إلى المتحف البريطاني ؟

بعد عقود من اكتشاف القبر بدأ الباحث والكاتب نوح أنجيل Noah Angell بجمع شهادات من موظفين سابقين وحاليين في المتحف البريطاني حول حوادث غير عادية وقعت في قاعاته ، وفي كتابه "أشباح المتحف البريطاني" Ghosts of the British Museum عرض عدداً من هذه الروايات ومن بين الأماكن التي ظهرت في الشهادات قاعة "ساتون هو".

إحدى أكثر الروايات إثارة تتحدث عن حارس أغلق الأبواب المزدوجة المؤدية إلى القاعة وتأكد من تثبيتها قبل أن ينتقل إلى جزء آخر من المتحف ، بعد وقت قصير أبلغه موظف يراقب كاميرات الأمن أن الأبواب أصبحت مفتوحة ، وعند مراجعة التسجيل، قيل إن الأبواب بدت وكأنها تتحرك وتفتح دون ظهور شخص واضح يقوم بذلك ،وتوجد أيضاً روايات أقل تحديداً عن شعور بعض العاملين بأن القاعة تمتلك أجواء غير اعتيادية.

لكن علينا هنا التمييز مجدداً بين الشهادة والتفسير، حتى لو حدثت واقعة الأبواب كما رُويت، فهذا لا يعني بالضرورة أن محارباً أنجلوسكسونياً فتحها، فقد توجد أسباب ميكانيكية أو اختلافات في ضغط الهواء أو مشكلات في الأقفال أو تفاصيل لم تصل إلينا مع الرواية.

لكن وجود تلك القصص يجعل ساتون هو حالة مثيرة بصورة استثنائية: مكان بدأت حكايته الحديثة بأحاديث عن أشباح، ثم أخرج من الأرض قبراً ملكياً، وبعد نقل آثاره إلى المتحف ظهرت حولها قصص شبحية جديدة.

هل قادت القدرات النفسية إلى الاكتشاف ؟

من السهل تقديم قصة ساتون هو باعتبارها مثالاً مذهلاً على "الرؤية النفسية" التي أثبتها علم الآثار فيما بعد ، لكن الواقع أكثر تعقيداً.

إديث بريتي لم تختَر الحفر في بقعة عشوائية بعد حلم غامض ، كانت التلال الجنائزية مرئية فوق سطح الأرض وكانت تعلم أنها قديمة. كما امتلكت اهتماماً حقيقياً بعلم الآثار وكان من المنطقي أن تتساءل عما يوجد داخلها، لذلك يمكن تفسير قرارها بالتنقيب دون الحاجة إلى افتراض وجود قدرة خارقة.

مع ذلك، تبقى حقيقة مثيرة أن حياتها ومحيطها تضمنا اهتماماً بالروحانية وروايات عن رؤى وأشكال غريبة وأن بعض تلك الروايات سبقت بالفعل الكشف عن قبر محارب ملكي بالغ الأهمية.

فهل كانت مجرد أحلام تشكلت بسبب التلال الغامضة نفسها ؟

هل أدى الاعتقاد بوجود شيء خفي إلى زيادة الانتباه للتفاصيل وإلى الإصرار على التنقيب ؟

أم أننا أمام واحدة من تلك المصادفات النادرة التي تصبح أكثر غرابة كلما عرفنا نهايتها ؟

لا يملك علم الآثار إجابة عن الأشباح، لكنه يملك إجابة مؤكدة عن شيء واحد:

كان هناك بالفعل سر تحت تلك التلال، وبفضل إصرار إديث بريتي وخبرة باسيل براون خرج هذا السر من الأرض بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً ليصبح ساتون هو نافذة فريدة على عالم الملوك والمحاربين والمعتقدات في إنجلترا الأنجلوسكسونية.

أما المحاربون الذين قيل إنهم ساروا فوق التلال قبل بدء الحفر فلا يزالون في المنطقة الفاصلة بين الذاكرة والحكاية والظاهرة غير المفسرة.