يستيقظ الإنسان أحياناً ليكتشف أن جسده عاش تجربة جنسية كاملة بينما كان وعيه غائباً ، حلم، إثارة، قذف أو نشوة، ثم استيقاظ لا يحمل بالضرورة أي ذكرى واضحة عما حدث.

نسمي ذلك اليوم الاحتلام، وننظر إليه بوصفه ظاهرة جسدية مرتبطة بالنوم والنشاط الجنسي، لكن الإنسان القديم لم يكن يمتلك علم النوم ولا معرفة المراحل العصبية التي يمر بها الدماغ أثناء الليل،  وكان عليه أن يجد تفسيراً لسؤال محير: كيف يمكن للجسد أن يفعل شيئاً جنسياً من دون قرار صاحبه؟

بين الاستمناء الإرادي والاحتلام اللاإرادي نشأت عبر التاريخ منطقة شديدة الحساسية اجتمعت فيها الرغبة بالدين، والطهارة بالذنب، ثم تسللت إليها كائنات الليل: شياطين تغوي النائم، نساء غامضات يأتين في الأحلام، جن يعتدون على البشر، وأرواح تجثم على صدورهم.

فهل كانت هذه الكائنات تفسيراً قديماً لما يحدث لأجسادنا أثناء النوم ؟

عندما يبحث الجسد عن متنفس

الرغبة الجنسية ليست قراراً أخلاقياً يتخذه الإنسان وإنما جزء من منظومة بيولوجية ونفسية تتأثر بالهرمونات والعمر والتجربة والخيال والعلاقات.

والاستمناء إحدى الطرق التي يستطيع بها الإنسان الوصول إلى الإثارة والإشباع الجنسي من دون شريك، الطب الحديث لا يصنفه في ذاته مرضاً أو سبباً للجنون والضعف كما كان شائعاً في الماضي، وتصفه مؤسسات طبية معاصرة بأنه سلوك جنسي شائع وطبيعي في المعتاد، وقد يرتبط لدى بعض الأشخاص بالاسترخاء وتخفيف التوتر وتحسين النوم، وإن كان من المبالغة وصفه بأنه "علاج نفسي" أو ضرورة لإعادة التوازن؛ فالأمر يختلف من شخص إلى آخر.

والمشكلة الطبية لا تبدأ من الفعل نفسه وإنما عندما يصبح أي سلوك جنسي قهرياً أو يسبب ألماً أو إصابة أو يعطل حياة الإنسان وعلاقاته ومسؤولياته.

أما الاحتلام فأكثر غرابة، لأنه يلغي عنصر القرار كلياً، قد تحدث الإثارة والقذف خلال النوم وخصوصاً منذ البلوغ، من دون أن يتعمد النائم ذلك بل قد لا يتذكر حتى حلماً جنسياً عند استيقاظه وتتعامل المراجع الصحية الحديثة مع الأحلام الرطبة Wet Dreams بوصفها ظاهرة طبيعية.

وهنا يظهر التناقض القديم: إذا كان الإنسان مسؤولاً أخلاقياً عن أفعاله، فماذا نفعل بفعل قام به جسده وهو نائم ؟

الموقف الديني: بين الخطيئة والطهارة

الجواب الديني لم يكن واحداً بالبساطة التي قد نتصورها.

في سفر اللاويين من التوراة، يؤدي خروج المني إلى حالة من النجاسة الطقسية المؤقتة، ويُطلب من الرجل الاغتسال ويبقى في تلك الحالة حتى المساء، لكن من المهم التمييز بين النجاسة الطقسية والخطيئة الأخلاقية؛ فالنص يتعامل أيضاً مع إفرازات جسدية طبيعية أخرى ضمن منظومة أحكام الطهارة.

وفي المسيحية، وخصوصاً في التعليم الكاثوليكي، اتخذ الاستمناء موقعاً أخلاقياً أكثر صرامة، إذ يعتبره التعليم الرسمي فعلاً مخالفاً للعفة.

لكن الاحتلام وضع اللاهوتيين أمام معضلة مختلفة، فقد ناقش توما الأكويني المسألة في "الخلاصة اللاهوتية"، وانتهى إلى أن الانبعاث الليلي Nocturnal Emission ليس خطيئة في ذاته لأن النائم لا يمارس الاختيار الواعي، والمثير أنه نقل أيضاً اعتقاداً قديماً بإمكانية تدخل الشيطان في بعض هذه الحالات لإزعاج الإنسان أثناء نومه ، وهنا بدأ الجسد الطبيعي يقترب من العالم الماورائي.

أما في الإسلام فالفصل بين الإرادي واللاإرادي واضح في هذا الموضوع، فالاحتلام لا يُعامل بوصفه ذنباً، وإنما تترتب عليه أحكام الطهارة عند وجود الإنزال، وتشير الأحاديث كذلك إلى أن الاحتلام ليس خاصاً بالرجال؛ فقد سئل النبي محمد عن المرأة التي ترى ذلك في نومها وأوجب عليها الغسل إذا رأت الماء، أما الاستمناء فالمسألة فقهية مختلفة؛ فالجمهور على المنع، مع وجود تفصيلات واستثناءات عند بعض الفقهاء في حالات الضرورة أو خشية الوقوع في محظور أشد، ولذلك لا يصح اختزال الموقف الإسلامي كله بعبارة واحدة مطلقة.

إذن لم يكن الاحتلام في هذه التقاليد ببساطة "خطيئة حدثت أثناء النوم"، ومع ذلك ظل خروج المني محاطاً بثقل رمزي هائل، وخصوصاً عندما يحدث في غياب الإرادة ، وهنا وجدت الكائنات الليلية طريقها إلى الفراش.

عندما جاءت المرأة من الحلم

في الموروث الأوروبي ظهرت إحدى أشهر الشخصيات الجنسية الماورائية: السقوبة Succubus شيطانة تتخذ هيئة امرأة وتزور الرجال أثناء نومهم، تقيم معهم علاقة أو تستنزف قوتهم، ويقابلها الحضون Incubus الكيان الذكري الذي يأتي إلى النساء ليلاً.

لم تكن هذه القصص مجرد حكايات عن الإغواء؛ فقد ارتبطت في المخيلة القديمة بـ الأحلام الجنسية والانبعاثات الليلية والإحساس بوجود شخص في الفراش.

الأمر يصبح أكثر غرابة في بعض الموروثات اليهودية الباطنية ، إذ تحولت ليليث في أدبيات لاحقة إلى شيطانة ليلية تغوي الرجال، ووصل الاعتقاد في بعض النصوص القبالية إلى أن الانبعاثات الجنسية الليلية يمكن أن تنتج عنها ذرية شيطانية، وتصف المصادر الخاصة بتاريخ ليليث دورها باعتبارها مغوية للرجال تستفيد من انبعاثاتهم الليلية لإنجاب أبناء من الشياطين.

إنها فكرة تكشف مقدار القلق الذي أحاط بالجنس المنفصل عن الإنجاب والشريك: حتى ما يخرج من الجسد أثناء النوم لم يكن، في بعض المخيلات الدينية الباطنية، يذهب سدى؛ هناك كائن ما ينتظره.

من الشيطان إلى الجن

في المجتمعات الإسلامية ظهرت تفسيرات شعبية مختلفة للتجارب الليلية، أشهرها الاعتقاد بتدخل الجن ، ويجب هنا التمييز بوضوح بين الدين نفسه وبين الفولكلور والممارسات الشعبية التي تطورت داخله، فمفهوم "الجن العاشق" بصورته المتداولة اليوم ليس تفسيراً طبياً ولا قاعدة عقائدية تفسر الاحتلام، لكنه أصبح في الثقافة الشعبية تفسيراً جاهزاً لبعض الأحلام الجنسية، والإحساس باللمس أثناء النوم، والنفور أو الانجذاب الجنسي غير المفسر.

وتظهر الدراسات العابرة للثقافات أن بعض المسلمين الذين يختبرون شلل النوم يفسرونه بالفعل بوصفه هجوماً من الجن، وفي إحدى الدراسات المشار إليها في بحث عن المعتقدات المرتبطة بشلل النوم، تبنى نحو نصف مجموعة من المصابين تقريباً تفسير الجن لما تعرضوا له ، وليست هذه الفكرة عربية أو إسلامية حصراً.

في تركيا يوجد كاراباسان Karabasan الكائن أو القوة التي يقال إنها تضغط على النائم وتمنعه من الحركة، وفي البرازيل تظهر بيسادييرا Pisadeira المرأة المخيفة التي تجثم على صدر النائم،  وفي الفلكلور الجرماني والسلافي ظهرت ماريه Mare التي تركب صدر النائم وتسبب الكوابيس، ومنها ارتبطت كلمة Nightmare أي الكابوس تاريخياً بصورة الكائن الليلي الجاثم، وتبين الدراسات الحديثة أن الثقافات المختلفة أعطت وجوهاً وأسماء متعددة لتجربة جسدية متشابهة.

هذه الكائنات ليست جميعها جنسية، لكنها تلتقي في مكان واحد: غرفة النوم، وفي تلك اللحظة الغامضة بين الحلم واليقظة.

الشيطان الذي صنعه الدماغ

في شلل النوم يستعيد الإنسان وعيه بينما يبقى جسده مؤقتاً في حالة العجز الحركي المرتبطة بنوم حركة العين السريعة REM. وفي الوقت نفسه يمكن أن تستمر عناصر من الحلم داخل الإدراك الواعي.

النتيجة قد تكون مذهلة: يرى الإنسان هيئة في الغرفة، يسمع صوتاً، يشعر بأن شخصاً يقترب منه، يحس بضغط على صدره أو بلمسة على جسده، بينما يكون عاجزاً عن الحركة.

وفي الأدبيات العلمية الحديثة يوجد بالفعل مصطلح Incubus phenomenon لوصف نوع من التجارب المرتبطة بالنوم يشعر فيه الشخص بوجود كائن أو شخص يضغط عليه أو يقترب منه، وقد تتضمن التجربة أحاسيس بصرية ولمسية شديدة الواقعية.

وهنا يمكن تخيل الإنسان قبل قرون.

يستيقظ في الظلام ، لا يستطيع الحركة ، يشعر بأن شخصاً فوقه ، ربما يرى امرأة عند طرف الفراش، أو يسمع همساً، أو يشعر بلمسة ثم عندما يستعيد حركته يكتشف أنه احتلم ، لم يكن يعرف شيئاً عن REM، ولا شلل النوم، ولا الهلوسات التنويمية.

فأي تفسير كان أكثر منطقية بالنسبة إليه ؟

لقد كان هناك أحد معي.

عندما ساهم الطب نفسه في صناعة الخوف

من الخطأ أن نقسم التاريخ ببساطة إلى"دين خائف من الجنس" مقابل "علم عقلاني حرره" فالعلم نفسه مر بمرحلة أكثر تطرفاً.

ابتداءً من القرن الثامن عشر، بدأت الكتابات الطبية الأوروبية تنقل الاستمناء من مجال الخطيئة إلى مجال المرض، وفي القرن التاسع عشر شاع بين بعض الأطباء الاعتقاد بأنه يمكن أن يسبب الهزال والعجز والصرع وحتى الجنون، وظهر بالفعل مصطلح قريب من "جنون الاستمناء" ، وتبين الدراسات التاريخية للطب النفسي أن هذه النظرية كانت مقبولة لدى عدد من أطباء ذلك العصر قبل أن تتراجع ويتم هجرها لاحقاً.

وهكذا حدث تحول غريب:

كان الواعظ يقول للشاب إن الاستمناء يفسد روحه، ثم جاء الطبيب ليقول له إنه قد يفسد عقله وجسده أيضاً.

والنتيجة في الحالتين واحدة تقريباً: الخوف من الجسد.

هل نحتاج إلى شيطان لتفسير الرغبة ؟

ربما تكشف قصة الاستمناء والاحتلام شيئاً أعمق من تاريخ الجنس نفسه ، فالإنسان لا يعيش جسده بوصفه آلة بيولوجية فقط، عندما يصدر الجسد رغبة لا نريدها، أو ينتصب أثناء نومنا، أو يصل إلى النشوة من حلم لا نختاره، يبدو للحظة كأنه شيء مستقل عنا.

ومن هنا يصبح من السهل أن نسأل:

من أين جاءت هذه الرغبة ؟ هل صدرت مني حقاً ؟ أم أن شيئاً آخر وضعها داخلي ؟

ولقرون طويلة قدمت الكائنات الماورائية جواباً مثالياً، السقوبة Succubus لم تكن مجرد شيطانة جميلة، وليليث لم تكن مجرد شخصية أسطورية، والجن العاشق ليس مجرد قصة رعب؛ جميعها تمنح وجهاً خارجياً لـ رغبة تنبع في الحقيقة من داخل الجسد.

لكن هذا لا يعني أن العلم استطاع إثبات أن كل رواية عن زائر ليلي ليست سوى حلم أو شلل نوم، ما يستطيع قوله هو أنه بات قادراً على إنتاج تفسير طبيعي لجزء كبير من العناصر التي صنعت تلك الروايات: الشلل، والحضور المحسوس، واللمس، والضغط، والأحلام الجنسية، والانبعاث الليلي، كما تبين الأبحاث أن الثقافة تؤثر بقوة في الصورة التي تتخذها التجربة وتفسير الشخص لها.

ويبقى في قلب الموضوع سؤال أكثر إثارة من سؤال وجود الشياطين نفسها:

هل اخترع الإنسان كائنات الليل لأنه كان يخشى شهوته ؟

ربما كانت لحظة الاحتلام واحدة من أغرب اللحظات التي واجه فيها الإنسان حقيقة بسيطة ومقلقة في آن واحد:

نحن نعتقد أننا نسيطر على أجسادنا، لكننا عندما ننام يواصل الجسد حياته في غيابنا.

يحلم، ويرغب، ويستجيب، ويبلغ النشوة...

ثم يعيد إلينا الوعي في الصباح، تاركاً لنا مهمة تفسير ما حدث في الظلام.