أن يصرخ الإنسان ولا يخرج من فمه صوت ، فكرة مرعبة بحد ذاتها ، لكن في إنجلترا أواخر القرن السادس عشر لم يكن فقدان الكلام يتم تفسيره دائماً بوصفه عارضاً جسدياً أو نفسياً؛ ففي أجواء مشبعة بالخوف الديني وقصص المس كان للصمت نفسه شيطان يحمل اسماً.

اسمه هوبيديدانس Hobbididance، أو هوبرديدانس Hoberdidance وفق بعض التهجئات القديمة وقد خلدته الذاكرة الإنجليزية بوصفه «أمير الخرس» Prince of Dumbness؛ روحاً خبيثة قادرة على سلب الإنسان صوته ، لكن البحث في أصوله يكشف قصة أغرب: ربما لم يبدأ هوبيديدانس كشيطان على الإطلاق.

جلسات دنهام وطرد الأرواح

تعود القصة إلى أواخر ثمانينيات القرن السادس عشر، عندما شهد منزل في منطقة دنهام Denham بإنجلترا سلسلة من جلسات طرد الأرواح أجراها رجال دين كاثوليك يعملون في الخفاء، في زمن كانت فيه الكاثوليكية تتعرض لضغوط سياسية ودينية شديدة ، شارك في هذه الجلسات عدد من الأشخاص الذين قيل إنهم يعانون من المسّ، بينهم الشقيقتان سارة وفرايدسوايد وليامز، إلى جانب آن سميث وريتشارد مايني ونيكولاس ماروود وويليام ترايفورد ، وخلال الطقوس ظهرت أسماء كثيرة لشياطين قيل إنها تسكن أجسادهم.

أحد تلك الأسماء كان هوبرديدانس  ، لم يكن الاسم وحيداً؛ فقد ورد إلى جانب أسماء غريبة أخرى مثل فليبرتيغيبت Flibbertigibbet وفراتيريتو Frateretto و توكوباتو Tocobatto، حتى إن القائمة تبدو اليوم أقرب إلى قاموس من العفاريت المسرحية منها إلى سجل شيطاني تقليدي.

الشيطان الذي تذكرته سارة

المفاجأة الحقيقية ظهرت بعد سنوات ، عندما خضعت سارة وليامز للتحقيق سنة 1602، حينذاك سُئلت عن الاسم الغريب الذي كانت قد أطلقته على أحد الشياطين أثناء جلسات طرد الأرواح فقالت - بحسب شهادتها -  إنها كانت تعرف اسم هوبرديدانس من قبل ، لم يظهر لها كيان يعرّف نفسه بذلك الاسم وإنما كانت قد سمعت في طفولتها أو خلال عملها حكاية مسلية عن شخصية تدعى هوبرديدانس استخدمت حيلها لجعل سيدة تضحك ، وعندما ضغط عليها الكهنة أثناء جلسة طرد الأرواح وسألوها عن اسم الروح التي بداخلها استعادت الاسم من ذاكرتها.

إن صحت هذه الشهادة، فنحن أمام حالة نادرة يمكن فيها تتبع الطريقة التي قد يتحول بها اسم من حكاية شعبية إلى اسم شيطان ، لم يولد هوبيديدانس بالضرورة في كتاب سحر بل ربما في قصة ريفية ساخرة.

هل كان حقاً "أمير الخرس" ؟

هنا تظهر واحدة من أهم المفارقات ، اللقب الأشهر اليوم هو أمير الخرس  Prince of Dumbness ، لا يبدو أنه كان الصفة الأصلية المعروفة له في جلسات دنهام ، لكن الذي منحه هذا اللقب فعلياً هو ويليام شكسبير ، القضية نفسها تضمنت روايات عن سارة وليامز وهي تفقد قدرتها على الكلام حتى قيل إن الكهنة اضطروا إلى وضع إشارات الصليب والذخائر الدينية قرب حلقها كي تستعيد صوتها وقد نفت سارة لاحقاً بعض هذه الروايات أو قالت إنها لا تتذكر وقوعها.

ومع ذلك، فمن المغري تصور أن شكسبير قرأ الاسم في القضية وقرأ أيضاً قصص فقدان النطق ثم جمع العنصرين في شخصية واحدة ، وهكذا أصبح هوبيديدانس شيطاناً له وظيفة واضحة:

إغلاق الحلق وسلب الإنسان القدرة على الكلام ، وهنا يمكن طرح السؤال : هل كان هناك شيطان يسبب الصمت ؟ أم أن الصمت هو الذي احتاج إلى شيطان يحمل اسمه ؟

رجل الدين الذي حفظ اسم الشيطان

وصلت إلينا تفاصيل هذه الحكاية أساساً عبر رجل لم يكن يريد إثبات وجود هوبيديدانس بل القضاء على الاعتقاد به ، ففي سنة 1603 نشر رجل الدين البروتستانتي صامويل هارسنت Samuel Harsnett كتاباً مطولاً بعنوان "كشف الخدع البابوية الفاضحة"  A Declaration of Egregious Popish Impostures وكان هدفه مهاجمة جلسات طرد الأرواح الكاثوليكية وإظهارها باعتبارها خدعة وتمثيلاً دينياً منظماً ، في هذا الكتاب سخر هارسنت من الكهنة ومن حالات المس ومن أسماء الشياطين التي خرجت من أفواه «الممسوسين».

لكنه، من دون قصد، قدم خدمة هائلة للفولكلور الإنجليزي فحين سجل أسماء تلك الشياطين بالتفصيل، حفظها من النسيان وكان شكسبير أحد الذين قرؤوا الكتاب.

هوبيديدانس يدخل "الملك لير"

بعد سنوات قليلة ظهرت الأسماء ذاتها في مسرحية الملك لير King Lear ، إذ يتنكر إدغار في شخصية المتسول المجنون Poor Tom ويتحدث بطريقة مشوشة عن الأرواح والشياطين التي تسكنه ، ثم يعدد خمسة منها ولكل واحد اختصاصه ، هناك شيطان للشهوة، وآخر للسرقة، وآخر للقتل، وبينهم هوبيديدانس الملقب بـ أمير الخرس ، ومن تلك اللحظة لم يعد الاسم مجرد أثر في ملف قضية طرد أرواح ، فهو دخل الأدب ودخل معه في الذاكرة الثقافية الإنجليزية ،  واللافت أن كلمة dumbness في الإنجليزية القديمة المستخدمة هنا تعني الخرس أو العجز عن الكلام، لا «الغباء» بمعناه الحديث.

هوب الراقص

حتى الاسم نفسه ربما يحمل أثراً من حياة أقدم ، هناك تفسير لغوي يقترح أن هوبرديدانس Hoberdidance قد يكون تحريفاً لعبارة: Hob o’ the Dance أي"هوب الراقص" أو "هوب صاحب الرقصة"، وكلمة Hob ارتبطت في الفولكلور الإنجليزي بأرواح وعفاريت منزلية صغيرة ومنها جاءت لاحقاً كلمات مثل hobgoblin.

أما «الرقص» فليس عنصراً عشوائياً تماماً ، إذ أن هارسنت نفسه وضع هوبيديدانس بين مجموعة سماها شياطين الدورة Round أو Morris في إشارة إلى الرقصات الشعبية الإنجليزية التي تضمنت حركات دائرية وشخصيات مقنعة وأجراساً وأزياء لافتة ، لذلك ربما كان هوبيديدانس قبل تحوله إلى «شيطان الخرس» شخصية مرتبطة بالرقص الشعبي أو بالمزاح الريفي ثم عبر بوابة طرد الأرواح إلى عالم الشياطين.

شيطان بلا وجه

على الرغم من شهرة الاسم، لا تقدم المصادر القديمة وصفاً واضحاً لشكل هوبيديدانس ، لا نعرف إن كان بشري الهيئة، أو قزماً، أو مخلوقاً ذا قرون أو روحاً غير مرئية ، لا عيون مشتعلة ولا أجنحة ولا مخالب ، ليس لدينا سوى اسمه وتأثيره وهذا ربما أكثر ما يجعله مثيراً ، فبعض الكائنات الأسطورية تعيش لأن صورتها قوية أما هوبيديدانس فعاش لأنه لم تكن له صورة أصلاً ، كان فراغاً يمكن لكل جيل أن يملأه بما يشاء.

لماذا كان الخرس مخيفاً ؟

في إنجلترا الدينية في ذلك العصر لم يكن الكلام مجرد وسيلة للتواصل بالصوت، كان الإنسان يصلي ويعترف ويقسم ويقرأ النصوص المقدسة ويدلي بشهادته أمام الآخرين ، لذلك كان فقدان الصوت يحمل معنى يتجاوز المرض الجسدي ، أن يتحرك اللسان من دون أن يصدر صوتاً يمكن أن يبدو وكأن قوة أخرى أمسكت بالحلق من الداخل ، ووسط ثقافة ترى الشيطان حاضراً في المرض والهذيان والنوبات لم يكن من الصعب تصور كائن متخصص في الصمت نفسه.

لكن النظرة الحديثة تقدم احتمالات أخرى كثيرة: اضطرابات عصبية، حالات نفسية، نوبات تفارقية، تأثير الإيحاء، أو حتى التمثيل المتعمد وهنا تكمن قيمة قصة هوبيديدانس؛ فهي لا تخبرنا فقط كيف تخيل الناس شيطاناً، بل كيف كان المجتمع يفسر السلوك الغريب قبل ظهور الطب النفسي والعصبي الحديث.

وهكذا تحولت شخصية بلا وجه ولا أسطورة مكتملة إلى كائن يعيش منذ أكثر من أربعة قرون وربما كان هذا هو انتصاره الحقيقي:

كان شيطاناً للصمت، لكن اسمه رفض أن يصمت.