قبل أن يسطع فجر التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2005، كانت قرية شمس الدين التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا تعيش هدوءها المعتاد ، لكن ذلك الصباح تحول إلى كابوس عندما عُثر داخل ثلاثة منازل متجاورة على عشرة أشخاص من رجال ونساء وأطفال وقد قُتلوا بطريقة وحشية، كانت الأرضيات غارقة بالدماء والجثث موزعة داخل الغرف فيما بدت آثار اعتداء عنيف جعلت رجال المباحث يدركون منذ اللحظة الأولى أنهم أمام واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ مصر الحديث.

لم يكن الغموض في عدد الضحايا وحده، بل في الطريقة التي نُفذت بها الجريمة، كيف استطاع القاتل – أو القتلة – الانتقال بين ثلاثة منازل في ليلة واحدة دون أن ينجو أحد أو يطلق استغاثة تنقذ الآخرين ؟ كان هذا السؤال بداية لغز لم يُحسم حتى اليوم.

بعد أيام من التحقيقات أعلنت أجهزة الأمن القبض على محمد علي عبد اللطيف، أحد أبناء المنطقة، مؤكدة أنه اعترف بارتكاب المجزرة، وأنه مثّل كيفية تنفيذها، وفي روايات أمنية لاحقة، بينها ما عرضه اللواء المتقاعد أمجد الشافعي، قيل إن الجاني باغت ضحاياه وهم نيام بضربات قوية سريعة على كل رأس من روؤس الضحايا قد تكون منفذة بفأس مما أفقدهم القدرة على المقاومة وهو ما قد يفسر غياب الصرخات أو الاستغاثات،  ثم جرى ذبحهم طولياً من العنق إلى البطن ومن ثم جرى استئصال الأعضاء الذكرية.

لكن الملف لم يكن بهذه البساطة، فمع انتقال القضية إلى المحكمة بدأ فريق الدفاع بقيادة المحامي والنائب البرلماني الراحل طلعت السادات في الطعن في الاعترافات وإجراءات القبض وجمع الأدلة ، ورأت المحكمة أن الأدلة المقدمة لا ترقى إلى درجة اليقين المطلوبة في القضايا الجنائية وأن الاعتراف الحاصل كان تحت الإكراه فقضت ببراءة محمد علي عبد اللطيف ثم أيدت محكمة النقض هذا الحكم ليصبح نهائياً وهكذا انتهت القضية قانونياً، لكنها لم تنتهِ في نظر الرأي العام.

بين التحقيق والأسطورة

هنا بدأت القضية تكتسب بعداً آخر ، ففي صعيد مصر تنتشر منذ زمن بعيد معتقدات شعبية تقول إن الكنوز القديمة، ولا سيما الفرعونية، تخضع لما يسمى «الرصد»، وهو كيان خفي يُنسب في الفولكلور إلى الجن، يمنع الوصول إلى الكنز إلا بعد أداء طقوس معينة أو تقديم قرابين، وهي أفكار يروج لها بعض الدجالين والمشعوذين رغم عدم وجود أي أساس علمي أو ديني يثبتها ، إقرأ المزيد عن معتقدات الكنز المرصود.

ولأن دافع الجريمة ظل غامضاً بدأ كثيرون يربطون بين المجزرة وهذه المعتقدات، وساهم في ذلك تداول روايات إعلامية وشعبية تحدثت عن تفاصيل غير مألوفة في مسرح الجريمة، منها العثور – بحسب بعض الروايات – على طيور حمام مذبوحةواستئصال أعضاء تناسلية من بعض الضحايا الذكور وسرعان ما ظهرت فرضية تقول إن القتل كان جزءاً من طقوس لفك «رصد» كنز أثري وإن الحمام والبشر قُدموا كقرابين لاسترضاء الجن الحارس للمقبرة ، غير أن هذه الفرضية بقيت مجرد فرضية.

فلم تعلن النيابة العامة أن الدافع وراء الجريمة كان البحث عن كنز ولم يثبت حكم قضائي أو تقرير طب شرعي منشور أن المجزرة ارتبطت بطقوس سحرية أو بالجن، كما أن كثيراً من التفاصيل المتداولة في وسائل الإعلام لم تظهر في حيثيات الأحكام المنشورة، مما يجعل من الصعب التعامل معها بوصفها حقائق ثابتة.

ومع ذلك، فإن هذه الرواية لم تولد من فراغ، فالباحثون في الفولكلور المصري يؤكدون أن بعض منقبي الآثار غير الشرعيين يؤمنون بالفعل بوجود «رصد» يحرس الكنوز وأن بعض الدجالين يوهمون ضحاياهم بضرورة تقديم قرابين حيوانية أو أداء طقوس غامضة لفك الطلاسم، لكن وجود هذه المعتقدات في المجتمع لا يعني أنها كانت الدافع الحقيقي وراء مجزرة بني مزار.

هناك أيضاً من نظر إلى القضية من زاوية مختلفة تماماً، فقد رأى بعض المتخصصين في علم النفس الجنائي أن أي تصرف غير مألوف في مسرح الجريمة – إن ثبت وقوعه – قد يكون «توقيعاً» Signature يتركه القاتل لإشباع دافع نفسي وليس جزءاً من طقس سحري، بينما استبعد آخرون فرضية تجارة الأعضاء البشرية لأن الأعضاء التي قيل إنها استؤصلت لا تتوافق مع أنماط الاتجار بالأعضاء المعروفة ولأن طريقة الاستئصال – بحسب ما نُشر – كانت عنيفة وعشوائية وليست جراحية.

بصمة الحمض النووي (DNA)

من أكثر النقاط إثارة للجدل في مجزرة بني مزار ما يتعلق بالأدلة الجنائية، وعلى رأسها تحليل الحمض النووي (DNA). فبعد سنوات من القضية، أكد اللواء المتقاعد أمجد الشافعي في لقاءات إعلامية أن التحقيقات لم تعتمد على الاعتراف وحده، بل استندت أيضاً إلى أدلة فنية، من بينها نتائج فحوص الحمض النووي، وآثار حذاء قال إنها طابقت المتهم، معتبراً أن هذه القرائن كانت كافية لإثبات مسؤوليته عن الجريمة.

لكن هذه الرواية تصطدم بما انتهت إليه المحكمة. فلو كانت نتائج الـDNA قاطعة بالمعنى الجنائي، فمن الصعب تصور أن تصدر المحكمة حكماً بالبراءة ثم تؤيده محكمة النقض لاحقاً. ولهذا يرجح بعض القانونيين أن نتائج الفحوص لم تكن بالدقة أو القوة التي صُورت بها لاحقاً، أو أنها لم تكن كافية وحدها لربط المتهم بمسرح الجريمة بصورة لا تحتمل الشك.

ولا يمكن استبعاد احتمال آخر، وهو أن تقنيات تحليل الـDNA في مصر عام 2005 لم تكن قد بلغت المستوى الذي وصلت إليه اليوم، سواء من حيث عدد البصمات الوراثية التي يمكن مقارنتها، أو معايير حفظ العينات ومنع تلوثها، وهو ما قد يؤثر في القيمة الإثباتية لأي نتيجة أمام المحكمة.

ولهذا بقيت تفاصيل تقرير البصمة الوراثية من أكثر جوانب القضية غموضاً، إذ لم يُنشر التقرير الفني الكامل للرأي العام، ولم تُعرف بدقة طبيعة العينات التي خضعت للفحص أو مدى تطابقها مع المتهم، الأمر الذي فتح الباب أمام تفسيرات متناقضة بين رجال التحقيق وفريق الدفاع.

تضارب تقارير الطب الشرعي

لم يقتصر الجدل على أدلة الـDNA، بل امتد أيضاً إلى تقارير الطب الشرعي، التي لعبت دوراً محورياً في القضية.

ففي بداية التحقيق، تداولت وسائل إعلام محلية روايات متباينة حول طبيعة الإصابات، وطريقة تنفيذ الجريمة، وحتى الحالة النفسية للمتهم. وأثار ذلك انطباعاً لدى الرأي العام بأن الملف يحوي تناقضات عديدة.

ومن أبرز هذه النقاط، ما تعلق بالحالة العقلية لمحمد علي عبد اللطيف،  فبينما رددت بعض التقارير الإعلامية أنه يعاني اضطرابات نفسية أو انفصاماً في الشخصية، انتهت اللجنة الطبية النفسية الرسمية التي فحصته في مستشفى العباسية إلى أنه لا يعاني مرضاً عقلياً يفقده الإدراك أو المسؤولية الجنائية وهو ما نسف كثيراً من الروايات التي حاولت تفسير الجريمة باعتبارها صادرة عن شخص فاقد للتمييز.

كما ظل هناك جدل حول التسلسل الزمني للإصابات وما إذا كانت بعض الإصابات وقعت قبل الوفاة أو بعدها وهي تفاصيل فنية لم تُنشر كاملة، لكنها كانت من النقاط التي استند إليها الدفاع في التشكيك في الرواية التي قدمتها النيابة العامة.

وبسبب عدم نشر تقارير الطب الشرعي كاملة بقي كثير من هذه التفاصيل محل نقاش بين الباحثين والمهتمين بالقضية وأصبحت مثالاً على الفجوة التي قد تنشأ أحياناً بين ما يتداول في الإعلام وما تستند إليه المحكمة عند إصدار حكمها.

لغز لم يُحل

اليوم، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً، ما زالت مجزرة بني مزار تعيش بين روايتين متوازيتين.

الرواية الأمنية تؤكد أن التحقيقات توصلت إلى الجاني، وأن الاعترافات والقرائن كانت كافية لإدانته، وأن البراءة جاءت نتيجة عدم اقتناع المحكمة بكفاية الأدلة.

أما الرواية القضائية فتقول إن الأدلة لم تحقق درجة اليقين اللازمة لإصدار حكم بالإدانة ولذلك حصل المتهم على البراءة التي أيدتها محكمة النقض.

وبين هاتين الروايتين ولدت رواية ثالثة كتبها الخيال الشعبي ، ربطت المجزرة بالجن وحراس الكنوز والقرابين، حتى أصبحت هذه الفرضية جزءاً من الذاكرة الجماعية للقضية، رغم أنها لم تثبت أمام القضاء.

أما محمد علي عبد اللطيف، فقد خرج من السجن بريئاً في نظر القانون لكنه لم يخرج من ظل القضية، ففي مقابلات صحفية لاحقة تحدث عن اضطراره إلى مغادرة قريته وعن حياة تغيرت إلى الأبد بسبب اتهام لم يثبت قضائياً.

 بينما بقيت عائلات الضحايا وكثير من المصريين يتساءلون: إذا لم يكن هو القاتل... فمن الذي ارتكب واحدة من أبشع المجازر في تاريخ مصر؟

ربما لن يُعرف الجواب أبداً،  لكن المؤكد أن مجزرة بني مزار أصبحت مثالاً نادراً على الكيفية التي تختلط بها الجريمة بالفولكلور والوقائع بالأساطير حتى يصعب أحياناً الفصل بين ما أثبته التحقيق وما صنعه الخوف من المجهول.