ماذا لو لم يكن الوعي محصوراً داخل الدماغ ؟ ماذا لو أمكن إدخاله في حالة يصبح فيها الجسد نائماً بينما يبقى العقل يقظاً ثم دفعه تدريجياً نحو إحساس بانعدام الزمن وربما تجربة يبدو فيها الإنسان وكأنه خرج من جسده ؟

قد تبدو هذه أسئلة مقتبسة من كتاب في التصوف أو الإسقاط النجمي لكن وثيقة عسكرية أمريكية مؤرخة في 9 يونيو 1983 تناولتها بجدية لافتة،  تحمل الوثيقة عنوان "تحليل وتقييم عملية البوابة" Analysis and Assessment of Gateway Process وأصبحت لاحقاً جزءاً من مشروع البوابة النجمية STARGATE المنشور في غرفة القراءة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA.

غير أن أول ما ينبغي توضيحه هو أن وصفها الشائع على الإنترنت بأنها «دراسة سرية أجرتها CIA» ليس دقيقاً تماماً، التقرير أعده واين م. مكدونيل Wayne M. McDonnell لصالح مجموعة عمليات في الجيش الأمريكي في فورت ميد Fort Meade ثم انتهت نسخة منه إلى أرشيف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA ، ومع ذلك فإن اهتمام أجهزة الاستخبارات الأمريكية بالظواهر النفسية الخارقة كان حقيقياً؛ إذ تقول إنها أجرت منذ عام 1972 أبحاثاً حول ما أصبح يعرف لاحقاً بـ الرؤية عن بعد Remote Viewing، قبل انتقال البرنامج إلى جهات عسكرية واستخباراتية أخرى.

بوابة إلى حالات أخرى من الوعي

لم يكن عقاراً سرياً ولا جهازاً عسكرياً غريباً، وإنما برنامجاً وضعه معهد مونرو Monroe Institute يعرف باسم "عملية البوابة "Gateway Experience.

أسس روبرت مونرو اهتمامه بهذا المجال على تجارب شخصية وصفها بأنها حالات خروج من الجسد، ثم طور معهده تدريبات صوتية وتأملية تهدف إلى إحداث حالات غير اعتيادية من الوعي.

كان العنصر الأشهر في البرنامج تقنية التزامن النصفي Hemi-Sync، وهي استخدام أنماط صوتية مختلفة للمساعدة في إدخال المستمع في حالات معينة من الاسترخاء والانتباه. ويصف تقرير Gateway البرنامج بأنه نظام تدريبي يهدف إلى زيادة «تماسك» النشاط الذهني وإحداث تغير في حالة الوعي.

لكن ما أثار اهتمام العسكريين لم يكن الاسترخاء بحد ذاته، بل السؤال الذي يأتي بعده:

إلى أي مدى يمكن تغيير حالة الوعي ؟

العقل مستيقظ والجسد نائم ، لم تكن التجارب تقفز مباشرة إلى فكرة «الخروج من الجسد» وإنما تنقسم إلى مستويات يطلق عليها "مستويات التركيز"  Focus Levels  ومن أهمها : 

Focus 10 – العقل مستيقظ والجسد نائم

يدخل الجسم في استرخاء عميق بينما يحاول المتدرب الاحتفاظ بوعي واضح.

Focus 12 – الوعي الموسع

يصفه نظام مونرو بأنه توسع للإدراك يتجاوز الإحساس الجسدي المعتاد.

Focus 15 – اللازمن No Time

مرحلة يفترض فيها أن يتراجع الإحساس الخطي بالزمن.

Focus 21 – أنظمة طاقة أخرى

وهو الحد الذي يبدأ عنده النموذج في الحديث عن حالات إدراك تتجاوز الواقع الفيزيائي المعتاد وتظهر هذه التسميات نفسها في وثائق معهد مونرو المحفوظة ضمن أرشيف CIA وهنا يتحول الأمر من تدريب على الاسترخاء إلى شيء أكثر غرابة بكثير.

كيف تبدأ «عملية البوابة» ؟

بحسب المواد التدريبي يبدأ الشخص أولاً بفصل نفسه ذهنياً عن القلق والمشاغل اليومية ، إحدى التقنيات تسمى «صندوق تحويل الطاقة» Energy Conversion Box حيث يتخيل المتدرب أنه يضع مخاوفه ومشكلاته وكل ما قد يشتت انتباهه داخل صندوق وهمي ويغلقه.

بعدها يأتي "ضبط الرنين" Resonant Tuning حيث يستخدم التنفس وإصدار صوت ممتد بالتزامن مع التسجيلات بهدف الوصول إلى حالة من الاسترخاء والتركيز، ثم يكرر المتدرب ما يعرف بـ Gateway Affirmation، وهي صيغة ذهنية يؤكد فيها أنه أكثر من مجرد جسد مادي وأنه يسعى إلى توسيع إدراكه.

ثم تدخل أصوات التزامن النصفي Hemi-Sync في العملية لتبدأ الرحلة عبر مستويات التركيز المتتابعة.

بعبارة أخرى، لا توجد «بوابة» مادية، البوابة المقصودة هي حالة الوعي نفسها.

من الدماغ إلى الكون

لم يكتف مكدونيل  McDonnell بوصف التدريب، بل حاول بناء تفسير نظري لكيفية إمكان حدوث تجارب مثل الخروج من الجسد والإدراك عن بعد.

استعان التقرير بأفكار عن الترددات والرنين والطاقة، وانتقل منها إلى نماذج أكثر جرأة تتعلق بطبيعة الوعي والكون، مستخدماً مفاهيم من الفيزياء ونموذجاً قريباً من فكرة الكون الهولوغرافي.

وفق هذا التصور، لا يكون الوعي مجرد نتيجة محلية لما يحدث داخل الجمجمة، وإنما يمكن النظر إليه بوصفه جزءاً من نظام أوسع للمعلومات والطاقة.

ومن هنا وصل التقرير إلى فرضية مثيرة: إذا استطاع الإنسان تغيير حالة وعيه بصورة كافية، فقد يصبح من الممكن – وفق النموذج المقترح – الحصول على معلومات لا تخضع بالطريقة المعتادة لحدود المسافة والزمن.

هذه هي النقطة التي جعلت الوثيقة لاحقاً مادة خصبة لعناوين من قبيل:

«كيف علّمت CIA الناس الهروب من الزمان والمكان؟»

لكن التقرير لا يقدم برهاناً تجريبياً على أن الإنسان يستطيع فعلياً مغادرة الزمكان؛ بل يحاول بناء إطار نظري يجعل ادعاءات Gateway قابلة للتصور ضمن النموذج الذي تبناه مؤلفه.

الخروج من الجسد

يتناول التقرير أيضاً ، حالة الخروج من الجسد Out-of-Body Experience – OBE أي تجربة يشعر خلالها الإنسان بأن مركز إدراكه أصبح خارج جسده المادي.

هذه الظاهرة ليست اختراعاً لمعهد مونرو، فقد وردت أوصاف مشابهة عبر التاريخ في تجارب التصوف والأحلام وحالات الاقتراب من الموت أو ظاهرة الموت الوشيك، لكن مونرو حاول الوصول إليها بطريقة منظمة من خلال التدريب.

ضمن عملية البوابة يفترض أن الاسترخاء الشديد مع بقاء الوعي يقظاً وتراجع الإحساس بالمؤثرات الجسدية، قد يمهد لظهور إحساس بالانفصال عن الجسد.

وهنا تحديداً كان الجانب الاستخباراتي مغرياً: ماذا لو أمكن للشخص في مثل هذه الحالة إدراك مكان بعيد ؟

فالخروج من الجسد، إن كان أكثر من تجربة ذاتية داخل الدماغ، قد يتقاطع عندئذ مع مفهوم الرؤية عن بعد.

لماذا اهتمت الاستخبارات بذلك ؟

يجب وضع هذه الأبحاث في أجواء الحرب الباردة ، فالـCIA تؤكد أن اهتمامها بالظواهر النفسية الخارقة لم يكن أسطورة، فقد بدأت عام 1972 بالعمل مع باحثين لدراسة ما إذا كان بعض الأشخاص يستطيعون وصف أهداف وأماكن لا يشاهدونها بالحواس العادية، واستمر بحث الوكالة المباشر حتى 1977 قبل انتقال العمل إلى جهات أخرى وتطور البرنامج لاحقاً تحت أسماء عدة ارتبط أشهرها بـ "مشروع البوابة" STARGATE.

ولذلك لم يكن السؤال بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية: «هل الإسقاط النجمي حقيقة روحانية ؟»

بل كان السؤال الأكثر براغماتية:

إذا كان هناك أي أثر حقيقي لهذه الظواهر، فهل يمكن استخدامه للحصول على معلومات استخباراتية ؟

وهذا فرق جوهري ، فدراسة مؤسسة ما لظاهرة غريبة لا تعني أنها أثبتت وجودها؛ المؤسسات العسكرية تدرس أحياناً احتمالات شديدة الغرابة لأن تجاهل ظاهرة يملك الخصم وسيلة لاستغلالها قد يكون أكثر خطورة من اختبارها.

الصفحة 25 المفقودة

ساعد تفصيل غريب على تحويل الوثيقة إلى أسطورة على الإنترنت ، لسنوات كانت النسخة المتداولة من التقرير تقفز من الصفحة 24 إلى الصفحة 26 ، أين الصفحة 25 ؟

وصل الأمر إلى تقديم طلبات بموجب قانون حرية المعلومات FOIA وفي رد رسمي عام 2019 قالت CIA إن النسخة الموجودة لديها لم تكن تحتوي على الصفحة المطلوبة أصلاً واقترحت البحث عن نسخة أخرى لدى الجيش الأمريكي.

وسرعان ما ولدت نظريات تقول إن الصفحة حجبت لأنها تحتوي على «السر الحقيقي» لتجاوز الزمكان.

بل ظهرت نكتة أكثر طرافة: ربما حذفها مكدونيل McDonnell عمداً ومن ينجح فعلاً في تجاوز المكان والزمان سيتمكن ببساطة من العثور عليها !

لكن الغموض لم يبق على حاله، فالمادة المعروفة بعنوان "مكاننا في الزمن" Our Place in Time  أصبحت متاحة وهي تستكمل تصور موقع الإنسان والوعي داخل النموذج الكوني الذي يناقشه، النسخة المتاحة حالياً في أرشيف CIA تتضمن القسم رقم 25 بهذا العنوان ، وهكذا اتضح أن الصفحة المفقودة لم تكن وصفة سرية للخروج من الواقع.

فهل نجحت التجربة ؟

وجود هذه الأوراق في أرشيف CIA لا يعني أن الوكالة أثبتت أن الوعي يستطيع مغادرة الجسد أو تجاوز الزمن والمكان، حتى برنامج الرؤية عن بعد، الذي استمر بأشكال مختلفة سنوات طويلة، لم يتحول في النهاية إلى أداة استخباراتية موثوقة.

وعندما أعيد تقييم البرنامج في التسعينيات، خلصت المراجعة التي استندت إليها CIA إلى وجود نتائج رأى بعض الباحثين أنها تتجاوز ما يمكن توقعه من المصادفة إلا أن الأداء كان غير ثابت وغير موثوق وغير قابل للاستخدام بصورة عملية في العمل الاستخباراتي. وقررت الوكالة عدم إعادة إحياء البرنامج ، هذه الخاتمة لا تجعل قصة عملية البوابة أقل إثارة، بل ربما تجعلها أكثر أهمية.

ماذا كان يحدث فعلاً ؟

يمكن النظر إلى عملية البوابة من مستويين مختلفين:

على المستوى العصبي والنفسي، من المعروف أن العزلة الحسية النسبية والاسترخاء العميق والتكرار الصوتي والتخيل الموجه يمكنها تغيير الإحساس بالجسد والزمن والانتباه، وفي المنطقة الانتقالية بين اليقظة والنوم قد تظهر أيضاً أحاسيس بالطيران أو الاهتزاز أو الانفصال عن الجسد ، وهذا يوفر تفسيراً محتملاً على الأقل لجزء من تجارب المشاركين من دون الحاجة إلى افتراض أن الوعي غادر الدماغ فعلياً.

لكن يبقى المستوى الثاني الذي كان يهم مونرو ومؤلف تقرير عملية البوابة  أكثر: هل هذه الأحاسيس مجرد محاكاة عصبية مقنعة، أم أن حالة الوعي المتغيرة تكشف شيئاً لا تستطيع الحواس العادية الوصول إليه ؟

لم يقدم التقرير جواباً حاسماً.

الوثيقة أصبحت أكبر من حقيقتها

ربما تكمن جاذبية عملية البوابة اليوم في المنطقة الرمادية التي يقف فيها ، لدينا وثيقة عسكرية حقيقية ولدينا اهتمام استخباراتي حقيقي بالقدرات النفسية الخارقة ولدينا برنامج حقيقي لتغيير حالات الوعي ولدينا لغة تتحدث صراحة عن اللازمن، والخروج من الجسد، والواقع غير المادي.

لكن الانتقال من هذه الحقائق إلى القول إن «CIA اكتشفت أن الإنسان يستطيع مغادرة الزمكان» قفزة لا تدعمها الوثائق.

ما حدث أغرب من ذلك بطريقة مختلفة: ففي ذروة الحرب الباردة، وجد ضابط استخبارات عسكري نفسه يكتب عشرات الصفحات محاولاً الإجابة عن سؤال ظل البشر يسألونه منذ آلاف السنين، ولكن هذه المرة بلغة الترددات والدماغ والفيزياء:

هل نحن أجساد تمتلك وعياً، أم أن الوعي شيء أكبر من الجسد نفسه ؟

ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على تقرير عملية البوابة Gateway فإن «البوابة» الحقيقية لم تغلق بعد؛ لأنها لا تقود بالضرورة إلى عالم آخر، بل إلى أحد أكثر ألغاز عالمنا غموضاً:

ما هو الوعي، وأين تنتهي حدوده ؟