تصل رائحة الطعام إليه قبل أن يرى المنزل؛ بخار الأرز يتصاعد من القدور والدخان المنبعث من أعواد البخور والقرابين الورقية يملأ فناء البيت، في الخارج، عند حافة الطريق المظلم، ينحني كائن هزيل فوق التراب، كأن الجوع أكل جسده ولم يُبقِ منه سوى جلد مشدود على العظام.

بطنه ضخم ومنتفخ، لكن عنقه لا يزيد عرضاً على ساق فرشاة، وفمه أضيق من أن تمر عبره لقمة، يقترب ببطء من المائدة الموضوعة للأموات، يفتح فكيه بلا صوت، ثم يمد يداً مرتجفة إلى الطعام، لكنه يعرف ما قد يحدث: ربما يتحول الأرز إلى جمر، أو تشتعل اللقمة عند شفتيه، أو يعجز حلقه الدقيق عن ابتلاعها.

إنه إي غوي؛ الشبح الجائع الذي لا ينتهي جوعه أبداً.

الأرواح التي لا تشبع

تكتب كلمة إي غوي بالصينية 餓鬼، وتعني حرفياً «الشبح الجائع»، وهي ليست اسم مخلوق واحد بعينه بل تسمية لفئة كاملة من الأرواح المعذبة في البوذية الصينية والمعتقدات الشعبية في شرق آسيا.

يرجع أصل الفكرة إلى كائنات الـبريتا في الموروث البوذي الهندي ، ومع انتقال البوذية إلى الصين، امتزج الاعتقاد الهندي بأفكار صينية أقدم عن الموتى المهملين والأرواح التي لم تُقم لها الطقوس المناسبة، فتكونت الصورة المعروفة اليوم للشبح الجائع.

في التصور البوذي، لا يُعد إي غوي مجرد روح شخص ميت بقيت عالقة قرب منزله، بل كائناً وُلد من جديد في واحد من مصائر الوجود داخل دورة التناسخ أو «السامسارا»، ويُذكر عالم الأشباح الجائعة ضمن العوالم الستة التي يمكن أن تولد فيها الكائنات وفقاً لأفعالها وما تراكم عليها من كارما.

إنه مصير يرتبط بالجشع والبخل والأنانية وسوء استعمال الطعام والثروة، فالشخص الذي عاش وهو يحتكر ما يملك، أو يمنع الطعام عمن يحتاج إليه، أو يستولي على هبات خُصصت للآخرين، قد يستيقظ بعد موته في جسد يجسد شهوته التي لم تعرف الاكتفاء.

لا يعاقبه إله غاضب بل تصبح أفعاله نفسها سبباً في ولادته الجديدة، وكأن الجشع الذي أخفاه في حياته يتحول بعد الموت إلى هيئة مرئية لا يستطيع الهرب منها.

بطن كالجبل وحلق كالإبرة

تختلف أوصاف الأشباح الجائعة بين النصوص البوذية والمدارس والمناطق إلا أن الصورة الأكثر شهرة تجمع بين بطن متضخم وحلق بالغ الضيق ، يبدو جسد إي غوي هزيلاً ذا أطراف دقيقة ومفاصل بارزة، بينما ينتفخ بطنه كأنه يحمل جوع العالم كله، أما فمه فقد يكون صغيراً وحلقه أدق من ثقب إبرة، فلا يستطيع ابتلاع كمية تكفي لتخفيف ألمه ولهذا يظل الطعام أمامه من دون أن يبلغ معدته إلا القليل.

وتصف بعض النصوص أنواعاً أشد عذاباً؛ فما إن تصل اللقمة إلى فم الشبح حتى تتحول إلى نار أو فحم مشتعل، وقد ينبعث الدخان من رأسه وتخرج ألسنة اللهب من حلقه.

وتذكر المصادر البوذية أيضاً أرواحاً لا تجد سوى القاذورات والجثث والأشياء الفاسدة لتقتات عليها، وأخرى تسكن قرب المقابر ومفارق الطرق والمراحيض وأبواب البيوت، لكن مهما اختلفت صورها، يجمع بينها عذاب واحد: الرغبة موجودة دائماً، أما الإشباع فمستحيل.

وهنا تكمن المفارقة المرعبة في هيئة إي غوي؛ فبطنه يعبر عن شهوة لا حدود لها، بينما يمثل حلقه الضيق عجزه عن الاستمتاع بأي شيء يحصل عليه، لقد امتلك في حياته أكثر مما يحتاج، لكنه بعد الموت لا يستطيع الانتفاع بأبسط لقمة.

من يصبح شبحاً جائعاً ؟

لا توجد قائمة واحدة متفق عليها لكل الأعمال التي تقود إلى هذا المصير، لكن الحكايات والمواعظ البوذية تربطه غالباً بالبخل، ورفض الصدقة، والاستحواذ على ممتلكات الآخرين، والقسوة تجاه الجائعين، وإساءة استخدام القرابين المقدمة للرهبان أو المحتاجين.

قد يكون الشبح في القصص تاجراً احتكر الحبوب أثناء المجاعة، أو ثرياً كان يأكل بينما يمنع خدمه والفقراء من الطعام، أو شخصاً خدع الناس ليجمع المال، أو فرداً رفض رعاية والديه حين أصبحا عاجزين.

ولا ينبغي فهم هذه الأمثلة باعتبارها قانوناً حرفياً يحدد مصير كل إنسان، بل باعتبارها حكايات وعظية تبين كيف يمكن للرغبة غير المنضبطة أن تصنع سجناً لصاحبها.

إن الجوع هنا ليس عقوبة تأتي من الخارج، بل كشف لحقيقة كانت موجودة منذ البداية، فالشخص الجشع كان جائعاً حتى عندما امتلأت مخازنه وكان خائفاً من الفقر حتى حين امتلك ما يكفيه أعواماً،  وبعد الموت يصبح ذلك الجوع باطنه وظاهره معاً.

عندما أصبح الموتى المنسيون أشباحاً جائعة

حين دخلت فكرة الـ«بريتا» الهندية إلى الثقافة الصينية، لم تبقَ محصورة في معنى الولادة الكارمية، فقد اندمجت مع الاعتقاد الصيني بأهمية تكريم الأسلاف وتقديم القرابين لهم.

في المعتقد الشعبي، يحتاج الموتى إلى أن يتذكرهم أبناؤهم وأحفادهم، وأن تقدم لهم الأطعمة والبخور والهبات الرمزية في مواعيد معينة، أما الميت الذي لا نسل له أو الذي مات بعيداً عن أهله، أو لم يُدفن بطريقة لائقة أو انقطع ذكره بعد مرور الأجيال، فقد يتحول إلى روح هائمة تبحث عمن يطعمها.

وهكذا اتسع معنى إي غوي ليشمل الموتى المنسيين، وضحايا الحروب والكوارث، والغرباء الذين ماتوا على الطرق وكل روح لم تعد تجد بيتاً أو اسماً أو مائدة تنتظرها.

وقد تسكن هذه الأرواح، بحسب الحكايات الشعبية، عند مفارق الطرق والمقابر والأماكن المهجورة وأطراف القرى. وقد تنجذب إلى روائح الطبخ والمطابخ والاحتفالات، وتتبع المسافرين أو تقف خارج أبواب البيوت التي لم تضع لها شيئاً من الطعام.

لا تظهر هذه الأرواح دائماً بوصفها شريرة، بل بوصفها مزيجاً من البؤس والخطر، فهي تستحق الشفقة بسبب عذابها، لكن إهمالها قد يجعلها غاضبة، فتُنسب إليها الأمراض والحوادث وسوء الحظ واضطراب المنازل.

موليان وأمه الجائعة

أشهر قصة صينية مرتبطة بالأشباح الجائعة هي قصة الراهب موليان، واسمه البوذي ماودغاليانا، أحد أبرز تلاميذ بوذا ، تروي «سوترا يولانبِن» أن موليان، بعد أن بلغ مرتبة روحية عالية واكتسب قدرة على رؤية العوالم الأخرى، بدأ يبحث عن والديه المتوفيين، وحين وجد أمه اكتشف أنها سقطت في عالم الأشباح الجائعة.

ظهرت أمامه هزيلة كالغصن اليابس، عاجزة عن الأكل والشرب، امتلأ موليان حزناً فأحضر لها وعاء من الأرز ومده إليها، أمسكت الأم الطعام بسرعة خشية أن تشاركها فيه أرواح أخرى، لكنها ما إن حاولت رفعه إلى فمها حتى تحول الأرز إلى فحم ولهب.

كرر الابن محاولته، إلا أن قدراته الروحية لم تكن كافية لإنقاذها من نتيجة أفعالها، فعاد إلى بوذا وسأله كيف يستطيع تخليص أمه من هذا المصير.

أخبره بوذا، بحسب الرواية، أن قوة فرد واحد لا تكفي لمحو كارما عميقة كهذه، وأمره بأن يقدم الطعام والشراب إلى جماعة الرهبان في اليوم الخامس عشر من الشهر القمري السابع، ثم يهدي ثواب هذا العمل إلى أمه، وبفضل استحقاق الجماعة والصدقة المقدمة باسمها، أمكن تحريرها من عالم الجوع.

تحولت القصة في الصين إلى مثال يجمع بين التعاليم البوذية المتعلقة بالصدقة والرحمة وبين قيمة بر الوالدين الراسخة في الثقافة الصينية، فحتى الموت، في هذه الحكاية، لا ينهي مسؤولية الابن تجاه والديه.

لكن المغزى يتجاوز إنقاذ أم واحدة؛ فما دام موليان لم يستطع إطعام أمه بوعاء أرز عادي، فإن الجوع الذي أصابها لم يكن جوعاً جسدياً يمكن إسكاته بوجبة، بل حالة روحية تحتاج إلى الرحمة والعمل الصالح وتغيير المصير نفسه.

الشهر الذي تفتح فيه أبواب عالم الموتى

ترتبط قصة موليان باحتفالات الشهر القمري السابع من السنة الصينية، المعروف شعبياً باسم شهر الأشباح، ويقام في اليوم الخامس عشر منه مهرجان الأشباح الجائعة، المعروف بوذياً باسم «يولانبِن»، وفي التقليد الطاوي باسم «تشونغ يوان».

وفقاً للمعتقد الشعبي، تُفتح خلال هذا الشهر أبواب العالم الآخر، فتخرج الأرواح لتتجول بين الأحياء، ولا تقتصر الأرواح العائدة على الأسلاف المعروفين بل تشمل أيضاً الموتى المجهولين والأرواح الجائعة التي لا عائلة لها تقدم القرابين.

تضع العائلات موائد خارج المنازل تحتوي على الأرز واللحوم والفواكه والحلوى والشاي، وتشعل أعواد البخور، وتحرق أوراقاً ترمز إلى المال والملابس والمنازل وغيرها من الممتلكات التي يُعتقد أن الموتى يحتاجون إليها.

وتُترك بعض القرابين على جوانب الطرق وفي الأماكن الانتقالية، لأنها مخصصة للأرواح الهائمة لا لأسلاف العائلة،  وفي بعض المناطق تقام عروض موسيقية ومسرحية، وتُترك المقاعد الأمامية فارغة لأن ضيوف الشرف غير مرئيين.

وتطفو الفوانيس أحياناً فوق الأنهار والبحيرات لإرشاد الأرواح في طريق العودة، بينما يؤدي الرهبان والكهنة طقوساً لتوزيع الطعام رمزياً على جميع الجهات، حتى لا يبقى شبح مجهول من دون نصيب.

تبدو هذه الطقوس كأنها ضيافة موجهة إلى ضيوف لا يرغب أحد في رؤيتهم،  فالناس يطعمون الأرواح رحمة بها، لكنهم يفعلون ذلك أيضاً حتى لا تدخل بيوتهم غاضبة.

محاذير شهر الأشباح

أنتج الاعتقاد بعودة الموتى مجموعة واسعة من المحاذير الشعبية، ففي بعض المجتمعات يُنصح بعدم لمس الطعام الموضوع على الطرق وعدم الدوس على رماد القرابين أو أوراق البخور، لأن ذلك قد يُعد إهانة للأرواح.

كما يتجنب بعض الناس الزواج أو الانتقال إلى منزل جديد خلال الشهر السابع، ويحذرون من السباحة ليلاً أو التجول منفردين قرب المياه والمقابر، وتزعم بعض الروايات أن من يسمع اسمه يُنادى من الخلف ليلاً يجب ألا يستدير فوراً لأن الصوت ربما لا يكون صادراً عن إنسان.

لكن هذه المحاذير تنتمي إلى الفلكلور الشعبي المتنوع، ولا تمثل جميعها تعاليم بوذية رسمية،  فقد تراكمت عبر الأجيال واختلفت من الصين إلى تايوان وهونغ كونغ وسنغافورة وماليزيا وغيرها من المجتمعات الصينية.

هل يمكن إيذاء الشبح الجائع أو قتله ؟

ليس إي غوي وحشاً يمكن القضاء عليه بسلاح أو طقس طرد بسيط. إنه ميت بالفعل، ووجوده قائم على نتيجة كارمية أو حالة روحية، لا على جسد مادي يمكن تدميره.

وقد تنسب إليه الروايات الشعبية القدرة على إفساد الطعام أو نشر المرض والنحس، لكنه لا يظهر عادة كمقاتل قوي أو عدو يخوض معركة مباشرة مع البشر، قوته الحقيقية هي استمراره؛ فهو قادر على تحمل الجوع والعطش أعواماً طويلة من دون أن يموت لأنه يعيش داخل موت لا يكتمل.

ولا يكون التعامل معه بمحاربته، بل بإطعامه وتهدئته، فقد تخفف القرابين معاناته مؤقتاً بينما يُعتقد أن الصلوات وتلاوة النصوص والأعمال الصالحة المقدمة باسمه تساعده على مغادرة عالم الأشباح والولادة في حال أفضل.

ولهذا تقام بعض الطقوس ليلاً، في الوقت الذي يُعتقد أن الأرواح تتناول فيه طعامها، ويُرش ما يرمز إلى الرحيق وتقدم الأطعمة، ثم تُتلى التعاليم لمساعدة الأرواح على التخلص من الجهل والأفعال التي أبقتها أسيرة الجوع.

إن الشبح الجائع، في جوهر المعتقد، ليس شيئاً ينبغي قتله، بل روحاً ينبغي تحريرها.

أسطورة عن الجشع أم صورة للإنسان ؟

يمكن النظر إلى إي غوي باعتباره واحداً من أكثر الكائنات الأسطورية تعبيراً عن طبيعة الرغبة البشرية، فهو لا يرعب الناس بأنيابه أو قوته، بل لأنه يشبه حالة يمكن أن يعيشها الإنسان وهو لا يزال حياً.

قد يمتلك المرء المال، لكنه يشعر دائماً أنه أفقر مما ينبغي. وقد يحصل على الشهرة، لكنه يحتاج كل يوم إلى مزيد من انتباه الآخرين. وقد يشتري الأشياء بلا توقف، من دون أن تمنحه إحداها شعوراً دائماً بالرضا.

عندها يتحول الإنسان رمزياً إلى شبح جائع: بطنه يتسع باستمرار، بينما يضيق حلقه عن تذوق ما يملكه.

ولهذا استُخدمت صورة عالم الأشباح الجائعة في قراءات بوذية ونفسية حديثة للتعبير عن الإدمان والاستهلاك القهري والتعلق والرغبات التي تَعِد بالإشباع، لكنها تصبح أقوى كلما أطعمناها.

ليست المأساة أن إي غوي لا يجد طعاماً؛ فالطعام قد يكون أمامه، مأساته الحقيقية أنه فقد القدرة على الاكتفاء.

وفي ليالي الشهر السابع، حين توضع الأطباق عند أطراف الطرق ويصعد دخان البخور في الظلام، لا تطعم العائلات الصينية موتاها فقط، بل تستعيد تحذيراً قديماً: ما نرفض مشاركته اليوم قد يصبح غداً الشيء الذي نطارده إلى الأبد.

فالشبح الجائع لم يولد حين مات صاحبه، بل بدأ يتكون في كل مرة قال فيها الإنسان: «المزيد»، من دون أن يسأل نفسه متى سيكون ما يملكه كافياً.