في أواخر ستينيات القرن العشرين وبينما كان العالم يعيش ذروة الاهتمام بالأطباق الطائرة والحياة خارج الأرض، ظهر رجل بريطاني يدعى برنارد بايرون Bernard Byron ادعى امتلاكه قدرة أكثر غرابة من مجرد رؤية أجسام مجهولة في السماء: كان يقول إنه يستطيع التحدث والكتابة بلغات قادمة من عوالم أخرى.
ربما بقي بايرون اسماً مجهولاً في هامش تاريخ الظواهر الغريبة، لولا أن عالم الفلك ومقدم البرامج البريطاني الشهير السير باتريك مور Patrick Moore استضافه عام 1969 في برنامج تلفزيوني على شبكة BBC، ومنحه فرصة لعرض ما وصفه بـ "لغاته الفضائية" أمام الجمهور.
هل تتحدث لغة الزهرة ؟
في 10 مايو 1969 قدم باتريك مور حلقة من برنامج One Pair of Eyes حملت عنواناً لافتاً: "هل تستطيع التحدث بلغة الزهرة ؟"
Can You Speak Venusian ، لم تكن الحلقة مخصصة لبايرون وحده، بل تناولت عدداً من الأشخاص الذين تبنوا أفكاراً غير مألوفة عن العالم والكون، من أنصار الأرض المسطحة إلى أصحاب النظريات الكونية الغريبة.
لكن ظهور برنارد بايرون كان من أكثر المقاطع إثارة للانتباه ، جلس الرجل أمام مور وبدأ ينطق مقاطع صوتية غريبة قال إنها ليست مجرد أصوات مرتجلة، وإنما كلمات حقيقية بلغات حضارات تعيش خارج الأرض ، يمكنك شاهد الفيديو للتعرف على طريقة نطقه وكتاباته.
وخلال المقابلة عرض بصورة أساسية ثلاث لغات فضائية.
الأولى قال إنها لغة كوكب الزهرة والثانية نسبها إلى بلوتو، أما الثالثة فكانت أكثر غرابة، إذ زعم أنها لغة كائنات مرتبطة بالنظام النجمي كروغر Kruger 60 القريب نسبياً من مجموعتنا الشمسية.ومن أكثر التفاصيل غرابة في قصة برنارد بايرون ظهور رسم لمخلوقة أنثوية ذات هيئة بشرية قال إنها تنتمي إلى عالم Kruger 60 الذي كان يتواصل معه ، حيث زعم أنها من سكان الكوكب الثاني في البعد عن شمس النظام الشمسي لهذا العالم Kruger 60 B ، وربط بينها وبين معرفته باللغة التي كان ينطق بها، تبدو في الرسم بملامح قريبة من البشر، وشعر أسود قصير، وطوق غريب يحيط برأسها، في صورة تختلف تماماً عن التصورات الشائعة لاحقاً للكائنات الفضائية.
وبحسب روايته، لم يتعلم بايرون هذه اللغات من كتب أو معلمين، وإنما تلقاها بطريقة تشبه الاتصال التخاطري؛ رسائل أو تأثيرات عقلية تصل إليه من مصادر غير أرضية، فيتمكن بعدها من التحدث بلغاتها وكتابتها.
هاملت بـ "لغة الزهرة"
لم يكتف بايرون بإطلاق أصوات غامضة، بل زعم أن تلك اللغات تمتلك من البنية ما يسمح باستخدامها في الترجمة، ومن أغرب الأمثلة المرتبطة بقصته أنه قيل إنه ترجم مقاطع من مسرحية "هاملت" لـ شكسبير إلى ما سماه "لغة الزهرة".
وقد نشر باتريك مور لاحقاً نموذجاً من الكتابة التي نسبها بايرون إلى هذه اللغة ، وهنا أصبحت القصة أكثر إثارة: إذا كان الرجل يزعم قدرته على ترجمة نص أدبي معقد إلى لغة أخرى فهذا يعني ضمنياً أنه يدعي وجود مفردات وقواعد وتراكيب لغوية متكاملة، لا مجرد سلسلة من الأصوات العشوائية.
لكن المشكلة أن ما وصل إلينا من المادة المنسوبة إلى بايرون محدود للغاية، ولا يكفي لإثبات وجود نظام لغوي يمكن اختباره بصورة مستقلة.
ثلاث لغات… أم سبع عشرة ؟
تختلف الروايات حول العدد الحقيقي للغات الفضائية التي ادعى بايرون معرفتها ، المقطع التلفزيوني الأشهر ركز على ثلاث لغات، ولهذا كثيراً ما يوصف اليوم بأنه "الرجل الذي تحدث بثلاث لغات فضائية" ، لكن تقارير لاحقة نسبت إليه ادعاءات أوسع بكثير.
فبعض المصادر التي تناولت قصته في مطلع السبعينيات ذكرت أنه كان يدعي القدرة على التحدث والكتابة بلغات "سبعة عوالم مختلفة" ، أما مصادر لاحقة فرفعت العدد إلى سبع عشرة لغة فضائية ، ولا يمكن اليوم الجزم إن كان بايرون نفسه قد وسع ادعاءاته مع مرور الوقت، أم أن بعض هذه الأرقام نتج عن تضخيم صحفي لاحق.
ومع ذلك فإن الثابت هو أن قصته لم تكن مقتصرة على لغة واحدة أو اتصال عابر بل كان يقدم نفسه باعتباره شخصاً يمتلك قناة اتصال مستمرة مع أكثر من عالم غير أرضي.
رسائل من كروغر 60
أكثر عناصر قصته غرابة يرتبط بنظام نجمي حقيقي يعرف باسم Kruger 60 ، وهو نظام نجمي قريب نسبياً من الشمس ويتكون من نجمين قزمين أحمرين.
زعم بايرون أنه يتلقى اتصالات من كائنات مرتبطة بهذا النظام وأطلق عليها اسماً يصعب نقله صوتياً بصورة دقيقة، قريباً من كراكسايكس Krxyzcs، وقد وصف هذه الكائنات بأنها مختلفة جسدياً عن البشر، لكنها ليست عدائية بل مهتمة بمصير الإنسان وبخطر الحروب والتدمير الذاتي ، وهذه الفكرة كانت شائعة في حركة ما عرف باسم المتصلين بالفضائيين Contactees خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي ، ففي عدد كبير من روايات تلك الفترة، لم يكن الفضائي يظهر بصفته غازياً بل ككائن أكثر تقدماً يأتي لتحذير البشرية من الأسلحة النووية والحروب وتدمير الكوكب.
وبذلك تنتمي قصة بايرون، من حيث مضمونها، إلى المناخ الثقافي نفسه الذي أنتج عشرات الروايات عن "إخوة الفضاء" ورسائل السلام الكونية.
هل بدأت القصة منذ طفولته ؟
تذكر بعض الروايات أن بايرون قال إن قدرته لم تبدأ بعد رؤيته جسماً طائراً مجهولاً، وإنما ظهرت وهو طفل ، فقد ادعى أنه بدأ في عمر يقارب السادسة ينطق كلمات قال لاحقاً إنها تنتمي إلى لغات غير أرضية، من بينها ما وصفه باللغتين المريخية والزهراوية ، ويقال إن والده لم يتعامل مع الأمر باعتباره ظاهرة خارقة بل كان يرفض هذا السلوك بشدة.
إذا صحت الرواية فإن هذا يعني أن بايرون كان ينظر إلى تجربته باعتبارها قدرة رافقته منذ الطفولة، لا حدثاً مفاجئاً وقع في مرحلة متأخرة من حياته.
لكن المعلومات الموثقة عن حياته الشخصية قليلة للغاية، بل توجد تناقضات حتى حول مكان إقامته، إذ تربطه بعض المصادر بمدينة Romford في Essex، بينما تشير روايات أخرى إلى Denver في Norfolk ، وهذا النقص في السيرة الموثقة يجعل من الصعب إعادة بناء حياته بعيداً عن روايات الاتصال الفضائي نفسها.
لماذا اهتم به باتريك مور ؟
قد يبدو غريباً أن يظهر رجل بمثل هذه الادعاءات أمام أحد أشهر علماء الفلك البريطانيين ، لكن استضافة بايرون لا تعني أن باتريك مور صدقه.
كان مور معروفاً باهتمامه بالشخصيات التي تتبنى أفكاراً هامشية وغريبة وكان يميل أحياناً إلى منح أصحابها مساحة لشرح معتقداتهم بأنفسهم، ثم يترك المشاهد يلاحظ التناقضات ، وقد أثارت تجربة بايرون اهتمامه بدرجة جعلته يستعير عنوان الحلقة لاحقاً لكتاب نشره سنة 1972 تحت عنوان:
Can You Speak Venusian ? A Guide to the Independent Thinkers
أي: " هل تستطيع التحدث بلغة الزهرة ؟ دليل إلى أصحاب الفكر المستقل".
تناول الكتاب عدداً من أصحاب النظريات غير التقليدية، وأصبحت قصة بايرون واحدة من أكثر الأمثلة التي التصقت بعنوانه.
هل جرى تدريس لغاته علمياً ؟
ظهرت ادعاءات بأن تسجيلات لأصوات بايرون أرسلت إلى باحثين لدراستها، بل ورد اسم جامعة كامبريدج في بعض الروايات ، لكن لا توجد دراسة لغوية علمية منشورة معروفة تثبت أن الباحثين وجدوا في كلامه لغة ذات قواعد ثابتة أو مفردات يمكن التحقق منها ،وهذه نقطة حاسمة ، فوجود لغة حقيقية لا يعتمد فقط على أن يبدو الكلام غريباً أو متماسكاً في الأذن.
يفترض أن تحتوي اللغة على نظام ثابت: كلمات تحمل المعنى نفسه عند تكرارها، قواعد تحدد ترتيب الجملة، أنماط صرف ونحو يمكن توقعها، وإمكانية ترجمة نصوص جديدة بطريقة قابلة للاختبار ، ولم يقدم بايرون، بحسب ما هو متاح، مادة كافية تسمح بإجراء هذا النوع من الفحص.
تفسير "أكثر أرضية"
من منظور علم اللغة وعلم النفس، هناك ظاهرة معروفة يمكن أن تفسر حالات مشابهة تسمى التكلم بألسنة Glossolalia ، حيث يستطيع الشخص خلالها إنتاج سلاسل طويلة وسريعة من الأصوات والمقاطع تبدو للسامع مثل لغة أجنبية متكاملة مع إيقاع وتنغيم وتكرارات منتظمة ، لكن عند تحليلها لا يظهر بالضرورة وجود مفردات ثابتة أو نحو حقيقي.
ولا يعني ذلك أن الشخص يتعمد الخداع بالضرورة؛ فقد يكون مقتنعاً تماماً بأن ما يصدر عنه يحمل معنى، خصوصاً عندما ترتبط التجربة بحالة دينية أو روحية أو اعتقاد قوي بوجود مصدر خارجي للرسائل.
وهناك أيضاً ما يعرف بحالة الـ زينوغلوسيا Xenoglossy وهي حالات يزعم فيها الشخص القدرة على استخدام لغة لم يتعلمها سابقاً ، لكن الحالات التي خضعت لفحص صارم غالباً ما واجهت مشكلات تتعلق بضعف البيانات أو وجود معرفة سابقة باللغة أو غياب القدرة الحقيقية على إجراء محادثة متماسكة بها ، أما بالنسبة إلى بايرون فلم تظهر أدلة مستقلة تثبت أن أصواته تنتمي فعلاً إلى لغات ذات بنية يمكن تحليلها.
رجل على هامش عصر الاتصال الفضائي
لم يصبح برنارد بايرون نجماً كبيراً في تاريخ الأطباق الطائرة ولم يؤسس حركة واسعة كما حدث مع بعض «المتصلين» الآخرين في القرن العشرين وربما لهذا السبب أصبحت قصته شبه منسية.
لكن ظهوره القصير أمام باتريك مور حفظ لنا واحدة من أكثر الصور غرابة لعصر كان فيه الخيال العلمي والسباق إلى الفضاء ومخاوف الحرب النووية تتداخل بسهولة مع قصص الاتصال بعوالم أخرى ، فالادعاء هنا لم يكن رؤية ضوء مجهول في السماء ولا مقابلة كائن فضائي في مكان منعزل.
كان الادعاء أكثر جرأة: إن لغات تلك العوالم نفسها قد وصلت إلى الأرض عبر عقل رجل بريطاني عادي.
وبعد أكثر من نصف قرن لا يوجد ما يثبت أن "لغة الزهرة" أو "لغة بلوتو" التي نطق بها بايرون كانت أكثر من أصوات صنعها العقل البشري.
لكن تسجيله مع باتريك مور يبقى وثيقة نادرة عن حقبة كان فيها السؤال عن الحياة خارج الأرض يتجاوز حدود العلم أحياناً ليدخل منطقة يصعب الفصل فيها بين الاعتقاد والخيال والتجربة النفسية ، وربما لهذا بقي السؤال الذي طرحه مور عام 1969 جذاباً حتى اليوم:
هل تستطيع حقاً التحدث بلغة قادمة من عالم آخر ؟