في الطرق الصحراوية القديمة لم يكن المسافر يخشى العطش والبرد وقطاع الطرق وحدهم،  فبحسب حكايات من الفولكلور الفارسي، كان هناك مخلوق ينتظر اللحظة التي يغلب فيها النعاس العابر المتعب ثم يقترب منه بصمت ويلعق أخمص قدميه حتى يستنزف «دم الحياة» من جسده.

أطلقوا على هذا الكائن اسم «باليس» Pa-lis، أي «لاعق القدم»، وهو واحد من أغرب المخلوقات الليلية في الموروث الفارسي؛ مصاص دماء بلا أنياب لا يهاجم العنق ولا ينهض من القبور بل يبدأ افتراسه من القدمين بينما تكون ضحيته غارقة في النوم.

كائن يتربص بالمسافرين

وصلتنا إحدى أشهر الروايات عن الباليس عبر المستشرق البريطاني إدوارد غرانفيل براون الذي جاب إيران بين عامي 1887 و1888 ثم نشر مشاهداته في كتابه «عام بين الفرس» سنة 1893.

خلال عبوره منطقة صحراوية موحشة كان أهلها يسمونها «وادي ملاك الموت»، سمع براون حكايات عن الغيلان والعفاريت التي تتربص بالقوافل، كان بعضها يقلد أصوات الأقارب لاستدراج المسافر وبعضها يظهر في هيئة عجوز ضعيف قبل أن ينقلب إلى وحش قاتل.

أما الباليس، فلم يكن يطارد المسافر اليقظ، بل ينتظر نومه في العراء، وعندئذ يقترب من قدميه، ويلعق أخمصهما حتى يستنزف منهما الدم والحياة.

لم يقدم براون وصفاً واضحاً لهيئة الكائن؛ فلا نعرف إن كان يشبه الإنسان أو الحيوان أو شيئاً بينهما، ويبدو أن غرابة وسيلة القتل كانت أهم في الحكاية من مظهر الوحش نفسه.

كيف خدعه الرجل ذو الرأسين ؟

تروي الحكاية أن سائقي بغال من أصفهان أدركهما الليل في الصحراء واضطرا إلى النوم بعيداً عن العمران، ولأنهما كانا يعرفان خطر الباليس، تمددا تحت الغطاء في اتجاهين متعاكسين بحيث التقت أقدامهما في المنتصف، بينما ظهر رأس عند كل طرف.

وصل الباليس وراح يدور حول الغطاء باحثاً عن قدم يلعقها، لكنه كلما اقترب من أحد الطرفين وجد رأساً، وحين انتقل إلى الطرف المقابل رأى رأساً آخر، فظن أنه أمام رجل عجيب ذي رأسين ولا أقدام.

انسحب الكائن مذهولاً وهو يقول، بحسب الرواية:

« طفت ألفاً وثلاثة وثلاثين وادياً، لكنني لم أرَ قط رجلاً ذا رأسين ! »

تعكس القصة نمطاً معروفاً في الفولكلور؛ فالوحش خطير، لكنه محدود الذكاء ويمكن للإنسان أن يهزمه بالحيلة، كما تحمل رسالة عملية واضحة: المسافر المنفرد فريسة سهلة، أما من يبقى إلى جانب رفيقه فيستطيع النجاة.

الشيطان اللاعق في المخطوط الفارسي

عاد اسم الباليس إلى الظهور حديثاً مع انتشار صورة من مخطوط فارسي محفوظ ضمن مجموعة المخطوطات الإسلامية في جامعة برينستون، يظهر في الصورة رجل نائم بينما ينحني عند قدميه كائن غريب شبيه بقط زاحف ويمد لسانه نحو أخمص قدمه.

يرتبط المخطوط بمدينة أصفهان ويرجع إلى أوائل القرن العشري ويبدو أن واضعه كان «رمّالاً» أي ممارساً للعرافة وقراءة الطالع ويتضمن نصوصاً عن التنجيم والطلاسم والتعاويذ إضافة إلى رسوم لمخلوقات وأرواح مرتبطة بعلامات الأبراج.

يضم المخطوط عشرات الرسوم المائية ولا تمثل جميعها شياطين؛ إذ تظهر فيه أيضاً ملائكة وحيوانات ترمز إلى الأبراج، لكن أكثر صوره رعباً تلك التي تصور كائنات تزور البشر أثناء النوم فتقترب من أعينهم، أو تخلع أسنانهم، أو تعبث بأقدامهم.

أما الكائن اللاعق، فيبدو كمزيج بين قط وزاحف، وله ذيل غريب ينتهي بفم مليء بالأسنان. وقد أصبحت هذه الصورة لاحقاً الشكل الأكثر تداولاً للباليس.

ومع ذلك، لا توجد في المصادر المتاحة تسمية صريحة تؤكد أن الوحش المرسوم هو الباليس نفسه، فالربط بينهما قام أساساً على تطابق الفعل: كائن يقترب من نائم ويلعق قدمه. لذلك قد يكون الرسم تمثيلاً للباليس وقد يكون شيطاناً آخر يؤدي الفعل ذاته ضمن المعتقدات السحرية للمخطوط.

المخطوط لم يكن كتاب رعب

لم تُرسم تلك المخلوقات بهدف التسلية أو إخافة القراء فقط، كان المخطوط جزءاً من عالم تختلط فيه العرافة بالتنجيم والسحر الوقائي، حيث يُعتقد أن لكل روح أو شيطان علامات تدل عليه وطقوساً أو طلاسم يمكن استعمالها للوقاية منه.

في هذا التصور، قد لا يكون الكابوس مجرد حلم عشوائي، بل زيارة من كائن محدد وبعد أن يستمع الرمّال إلى وصف الحلم، يحاول التعرف إلى الشيطان الذي ظهر للنائم ثم يصف له تعويذة أو حرزاً لإبعاده.

وهكذا عملت الرسوم كدليل للتعرف إلى الكائنات: ما شكلها ؟ ماذا تفعل بالإنسان ؟ وماذا ينبغي فعله لمقاومتها ؟

لكن هذا المخطوط لا يمثل المعتقدات الدينية العامة في إيران، بل يعكس جانباً خاصاً من ثقافة العرافة والطلاسم في زمنه.

لماذا يلعق القدمين ؟

يختلف الباليس عن مصاص الدماء الأوروبي المعروف، فهو لا يغرس أنيابه في العنق ولا يحتاج إلى دخول البيوت أو إغواء ضحاياه، بل يجد فريسته بين المسافرين المنهكين وينتظر نومها.

وقد يرتبط اختيار القدمين ببيئة الحكاية نفسها، فالقدمان من أكثر أجزاء جسد المسافر تعرضاً للجروح والبرد ولسعات العقارب والحشرات خصوصاً عند النوم في الصحراء وقد يستيقظ الإنسان شاعراً بألم أو خدر أو حرقة، من دون أن يعرف ما أصابه أثناء الليل، فتمنح الأسطورة هذا الإحساس الغامض سبباً مخيفاً: مخلوق خفي كان يلعق قدمه.

وربما تحمل القدم معنى رمزياً أيضاً فهي الجزء الذي يلامس الأرض المجهولة والنقطة التي يتصل عندها الجسد بالبرية ومن هذا الحد يبدأ الوحش تسلله إلى قوة الإنسان وحياته.

تبقى هذه تفسيرات محتملة، إذ لا توجد وثيقة تؤكد أن الأسطورة نشأت تحديداً لتفسير لسعات الحيوانات أو آلام القدمين.

النوم ولحظة فقدان السيطرة

تكمن قوة حكاية الباليس في أنه لا يظهر إلا أثناء النوم، فالنائم لا يستطيع مراقبة ما يقترب منه ولا يعرف ما يلمس جسده وقد يستيقظ عاجزاً عن الحركة أو الكلام.

وتتكرر هذه الصورة في ثقافات كثيرة: شياطين تجلس على صدر النائم وأرواح تخنقه وساحرات تشل حركته وكائنات تسرق أنفاسه أو دمه، تختلف الأسماء لكن التجربة واحدة تقريباً؛ وعي يعود قبل أن يستعيد الجسد قدرته على الحركة.

هذه الحالة معروفة اليوم باسم الجاثوم أو شلل النوم، وتحدث عندما يستيقظ الوعي بينما يبقى الجسد مؤقتاً في حالة الارتخاء العضلي المرتبطة بالنوم، وقد تصاحبها هلوسات شديدة الواقعية مثل رؤية ظل في الغرفة أو سماع خطوات أو الشعور بوجود شخص قريب أو الإحساس بأن شيئاً يلمس الجسد.

هل نشأت حكاية الباليس من تجارب كهذه ؟

الاحتمال وارد، خصوصاً أن الإرهاق واضطراب النوم والخوف من الطريق قد تزيد من حدوث التجارب الليلية المزعجة، لكن لا يمكن اعتبار شلل النوم تفسيراً مؤكداً للأسطورة؛ فهو يوضح كيف قد يشعر الإنسان بهجوم ليلي حقيقي، لكنه لا يثبت أن جميع روايات الباليس خرجت من هذه الظاهرة.

وحش يؤدي وظيفة الحارس

كانت الطرق القديمة مليئة بالمخاطر الواقعية: الضياع والبرد والحيوانات السامة واللصوص والانفصال عن القافلة، وقد يكون الباليس قد أدى وظيفة تحذيرية؛ فلا تنم وحيداً في الصحراء ولا تبتعد عن رفاقك ولا تستسلم للنعاس في مكان مكشوف.

تؤكد حيلة الرجلين هذه الرسالة، فقد نجوا لأنهم ظلوا معاً وتعاونا، بينما يصبح النائم المنعزل الفريسة المثالية، وهكذا تحول الوحش، بصورة غير مباشرة، إلى حارس يجبر المسافرين على توخي الحذر والبقاء داخل الجماعة.

فالنصيحة المباشرة قد تُنسى لكن قصة شيطان يلعق الأقدام حتى يستنزف الدم تبقى عالقة في الذاكرة.

بين الحكاية والصورة

لا يوجد دليل على أن مخلوقاً كان يجوب صحارى إيران ليفترس أقدام النائمين، وما نملكه في الحقيقة مصدران متباعدان: حكاية شعبية سجلها براون في القرن التاسع عشر عن كائن يدعى الباليس، ورسم من مخطوط أصفهاني لاحق يصور شيطاناً يلعق قدم رجل نائم.

جمع الإنترنت بين الاثنين، ومنح الحكاية القديمة صورة لم تكن تملكها حتى أصبح الوحش السنوري الزاحف هو الشكل الشائع للباليس.

لكن بقاء هويته غامضة لا يقلل من قوة الأسطورة، فهي تجسد خوفاً إنسانياً عميقاً من النوم بعيداً عن الأمان ومن فقدان السيطرة على الجسد في مكان لا نعرف ما يتحرك فيه.

وربما لا يحتاج الباليس إلى أن يظهر كاملاً. يكفي أن يستيقظ المسافر في قلب الليل، ويشعر بشيء بارد ورطب يمر ببطء فوق أخمص قدمه.