ليست أرمينيا مجرد بلاد جبال وأديرة وحجارة قديمة، خلف صورتها المعروفة كأول دولة اعتنقت المسيحية رسمياً تختبئ طبقات أقدم من الخيال الشعبي: تنانين لا تسكن النار بل الماء، كلاب أسطورية تلعق جراح القتلى لتعيدهم إلى الحياة، أرواح منزلية تحرس الطحين والتنور، شياطين تهدد النساء بعد الولادة، ولفائف حماية تُحمل على الجسد مثل درع من صلاة وحبر.
في هذا المقال لا نبحث عن إثبات وجود هذه الكائنات ولا عن نفيها، بل عن شيء آخر: كيف تخيل الأرمن العالم الخفي ؟ كيف تعاملوا مع المرض والخوف والحسد والولادة والموت ؟
الميزة الأساسية في الموروث الأرمني أنه لا يقدم الماورائيات دائماً كقوة شريرة، فبعض الكائنات تؤذي وبعضها يحرس وبعضها يشفي، وبعضها يذكّر الإنسان بأن البيت والماء والجبل ليست أشياء صامتة تماماً في الخيال الشعبي، إنها عوالم لها حراسها وحدودها وأسرارها.
كيانات وأساطير
كلاب القيامة : الأراليز التي تلعق الموت
من أغرب الكائنات في الأسطورة الأرمنية كائنات تُعرف باسم الأراليز، أو Aralez/Aralezner ،وهي أرواح أو كائنات شبيهة بالكلاب، توصف أحياناً بأنها مجنحة، وتنزل إلى ساحات القتال لتلعق جراح الأبطال القتلى فيعودون إلى الحياة، هنا لا يظهر الكلب كحارس للعالم السفلي كما في بعض الأساطير الغربية ولا ككلب جحيم بل ككائن شاف يقف بين الجثة والقيامة.
ترتبط الأراليز خصوصاً بأسطورة الملك الأرمني آرا الجميل، فبحسب الرواية، قُتل آرا في الحرب، وحاولت الملكة الآشورية شميرام أن تعيده إلى الحياة بالاستعانة بهذه الكائنات التي تلعق الجراح، وتظهر فكرة الأراليز أيضاً في روايات لاحقة عن وضع جثة محارب على برج على أمل أن تأتي هذه الكلاب الأسطورية فتُعيده إلى الحياة ، هذه الصورة تكشف عن معتقد قديم يرى أن الجسد الممزق في الحرب لا يُترك دائماً للموت النهائي بل قد توجد قوى غامضة تملك سر الترميم والعودة.
المثير في الأراليز أنها تقلب صورة الكلب في المخيلة، فالكلب هنا ليس نجساً ولا شيطانياً ولا حارساً للهاوية، بل وسيط شفاء، لعابه في الرمز الأسطوري يصبح طقساً لإعادة الجسد إلى الحياة، وكأن الأسطورة تقول أن الوفاء في أقصى صوره قد يقف عند جسد المحارب الأخير ويحاول أن يمنع الموت من إغلاق بابه.
الفيشاب : تنين الماء
يرتبط الفيشاب Vishap بالماء والجبل في الخيال الأرمني، الفيشاب هو تنين أو كائن مائي ضخم، لكن الأثر المادي الأهم المرتبط به هو ما يعرف باسم Vishapakar أي "أحجار التنين"، وهي نصب حجرية ضخمة عُثر عليها في المرتفعات الأرمنية وغالباً قرب ينابيع ومصادر ماء ومناطق جبلية عالية.
الدراسات الأثرية الحديثة لا تتعامل مع هذه الأحجار كدليل على تنانين حقيقية بل كآثار طقسية غامضة، دراسة منشورة في Heritage Science عام 2025 تذكر أن هذه الأحجار أو الفيشاب هي نصب ما قبل تاريخية اكتُشفت في المناطق الجبلية العالية في أرمينيا الحديثة والمناطق المجاورة، وأن تحليل توزيعها وارتفاعاتها يدعم فكرة ارتباطها بطقس مائي قديم، كما تشير نتائج بحثية أخرى إلى أن وجودها قرب مصادر المياه والينابيع والأنظمة المائية القديمة يعزز فرضية أنها كانت جزءاً من تصور طقسي للماء بوصفه قوة حياة.
ومن اللافت أن "أحجار التنين" لا تصوّر غالباً تنانين بالمعنى الشعبي الحديث بل قد تحمل رموزاً حيوانية مثل الأسماك أو الكباش أو أشكالاً مركبة، وقد ذكرت جامعة برلين الحرة أن أكبر تجمع معروف لهذه الأحجار يقع في ترنكاتار Tirinkatar على جبل أراغاتس على ارتفاع يقارب 2850 متراً وأنها موجودة في أرمينيا وكذلك في جنوب جورجيا وشرق تركيا.
هنا تتحول الأسطورة إلى حجر، فالتنين الأرمني ليس مجرد كائن يطير في السماء وينفث النار بل أثر قائم قرب الماء، في المرتفعات، حيث يولد النبع وتبدأ الحياة.
لذلك يمكن القول إن الفيشاب يمثل خوف الإنسان القديم من قوة الماء ورغبته في استرضائها، فالينبوع الذي يهب الحياة قد يصبح في الخيال موطناً لكائن عظيم لا ينبغي تجاهله.
الكاج : شياطين الجبال
من بين الكائنات الأرمنية الغريبة نجد جماعة معروفة باسم الكاج Kaj / K’ajk، وهي ليست شياطين بالمعنى البسيط بل كائنات جبلية ذات طابع معقد، دراسة الباحث أرمين بتروسيان التي حملت عنوان "شياطين أرمينية تدعى كاج" Armenian Demons Called Kaj تصف هذه الكائنات بأنها تشبه التنانين، وتعيش في الجبال وتملك معابدها الخاصة وتحارب وتصطاد وتسرق القمح والخمر من البشر وتحب الموسيقى وتقيم الأعراس وتدفع الناس إلى الجنون، بل وتضفر شعر الخيل.
هذه التفاصيل تجعل الكاج أشبه بمجتمع خفي لا بمجرد "وحوش"، لديهم أفعال البشر لكن في عالم غير مرئي: يأكلون، يسرقون، يحتفلون، يسمعون الموسيقى، ويؤثرون في عقول الناس.
وهذا النوع من الكائنات شائع في الثقافات الجبلية، حيث تتحول الجبال إلى مساكن لقوى لا تخضع للإنسان، فالجبل بطبيعته مكان صعب وبعيد ومليء بالضباب والصخور والأصوات الغامضة، ولذلك يسهل أن يصبح مسرحاً لسكان لا يُرون.
ومن اللافت أن الكاج لا يحضرون في صورة شر مطلق، إنهم خطرون، نعم، لكنهم أيضاً أحياء في الخيال: لهم طقوسهم وموسيقاهم وعلاقاتهم، وهذا يجعلهم أقرب إلى "قبيلة ماورائية" تعيش بجوار البشر، لا تحتهم ولا فوقهم، بل في الجبال التي لا يملكها أحد تماماً.
الألك : شيطانة النفاس
في الجانب الأكثر ظلمة من الفولكلور الأرمني يظهر كائن يُعرف باسم ألك Al / Alk، وهو قريب في وظيفته من "أم الصبيان" في بعض الموروثات العربية، ومن "الألباستي" في الفولكلور التركي والإيراني، هذا الكائن يرتبط بالخطر المحيط بالنساء أثناء الحمل والولادة، وبالأطفال حديثي الولادة.
مؤسسة AGBU وهي منظمة أرمنية غير ربحية كبيرة تعمل على دعم الهوية والتراث الأرمني تذكر في مقال لها عن لفائف الحماية الأرمنية، أن قصة ألك تظهر في لفائف صلاة صُنعت للنساء طلباً للحماية من صعوبة الولادة أو الإجهاض، وتصور الألك كروح شريرة تسبب تعثر الولادة أو فقدان الجنين ثم يتم هزمها في النصوص الدينية وتتعهد بالابتعاد عن صاحبة اللفافة.
هذه الفكرة لا ينبغي قراءتها كخرافة بسيطة فقط، بل كلغة شعبية للتعامل مع الخوف، ففي المجتمعات القديمة كانت الولادة لحظة خطر حقيقي وقد تهدد حياة الأم والطفل معاً، وعندما يعجز الناس عن تفسير الموت المفاجئ أو النزيف أو الإجهاض يمنح الفولكلور هذا الخوف اسماً وشكلاً، هكذا يتحول الخطر الطبي والاجتماعي إلى كائن: الألك.
وفي مرويات "أرمن فان" يظهر تصور قريب جداً: "أم الشياطين" تأتي عند ولادة المرأة، متخفية في هيئة إنسان أو ثعلب أو ذئب، ثم تدخل البيت في شكل قطة أو ذبابة أو حتى شعرة، وكانت النساء لا يُتركن وحدهن قبل الولادة ويحملن أدوات معدنية للحماية، في مزيج من الرمز الديني والحماية الشعبية.
المقصود بـ قوم "أرمن فان" هم الأرمن الذين كانوا يعيشون حول بحيرة فان التي تقع اليوم داخل تركيا حيث كانت تضم مجتمعاً أرمنياً كبيراً قبل أحداث الإبادة والتهجير في أوائل القرن العشرين.
أرواح البيت
ليست كل الكائنات الأرمنية مؤذية، في مرويات "أرمن فان" تظهر أرواح منزلية حارسة، أهمها دوفلات أو تولفات tolvat / dovlat، وهي روح عائلية تسكن غالباً في المخازن وقد تظهر كأفعى غير سامة أو حيوان آخر أو حتى إنسان، وكان يُعتقد أنها قد تغضب إذا أساءت العائلة معاملة حيواناتها، أو إذا بنت بيتاً جديداً وتركت القديم بلا مراعاة، لذلك كان بعض الناس يتركون مصباحاً مضاء في البيت القديم حتى يروا في الحلم علامة على انتقال الروح الحارسة إلى البيت الجديد.
وهناك أيضاً روح منزلية أنثوية تُعرف باسم غوترات Goutrat، تُصوّر كعروس شابة خجولة، تسكن قرب التنور أو مخزن الطحين أو خلف جرة الدقيق وكانت تحرس الأطفال وتساعد في الأعمال المنزلية الصعبة عندما يغيب أهل البيت ومن العادات اللطيفة أن تترك ربة البيت رغيفاً لهذه المساعدة غير المرئية بعد خبز الخبز في التنور.
هذه الروايات تكشف أن البيت في المخيلة الأرمنية ليس مكاناً مادياً فقط، فالتنور، الطحين، الخبز، المخزن، والحيوانات المنزلية كلها عناصر محاطة بروح، البيت كائن حي تقريباً وإذا غادره الإنسان أو أهمله فعليه أن يراعي ساكنه غير المرئي، ومن هنا نفهم لماذا ترتبط الأرواح المنزلية غالباً بالخبز: فالخبز ليس طعاماً فقط، بل قلب البيت.
أماكن مسكونة
بيت العلماء
إذا انتقلنا من الفولكلور القديم إلى أرمينيا الحديثة، سنجد أن بعض الأماكن لا تحتاج إلى أسطورة موغلة في القدم كي تُصبح موحشة، في العاصمة يريفان هناك مبنى في شارع مسكوفيان Moskovyan 22 يُعرف باسم بيت العلماء، يصف تحقيق نشره موقع Media.am هذا المكان بأنه "مبنى الشبح" في يريفان مشيراً إلى أن الأرشيف لا يحتفظ بمعلومات كثيرة عنه بينما تمتلئ الإنترنت بحكايات غير موثقة وأساطير حضرية حوله.
قوة هذا المثال أنه يوضح كيف يولد الشبح الحضري الحديث، ليس بالضرورة من قبر أو جريمة بل من مبنى مغلق، ماضٍ سوفييتي غامض، نقص في المعلومات، وفضول شعبي، عندما يختفي التفسير تدخل الأسطورة، وهكذا يتحول المبنى المهجور إلى كائن رمزي: الناس لا يعرفون ما حدث داخله فيملؤون الفراغ بالحكاية.
باب مْهر: الجبل الذي يخرج منه الصوت
ضمن مرويات فان الأرمنية يظهر مكان شديد الجاذبية ماورائياً "باب مْهر" Mher’s Door وهو موضع جبلي محفور يرتبط بالأسطورة.، تذكر هوشماديان Houshamadyan أن بعض الرواة كانوا يتحدثون عن "أصوات" تأتي من كهف خلف هذا الباب وأنه ارتبط بقداسة محلية وماء يُعتقد أن له خواص شافية.
قرية الكهوف وأماكن أخرى
هي أماكن ليست "مسكونة" بالضرورة بالاشباح بل مسكونة بالذاكرة ،بالعزلة، وبالإحساس الثقيل الذي يتركه المكان عندما يفقد وظيفته الأصلية، أحياناً يكون الخراب وحده كافياً لصناعة الرعب.
طقوس وممارسات
الهمائيل : لفائف التحصين
من أجمل وأغنى عناصر الماورائيات الأرمنية الهمائيل Hmayil وهي لفائف صلاة وحماية تُكتب على ورق طويل وتُحمل أو تُعلّق طلباً للحفظ، تجمع هذه اللفائف بين النصوص الدينية، الأدعية، الرسوم، مقاطع إنجيلية، وأحياناً عناصر من المعتقد الشعبي، وهي لا تمثل "سحراً" بالمعنى التجاري الحديث بل منطقة وسطى بين التدين الشعبي والوقاية من الشر والمرض والحسد.
تذكر AGBU أن لفائف الهمائيل كانت تُستخدم للحماية من المرض وسوء الحظ والشر وأنها كثيراً ما حملت قصصاً عن هزيمة الأرواح المؤذية، ومنها قصة Al المرتبطة بالولادة، كما تشير إلى أن بعض اللفائف كانت مخصصة للنساء للحماية في الحمل والولادة، بينما استُخدمت لفائف أخرى للرجال طلباً للنجاح في التجارة أو السفر أو مواجهة السلطة.
وتعرض جامعة ولاية بورتلاند الأمريكية مثالاً مادياً على لفافة همائيل أرمنية من القرن الثامن عشر مصنوعة من ورق ملفوف، مزينة برسوم دينية، ويبلغ طولها قرابة 478 سنتيمتراً، هنا لا تكون الورقة مجرد نص بل جسداً للحماية: تُطوى، تُحمل، تُعلّق، وتتحول إلى حاجز رمزي بين الإنسان والضرر.
العين الشريرة: حين يصبح المديح خطراً
الخوف من العين الشريرة موجود في ثقافات كثيرة، لكنه يأخذ في أرمن فان اسماً محلياً هو "نيات" nyat، كان يُعتقد أن الإعجاب أو المديح قد يجلب الضرر للطفل أو الحيوان، خصوصاً إذا صدر من شخص معروف بأنه "يصيب بالعين"، لذلك لم يكن المديح فعلاً بريئاً دائماً بل لحظة تحتاج إلى تحفظ أو تعويذة أو رد وقائي.
وتذكر مرويات فان طرقاً لمقاومة العين منها أن يُطلب من الشخص الذي أصاب الطفل أن "يسحب" عينه عنه أو تُحرق خصل من الشعر وقطع من الثياب ليستنشق الطفل دخانها أو يُؤخذ تراب من آثار قدم المتهم بإصابة العين ويخلط بماء استحمام الطفل، هذه الطقوس تبدو غريبة اليوم، لكنها تكشف أن العين كانت تُفهم كقوة شبه مادية يمكن أن تنتقل وتلتصق وتُزال بطقس معاكس.
في هذا المعنى، العين ليست مجرد حسد، إنها نظام اجتماعي يضبط الكلام، فليس كل إعجاب آمناً وليس كل مديح جميلاً، ولذلك تصنع المجتمعات عبارات وقائية وتقاليد صغيرة لحماية ما تحب: الطفل، الحيوان، الجسد، والرزق.
طقوس "التقاط الخوف"
من الممارسات الشعبية اللافتة في أرمينيا ما يسمى في بعض الدراسات بـ "التقاط الخوف" Catching Fear، أو "نزع الخوف". تقوم الفكرة على الاعتقاد بأن الخوف الشديد قد يسبب المرض، خصوصاً عند الأطفال، وأن امرأة خبيرة أو معالجة شعبية تستطيع إزالة هذا الخوف بطقس معين، تشير دراسة ميدانية محفوظة في جامعة تارتو إلى أن هذه الممارسة شائعة في القرى وأنها تقوم على تصور أن الخوف ليس مجرد شعور بل شيء قد يلتصق بالجسد ويحتاج إلى إخراج.
هذه الفكرة من أجمل مفاتيح فهم الطب الشعبي، ففي الطب الحديث، الخوف حالة نفسية أو عصبية، أما في الخيال الشعبي فقد يكون الخوف أثراً مادياً تقريباً: يدخل الطفل، يمرضه، يغير نومه، ويحتاج إلى من "يمسكه" ويخرجه، وهنا تصبح المعالجة الشعبية ليست فقط علاجاً، بل طقساً لإعادة الطفل إلى الأمان.
قراءة الفنجان
في الوجه الحديث والأكثر اجتماعية من الماورائيات الأرمنية نجد قراءة فنجان القهوة، وهي عادة منتشرة في بيئات أرمنية كثيرة، خصوصاً في المجالس العائلية والنسائية، تقوم الفكرة على شرب القهوة ثم قلب الفنجان وقراءة الأشكال التي تتركها الرواسب في القاع وعلى الجوانب.
نشرت Armenian Mirror-Spectator مادة عن معرض فني في غلينديل تناول القهوة الأرمنية وطقس القراءة Tasseography، أي قراءة الأنماط في بقايا القهوة أو أوراق الشاي، وهي طقس اجتماعي وثقافي: قهوة، انتظار، حكايات، مزاح، وخوف لطيف من المستقبل وطريقة لتبادل القلق، فالإنسان لا يريد أن يعرف المستقبل فقط بل يريد أن يسمعه على شكل رموز: طائر، طريق، عين، باب، امرأة، أو جبل، وفي النهاية يكون الفنجان مرآة لما يخافه الناس وما يتمنونه.
السحر داخل العائلة الحديثة
قد يظن القارئ أن السحر الأرمني مجرد بقايا قديمة لكن الدراسات الميدانية الحديثة تشير إلى أن الممارسات السحرية والاتهامات المرتبطة بها لا تزال تظهر في سياقات اجتماعية معينة، تذكر دراسة عن "الممارسات السحرية الضارة في العائلة الأرمنية الحديثة" أن الممارسات الشائعة في أرمينيا الحديثة تشمل العرافة والشفاء والسحر الضار، وأن اتهامات السحر كثيراً ما تظهر داخل الصراعات العائلية، خصوصاً بين النساء في الأسرة الممتدة.
أحياناً لا يكون "السحر" تفسيراً للمرض فقط بل لغة للصراع: زوجة تتهم قريبة، أم تخاف على ابنها، امرأة تشعر أن أخرى تريد إيذاء بيتها أو زواجها أو أطفالها، وهكذا يصبح السحر طريقة اجتماعية لتفسير الغيرة والسلطة والقلق داخل العائلة.
في هذا الجانب، لا تختلف أرمينيا كثيراً عن مجتمعات كثيرة في الشرق والغرب، فعندما يصعب الاعتراف بالصراع مباشرة يظهر خطاب "السحر" بوصفه تفسيراً أخلاقياً وغيبياً: هناك من يريد الضرر، وهناك طقس خفي، وهناك حاجة إلى حماية أو علاج.
وختاماً ، تبدو أرمينيا في خيالها الشعبي أرضاً لا تنتهي عند حدود الجغرافيا، إنها بلد تتجاور فيه الأديرة مع الأساطير، والصلوات مع التمائم، والجبال مع التنين، والمنازل مع الأرواح الحارسة، وما بين الخوف والحماية، بين الجسد والروح، بين الحجر والماء، تواصل الحكاية الأرمنية القديمة تذكيرنا بأن العالم في نظر الشعوب لم يكن يوماً مرئياً بالكامل.