في الأيام الأولى من يناير/كانون الثاني سنة 1893، كان الكاهن الفرنسي المنبوذ جوزيف أنطوان بولان Joseph-Antoine Boullan طريح الفراش في مدينة ليون، يعاني ألماً حاداً وضيقاً في التنفس، لكنه لم يكن يعتقد أن المرض هو ما يقتله ، كان مقتنعاً بأن شيئاً آخر تسلل إليه.

قوة مرسلة عن بعد

لعنة نسجها رجال يعرف أسماءهم جيداً، وخاض ضدهم طوال سنوات ما وصفه معاصروه لاحقاً بأنها حرب بين السحرة ، إلى جانبه كانت إحدى تابعاته، جولي تيبو، تؤكد أنها ترى آثار الهجوم الخفي،  أما بولان فكان يدوّن ما يحدث، ويطلب من أصدقائه الصلاة ومقاومة القوى التي قال إنها تحاول خنقه، وفي الرابع من يناير 1893 مات عن عمر يناهز الثامنة والستين ، لكن القصة لم تنتهِ بموته.

الروائي الفرنسي جوريس كارل هويسمان الذي كان قد اقترب منه وصدّق جانباً كبيراً من روايته، اتهم خصومه بأنهم قتلوه بالسحر الأسود، وسرعان ما تحول الاتهام إلى فضيحة علنية انتهت بمبارزات بالمسدسات وادعاءات بأن الرصاص نفسه تعطل بفعل قوى سحرية.

الكاهن الذي بدأ حياته داخل الكنيسة

ولد جوزيف أنطوان بولان سنة 1824 في جنوب غرب فرنسا، وتلقى تعليماً دينياً ثم رُسم كاهناً كاثوليكياً، لم يكن في بداياته معروفاً بالسحر أو الشيطانية بل ظهر بوصفه رجل دين مهتماً بالتقوى المريمية، والشفاء الروحي، وفكرة التكفير عن خطايا الآخرين.

في خمسينيات القرن التاسع عشر تعرّف إلى امرأة تدعى أديل شوفالييه، كانت راهبة سابقة أو امرأة مرتبطة بالأوساط الدينية بحسب اختلاف الروايات،  أسسا معاً في سيفر قرب باريس جماعة أطلقا عليها اسم «عمل التكفير»  Œuvre de la Réparation أو «عمل الإصلاح».

كانت الفكرة المعلنة أن بعض النفوس تستطيع تقديم آلامها وصلواتها تكفيراً عن خطايا الآخرين، ومن حيث المبدأ لم تكن فكرة تحمل المعاناة نيابة عن الخطاة غريبة تماماً عن بعض أنماط التصوف الكاثوليكي، لكن بولان دفع بها إلى مناطق جعلت السلطات الكنسية تشك في أنه يحولها إلى مبرر لسلوكيات لم تعد دينية بالمعنى المعتاد.

بدأ المرضى والمضطربون نفسياً يتوافدون إلى الجماعة طلباً للشفاء وطرد الأرواح،  ومع الوقت ظهرت شكاوى عن وسائل علاج غريبة، وأموال تُحصّل مقابل وعود بالحصول على عون السيدة العذراء أو الشفاء من التأثيرات الشيطانية.

وفي سنة 1861، مثل بولان وأديل أمام القضاء بتهم شملت الاحتيال والإخلال بالآداب العامة،  أُدينا بالاحتيال وحُكم عليهما بالسجن ثلاث سنوات، فقضى بولان عقوبته في سجن «بون نوفيل» بمدينة روان حتى عام 1864.

الطفل الذي اختفى

خلف القضية القضائية كان هناك سر أشد ظلمة ، تشير روايات متأخرة، بعضها مستند إلى أوراق بولان الخاصة، إلى أن أديل شوفالييه حملت منه وأنجبت طفلاً في أواخر سنة 1860، وقيل إن الطفل كان مشوهاً، وإن بولان أخفاه أو تخلص منه بعد وقت قصير من ولادته.

في بعض النسخ المثيرة من القصة، زعم أن الطفل كان ثمرة طقس شيطاني أو أن بولان وأديل عدّاه ابن إبليس أو «ابن لوسيفر»، لكن هذه العبارة لا تظهر بوصفها حقيقة قضائية ثابتة، بل ضمن الأدبيات المعادية لبولان والروايات التي أُعيد تضخيمها بعد وفاته.

الأهم أن بولان لم يُحاكم بتهمة قتل الطفل، ولم يُعثر على جثة، ولم تثبت قضائياً واقعة التضحية البشرية، أما الحكم الذي صدر سنة 1861 فكان متعلقاً أساساً بالاحتيال مع ورود اتهامات أخلاقية أخرى حول الجماعة، لهذا ينبغي النظر إلى قصة الطفل بوصفها واحدة من أشد نقاط الملف غموضاً: قد يكون هناك مولود مات أو اختفى فعلاً، لكن تحويل الحادثة إلى «قربان شيطاني» جاء في الغالب لاحقاً.

مع ذلك، تركت القصة ظلاً لا يفارق بولان، فقد صار بالنسبة إلى خصومه الرجل الذي لم يكتفِ بانتهاك تعاليم الكنيسة بل تجاوزها إلى ما هو أبعد من الهرطقة.

«الدفتر الوردي» واعترافات الكاهن

بعد خروجه من السجن لم يعد بولان إلى حياة هادئة، ففي عام 1869 بدأ بحقه تحقيق كنسي أمام دوائر مرتبطة بالمكتب المقدس في روما.

خلال احتجازه في خلوة رهبانية بانتظار الحكم، كتب اعترافاً مطولاً عرف لاحقاً باسم «الدفتر الوردي» – Cahier rose، ويقال إن هذا الدفتر احتوى على تفاصيل عن أخطائه وممارساته وعلاقته بأديل، وربما عن الطفل المفقود.

المفارقة أن بولان حصل في نهاية التحقيق على تبرئة كنسية من الاتهامات التي كانت مطروحة آنذاك فعاد إلى باريس في نهاية سنة 1869، غير أن الوثيقة نفسها بقيت ، وبعد وفاته عثر عليها هويسمان بين أوراقه، ثم انتهت لاحقاً في مكتبة الفاتيكان.

هذه النقطة ضرورية لفهم شخصيته: بولان لم يُطرد من الكنيسة مباشرة بسبب قضية الطفل، بل ظل سنوات يحاول العمل داخل الإطار الكاثوليكي حتى بعد سجنه وكان يرى نفسه مصلحاً وصوفياً مضطهداً، لا عابداً للشيطان.

الخطيئة التي تكفّر عن الخطيئة

مع مرور الوقت أخذ بولان يطور تعليماً أكثر خطورة، عرف باسم «الاستبدال الصوفي» ، وفق هذا التصور، يمكن لبعض «النفوس المكفّرة» أن تتحمل الهجمات والخطايا نيابة عن الآخرين، وفي أكثر القراءات تطرفاً، لم تعد النفس المختارة تعاني فقط بسبب خطيئة شخص آخر، بل قد تدخل في الخطيئة نفسها كي تحرر الآخر منها.

وهكذا انقلبت الفكرة التقليدية رأساً على عقب: بدلاً من أن يكون الامتناع عن الخطيئة طريقاً إلى الخلاص، صار ارتكاب بعض الأفعال، متى تم بروح «تكفيرية»، يُقدّم بوصفه عملاً خلاصياً.

اتهم خصوم بولان هذه العقيدة بأنها وسيلة دينية لتبرير علاقات جنسية وطقوس غير مألوفة، وقيل إنه علّم بعض النساء اللاتي يعتقدن أنهن واقعات تحت تأثير الشياطين طرقاً من الإيحاء الذاتي والتخيل، تمكنهن من اختبار لقاءات حسية في المنام مع المسيح أو القديسين.

لكن معظم المعلومات التفصيلية عن هذه الممارسات جاءت من خصومه، أو من أوراق استولى عليها رجال دخلوا دائرته متظاهرين بالولاء،  لذلك يصعب الفصل بين ما كان يعلّمه فعلاً، وما أضيف إليه أثناء الحرب الدعائية اللاحقة.

هل كان بولان شيطانياً ؟

على الرغم من سمعته، لم يصف بولان نفسه قط بأنه شيطاني، على العكس ، كان يصر على أنه يحارب الشيطان، وأن طقوسه تهدف إلى إنقاذ النفوس من الأرواح الشريرة.

لكن مشكلته أنه استخدم لغة مسيحية في بناء نظام باطني خاص به؛ نظام جمع بين طرد الأرواح، والرؤى، والتكفير، والرموز السحرية، والاتحاد الروحي أو الجسدي مع كائنات سماوية.

بالنسبة إلى الكنيسة، كان مهرطِقاً يسيء استخدام الأسرار الدينية ، وبالنسبة إلى خصومه من السحرة وجماعة الصليب الوردي (الروزكروشيين) كان ممارساً للسحر الأسود يختبئ تحت ثوب الكاهن.

أما هو فكان يعتقد أن الفريقين لم يفهما رسالته ، وفي يوليو/تموز 1875 وبعد نزاع طويل مع رئيس أساقفة باريس، ترك بولان الكنيسة الكاثوليكية نهائياً.

نبي جديد في ليون

بعد خروجه من الكنيسة، وجد بولان عالماً دينياً بديلاً في حركة أسسها المتصوف الفرنسي أوجين فانتراس ، كان فانتراس قد ادعى تلقي رؤى إلهية، ورأى في نفسه تجسيداً أو امتداداً للنبي إيليا، ورسولاً يمهد لمرحلة جديدة من التاريخ الديني سماها أتباعه أحياناً «عصر الروح القدس» أو «مملكة البارقليط».

ارتبطت جماعته بما قيل إنها رقائق قربان تظهر عليها علامات أو كتابات دموية بصورة معجزة، وبطقوس وملابس كهنوتية غير معترف بها من الكنيسة.

تواصل بولان مع فانتراس في الفترة الأخيرة من حياته، وبعد وفاة الأخير في ديسمبر/كانون الأول 1875 أعلن نفسه وريثاً له وقائداً لـ«عمل الرحمة»،  لكنه لم يحظَ بإجماع أتباع فانتراس؛ إذ اعترف به عدد محدود فقط من رجال الحركة، بينما رفضه آخرون وعدّوه دخيلاً يريد الاستيلاء على تراث مؤسسهم.

انتقل بولان إلى ليون وأعاد تشكيل الجماعة وفق رؤيته الخاصة، قيل إنه كان يحمل علامة نجم خماسي قرب إحدى عينيه وإنه ادعى لنفسه دوراً شبيهاً بدور يوحنا المعمدان، مقابل ادعاء فانتراس الارتباط بإيليا .

داخل هذه الدائرة الصغيرة، صار بولان كاهناً ونبياً ومعالجاً وطارد أرواح في آن واحد.

الرجلان اللذان دخلا المعبد

في نوفمبر/تشرين الثاني 1886 وصل إلى ليون شاب أرستقراطي وشاعر مولع بالسحر يدعى ستانيسلاس دي غوايتا، كان من أبرز 

وجوه النهضة الباطنية الفرنسية، وسيصبح لاحقاً من مؤسسي «المنظمة القبالية للصليب الوردي».

جاء دي غوايتا إلى بولان بدافع الفضول وربما رغبة في معرفة حقيقة ما يجري داخل جماعته، وفي الفترة نفسها تقريباً، دخل الماسوني والباحث في الرموز أوزوالد ويرث إلى دائرة بولان، متظاهراً لفترة بأنه تلميذ مخلص.

ظل ويرث أكثر من عام قريباً من الجماعة حتى حصل على وثائق مكتوبة تلخص عقائد بولان وطقوسه، بعدها قطع صلته به وسلّم المواد إلى دي غوايتا.

رأى الرجلان فيما قرآه دليلاً على أن بولان لا يمارس التصوف المسيحي بل نوعاً من السحر الجنسي والعمليات التي عدّاها شيطانية.

لكن بدلاً من التوجه إلى محكمة مدنية أو كنسية، شكلا ما وصفاه بـ  «محكمة باطنية».

وفي مايو/أيار 1887 جرى إبلاغ بولان بأن المحكمة أدانته، لم تكن العقوبة قانونية، لكن بولان فسر الرسالة على أنها حكم سحري بالإعدام، ومنذ ذلك اليوم أخذ يتوقع أن يهاجمه دي غوايتا وويرث من العالم غير المرئي.

الحرب التي لم تستخدم فيها الجيوش

لم تكن «حرب السحرة» مواجهة واحدة، بل سنوات من الاتهامات والرسائل والطقوس المضادة ، كان بولان يقول إنه يتعرض لهجمات روحية تتجسد في:

- آلام مفاجئة في الجسد.

- اختناق وثقل في الصدر.

- اضطرابات في النوم.

- رؤى لكائنات أو تيارات سوداء.

- حوادث غريبة تصيب أتباعه وحيواناتهم.

- شعور بأن قوة خفية تحاول اختراق دائرته.

وفي المقابل، اتهمه دي غوايتا وويرث بأنه يرسل إليهما هجمات من النوع نفسه.

كان كل طرف يرى المرض أو المصادفة أو سوء الحظ دليلاً على نجاح تعاويذ الطرف الآخر، ومع مرور الوقت أصبحت الحرب النفسية لا تقل تأثيراً عن أي طقس مفترض؛ لأن كلاً منهم كان يعيش مترقباً الضربة القادمة.

وفي سنة 1891 نشر دي غوايتا وويرث كتاب «معبد الشيطان» – Le Temple de Satan، وعرضا فيه أجزاء من العقائد التي نسباها إلى بولان وقدماه باعتباره واحداً من أخطر ممارسي السحر المنحرف في فرنسا.

هويسمان يدخل عالم السحرة

كان الكاتب جوريس كارل هويسمان يعمل في ذلك الوقت على رواية تتناول الشيطانية والسحر الأسود في فرنسا المعاصرة.

تعرّف إلى بولان قرابة سنة 1890، على الأرجح بواسطة بيرت دو كوريير، وهي امرأة ارتبط اسمها بالأوساط الأدبية والباطنية، وجد هويسمان في الكاهن المنبوذ مصدراً مثالياً: رجل يتحدث بثقة عن القداديس السوداء، والمس الشيطاني، والكهنة المنحرفين، والعمليات السحرية التي يقال إنها ما زالت تمارس سراً في باريس.

أصبح بولان أحد المصادر الأساسية لرواية هويسمان  «هناك في الأسفل» Là-Bas الصادرة سنة 1891 واستوحى الكاتب منه شخصية «الدكتور يوهانس» المعالج الروحاني الذي يقاوم عبدة الشيطان ويحمي ضحاياهم.

قدّم هويسمان روايته إلى القراء كما لو أنها تكشف عالماً سرياً حقيقياً، لكنه كان يعتمد بدرجة كبيرة على رسائل بولان وحكاياته، وهو ما دفع بعض السحرة المعاصرين إلى اتهامه بأنه وقع ضحية خدعة أو تضليل متعمد.

وهكذا لم تبقَ أسطورة بولان داخل جماعة صغيرة في ليون، بل انتقلت عبر الأدب إلى جمهور أوروبي واسع.

الموت والاتهام الأخير

في أواخر سنة 1892 كان بولان يعاني مشكلات صحية خطيرة، وكان قد أدين أيضاً بممارسة الطب من دون ترخيص في محكمة تريفو، ويبدو أن هويسمان ساعده في دفع الغرامة، ما يكشف مدى قربهما في تلك الفترة.

عندما اشتد مرضه، لم يفسره بولان بوصفه نهاية طبيعية لرجل تجاوز الثامنة والستين، بل باعتباره المرحلة الأخيرة من الهجوم الذي بدأ بحكم المحكمة الباطنية سنة 1887.

في الرابع من يناير 1893 مات في ليون.

أسباب الوفاة التي ترد في السير الحديثة ترتبط بمرض في القلب أو أزمة صحية حادة، لكن بولان نفسه وأتباعه نسبوها في أيامه الأخيرة إلى السحر الأسود الذي أرسله دي غوايتا وويرث.

صدق هويسمان الرواية، وكتب إلى أصدقائه أن بولان قُتل نتيجة عملية سحرية، كما اعتقد أنه هو نفسه أصبح هدفاً لهجمات خفية بعد دفاعه عن الكاهن.

من السحر إلى المسدسات

كان الصحفي والكاتب جول بوا من المدافعين عن بولان، وبعد الوفاة نشر اتهامات علنية ضد دي غوايتا، متهماً إياه بقتل الكاهن عن طريق السحر.

في مجتمع كانت المبارزة فيه ما تزال وسيلة للدفاع عن الشرف، لم يتأخر الرد.

تحدى دي غوايتا جول بوا إلى مبارزة بالمسدسات والتقى الرجلان وأُطلقت النار، لكن أياً منهما لم يصب.

بدلاً من أن تنهي المبارزة القصة، أضافت إليها طبقة جديدة من الغموض، فقد زعم جول بوا لاحقاً أن إحدى الرصاصات تعطلت أو «توقفت» داخل المسدس بفعل قوة غير طبيعية، كما رويت حكايات عن خيول رفضت السير إلى مكان المبارزة وكأنها استشعرت خطراً خفياً.

لا يمكن التأكد من دقة هذه التفاصيل، لكن المبارزة نفسها وقعت بالفعل، وخرج منها الطرفان سالمين.

كما خاض جول بوا مبارزة أخرى مع الطبيب والساحر جيرار أنكوس، الشهير باسم بابوس، بسبب النزاع نفسه، لتنتهي «الحرب السحرية» بصورة شديدة الغرابة: خلافات بين المتصوفين بدأت برسائل وتعويذات، ثم وصلت إلى مسدسات حقيقية.

تحقيق : ماذا نعرف فعلاً عن بولان ؟

حتى هذه النقطة تبدو قصة بولان كرواية رعب قوطي: طفل مشوه، كاهن مطرود، جماعة سرية، طقوس حسية، سحرة يتبادلون اللعنات، ثم موت يتبعه إطلاق نار ، لكن الملف التاريخي أكثر تعقيداً.

أولاً: هل ضحى بولان بطفله ؟

لا توجد أمامنا محاكمة قتل ولا تقرير شرعي ولا جثة محفوظة في السجلات المعروفة.

المثبت أن بولان وأديل حوكما سنة 1861 وأدينا بالاحتيال، أما قصة الطفل فتظهر بصورة أقوى في اعترافاته السرية والروايات التي تداولها خصومه وكتّاب سيرته لاحقاً.

ومن المحتمل أن طفلاً وُلد فعلاً من علاقته بأديل واختفى أو مات، لكن وصفه بأنه «ابن لوسيفر»، أو القول إنه ذُبح في قداس أسود، لا يستند إلى دليل قضائي مباشر.

لذلك لا يصح أن نقول إن بولان أدين بقتل ابنه أو التضحية به، الأدق أن نقول إن طفلاً منسوباً إليه اختفى في ظروف غامضة، ثم تحولت الحادثة إلى إحدى أكثر أساطير الشيطانية الفرنسية ظلمة.

ثانياً: هل كان يمارس السحر الجنسي ؟

توجد قرائن أقوى هنا، لكنها لا تخلو من مشكلات ، لدينا وثائق وتعاليم نسبت إليه تتحدث عن «أفعال الحب» بوصفها وسيلة للخلاص، وعن لقاءات حسية أو روحية مع القديسين، كما أن أشخاصاً دخلوا جماعته، مثل أوزوالد ويرث، نقلوا نصوصاً قالوا إنها تكشف عقائده.

لكن هؤلاء الأشخاص أصبحوا خصوماً له، وبعضهم دخل دائرته أصلاً بغرض كشفه، ولهذا لا يمكن التعامل مع شهاداتهم بوصفها محايدة تماماً.

الأرجح أن بولان طوّر بالفعل تصوفاً ذا مضمون جنسي وأنه استخدم مفاهيم التكفير والاتحاد الروحي لتبرير ممارسات غير مقبولة كنسياً، إلا أن وصف كل ما فعله بأنه «عبادة للشيطان» كان حكماً أطلقه خصومه، لا اسماً اختاره لنفسه.

ثالثاً: هل كانت الحرب السحرية حقيقية ؟

كانت حقيقية بمعنى أن أطرافها آمنوا بها، وكتبوا عنها، واتخذوا قرارات خطرة بناء عليها ، أما وجود طاقة خارقة انتقلت فعلاً بين ليون وباريس، فلا يوجد دليل مستقل يثبتها.

كان بولان مريضاً ومتقدماً في العمر، وكان يعيش تحت ضغط نفسي دائم، مقتنعاً بأن جماعة قوية حكمت عليه بالموت، في مثل هذه البيئة قد تتحول أي خفقة قلب أو ألم أو حادث عرضي إلى دليل على هجوم.

وفي المقابل، كان خصومه أيضاً يؤمنون بدرجات مختلفة بإمكان التأثير السحري عن بعد، لذلك نشأ نظام مغلق يفسر نفسه بنفسه: عندما يمرض شخص تكون التعويذة قد نجحت، وعندما ينجو تكون الحماية المضادة قد نجحت.

ومهما كان الحكم على السحر، فإن التأثير النفسي للخوف والتوقع لا يحتاج إلى قوى خارقة كي يكون حقيقياً.

رابعاً: هل قتله دي غوايتا بولان ؟

لا يوجد دليل تاريخي أو طبي مقنع على ذلك.

مات بولان في سن لم تكن صغيرة بمقاييس القرن التاسع عشر، وكان يعاني اعتلالاً صحياً قبل وفاته، أما دي غوايتا فأنكر الاتهامات وواجه من روجها في مبارزة علنية.

الربط بين «حكم» سنة 1887 ووفاة سنة 1893 بعد ست سنوات لا يكفي لإثبات عملية قتل،  لكنه كان كافياً داخل العقلية الباطنية لتفسير الموت باعتباره تنفيذاً متأخراً للحكم.

وقد ساهم هويسمان، بما كان يتمتع به من شهرة أدبية، في تحويل الاعتقاد الشخصي إلى أسطورة ثقافية استمرت بعد موت جميع أطرافها.

خامساً: هل كانت الشياطين تسمم بالرصاص ؟

ظهرت حديثاً قراءة غير مألوفة لقضية بولان، تنطلق من موقع جماعته في سيفر بالقرب من صناعة الخزف الشهيرة.

اعتمد إنتاج الخزف تاريخياً على مركبات تحتوي الرصاص في بعض أنواع الطلاء والتزجيج، والتعرض المزمن للرصاص قادر على إحداث أضرار عصبية، واضطراب في الإدراك والمزاج، ومشكلات سلوكية، كما قد يزيد خطر الأذى على الحمل والجنين.

من هنا اقترح بعض الكتّاب فرضية تقول إن مياه الآبار قرب مصانع الخزف ربما كانت ملوثة، وإن بولان وأديل وأفراد جماعته تعرضوا للرصاص أو معادن سامة أخرى، وبحسب هذا التصور يمكن أن يكون تشوه الطفل واضطراب سلوك أفراد الجماعة مرتبطين بالسموم لا بالشياطين.

الفرضية جذابة، لكنها تواجه فجوات كبيرة:

- لا نملك تحليلاً لمياه البئر الذي استخدمه المنزل.

- ولا نملك دليلاً مؤكداً على أن بولان اعتمد على بئر ملوث.

- ولا توجد نتائج طبية أو عينات من جسده تثبت تعرضه للرصاص.

- كما أن وجود مصنع قرب مكان ما لا يعني تلقائياً أن جميع سكانه أصيبوا بالتسمم.

- وفوق ذلك، لا يسبب الرصاص عادة نظاماً عقائدياً مفصلاً من تلقاء نفسه. قد يؤثر في الإدراك والسلوك، لكنه لا يفسر وحده السياق الديني والثقافي الذي صنع أفكار بولان.

لذلك تبقى فرضية التلوث الصناعي احتمالاً بحثياً مثيراً، لا تفسيراً تاريخياً مثبتاً. ويمكن أن تفسر، إن صحت، بعض الأعراض أو التشوهات، لكنها لا تكفي لإلغاء عوامل أخرى مثل الشخصية، والسلطة، والرغبة، والإيحاء، والصراع مع الكنيسة.

الوجه الآخر للأسطورة

ربما لا تكمن أهمية بولان في سؤال: هل كان ساحراً حقيقياً ؟ بل في قدرته على جعل الحدود تنهار بين أدوار متناقضة.

كان كاهناً يتهمه الكهنة بالهرطقة وطارد أرواح يتهمه السحرة بخدمة الشيطان ، ومعالِجاً حوكم بسبب الاحتيال وممارسة الطب.

ورجلاً اتهم بقتل طفله، مع أن المحكمة لم تحاكمه على جريمة قتل.

وخصماً لسحرة، مع أنه استخدم لغتهم وآمن بقوة لعناتهم.

ثم أصبح شخصية أدبية، حتى بات من الصعب معرفة أين تنتهي حياة جوزيف أنطوان بولان وأين تبدأ الشخصية التي صنعها هويسمان والروزكروشيون والصحافة.

قد يكون بولان قد استغل الإيمان والمرضى من حوله وقد يكون هو نفسه صدق رؤاه وخاف فعلاً من الشياطين.

وقد يكون بعض ما نسب إليه تضخيماً أو افتراء من خصوم خاضوا معه حرباً شخصية وفكرية.

لكن المؤكد أنه عاش في زمن كانت فيه أوروبا تعلن انتصار العلم والعقل، بينما كانت غرفها المغلقة تمتلئ بالسحرة والوسطاء والمتصوفين والجمعيات السرية.

وفي قلب ذلك التناقض وقف كاهن يحمل قرباناً في يد ورمزاً باطنياً في اليد الأخرى، غير قادر على التمييز بين الوحي والهوس، وبين طرد الشيطان واستدعائه.

أما موته، فربما كان أزمة قلبية عادية وربما ساهم الخوف المزمن في تسريعها وربما كانت هناك مواد سامة تتسرب ببطء في التربة والماء.

لكن بولان مات مقتنعاً بشيء واحد:

أن أعداءه لم ينتصروا عليه في كتاب أو محكمة أو مبارزة، بل وصلوا إليه من وراء الجدران، وأوقفوا قلبه بتعويذة.