لو قُدّر لك أن تعبر الكثبان الحمراء الهائلة في صحراء تيميمون الجزائرية، حيث تمتد الرمال إلى الأفق بلا نهاية، ثم ظهر أمامك فجأة حصن دائري ضخم يقف وحيداً وسط هذا البحر الصامت... فما أول سؤال سيخطر في بالك ؟ هل اختار البناؤون هذا المكان القاسي بإرادتهم ؟ أم أن الصحراء لم تكن يوماً كما نراها اليوم، وأن الرمال زحفت عبر القرون حتى ابتلعت الطرق والواحات، وأبقت هذا الحصن شاهداً وحيداً على زمن منسي ؟

هذه ليست رواية خيالية، بل اللغز الحقيقي الذي يحيط بقصر الدراع أو قصر الذراع، أحد أكثر المواقع الغامضة في الصحراء الجزائرية حيث تختلط الحقائق الأثرية بأساطير الكنوز التي يحرسها الجن.

ويثير اسم الموقع نفسه تساؤلًا فالمصادر العربية تسميه غالباً "قصر الذراع"، بينما ترد تسميته في المراجع الأجنبية بصيغة قصر الدراع Ksar Draa،  وفي اللهجات الصحراوية المغاربية، نجد كلمات مثل: درعة ، دراع ، درّاع وهي تستخدم أحياناً للدلالة على الامتداد أو الجرف أو السفح ، وحتى اليوم لا يوجد تفسير تاريخي متفق عليه لأصل هذه التسمية، إذ قد تكون تعريباً لاسم محلي أقدم، أو اسماً جغرافياً اندثر معناه بمرور الزمن، ومثل كثير من ألغاز القصر، بقي الاسم هو الآخر عصياً على التفسير.

من الذي بنى هذا الحصن ؟

يقع قصر الدراع بالقرب من واحة أولاد سعيد، على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً من مدينة تيميمون في ولاية تيميمون جنوب غرب الجزائر، عند أطراف العرق الغربي الكبير، أحد أكبر بحار الرمال في العالم، وتوحي الصور المنتشرة بأن القصر يقف في عزلة مطلقة، وكأنه شُيّد عمداً في قلب الصحراء لكن الواقع أكثر تعقيداً.

فالمنطقة بأكملها تنتمي إلى إقليم قورارة وهو إقليم اشتهر منذ قرون بواحاته ونخيله، واعتمد سكانه على شبكة هندسية مذهلة من القنوات الجوفية تعرف باسم الفقارات، كانت تنقل المياه لمسافات طويلة لري البساتين والحقول لذلك يعتقد بعض الباحثين أن المشهد الذي نراه اليوم قد لا يشبه المشهد الذي عرفه البناؤون الأوائل.

فمن الممكن أن يكون القصر عند إنشائه قريباً من طريق للقوافل، أو نقطة ماء، أو واحة صغيرة، قبل أن تزحف الكثبان الرملية تدريجياً فتدفن الطرق والمنشآت الأصغر، وتترك الحصن وحده ظاهراً فوق الرمال.

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن حفريات أثرية تثبت وجود واحة ملاصقة للقصر نفسه، لذلك تبقى هذه الفكرة فرضية منطقية أكثر منها حقيقة مؤكدة.

بناء بلا تاريخ

المفارقة أن أحداً لا يستطيع أن يحدد تاريخ بنائه ، فلا توجد كتابة تأسيسية ولا نقش يحمل اسم بانيه، ولا وثيقة تاريخية تصف ظروف إنشائه وتتراوح التقديرات المنشورة بين العصور الوسطى والقرنين السابع عشر والثامن عشر، بينما تردد بعض المصادر الشعبية أن عمره يزيد على ألف عام ، لكن الحقيقة أن أياً من هذه التواريخ لم يحسم بدراسة أثرية منشورة أو تحليل علمي لمواد البناء ، وهذا يجعل القصر واحدًا من أندر الأبنية التي نجهل فيها ثلاثة أمور أساسية في الوقت نفسه:

من بناه ؟ متى بُني؟ ولماذا بُني ؟ لماذا يبدو مختلفاً عن غيره ؟

لا يشبه قصر الدراع معظم القصور الصحراوية التقليدية ، فقد بُني وفق تصميم دائري أو شبه دائري، تحيط به أسوار مزدوجة سميكة، ولا يسمح بالدخول إليه إلا عبر مدخل واحد ، أما داخله، فتنتشر الغرف والممرات في تخطيط يمنح البناء طابعاً دفاعياً واضحاً ، ويرى بعض الباحثين أن هذه العمارة تشير إلى أنه كان حصناً لحماية القوافل التجارية التي كانت تعبر الصحراء محملة بالذهب والملح والعاج والبضائع النفيسة بينما يعتقد آخرون أنه كان مخزناً محصناً للحبوب والمؤن ، وهناك من يرى أنه كان ملجأً لجماعة اضطرت إلى الاحتماء خلف جدرانه في فترة من الاضطرابات ، لكن أياً من هذه الفرضيات لم يحسم حتى اليوم.

هل بناه اليهود ؟

من أكثر الروايات تداولًا أن القصر ربما ارتبط بجماعات يهودية عاشت في إقليم توات أو لجأت إليه بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة في أواخر القرن الخامس عشر ، غير أن هذه الفرضية تعتمد على روايات تاريخية محلية ولم يعثر حتى الآن على دليل أثري داخل القصر يؤكد هوية سكانه أو ديانتهم ، ولهذا تبقى مجرد احتمال من بين عدة احتمالات.

عندما يبدأ الفولكلور

كلما غابت الوثائق، بدأت الأسطورة في كتابة التاريخ ، وهذا ما حدث مع قصر الدراع ، ففي المخيلة الشعبية المحلية، يقال إن الحصن يخفي كنزاً دفنه أصحابه قبل أن يختفوا وأن هذا الكنز ليس متروكاً بلا حراسة بل تحرسه قوى خفية أو جن الصحراء، فلا يستطيع أحد الوصول إليه مهما حاول.

وتنسجم هذه الروايات مع واحدة من أشهر المعتقدات الشعبية في شمال أفريقيا، وهي فكرة "الكنز المرصود"، التي تقول إن بعض الكنوز القديمة أوكلت حراستها إلى الجن، فلا تُستخرج إلا بطقوس خاصة أو بإذن من القوى التي تحرسها ، لكن من المهم التمييز بين التراث الشعبي والحقيقة التاريخية فحتى الآن لا توجد أي دراسة أثرية أو شهادة موثقة تثبت أن قصر الدراع شهد ظواهر خارقة، أو ظهور كيانات غامضة، أو حوادث غير مفسرة.

لماذا اختفى دوره ؟

إذا كان القصر بالفعل محطة مهمة للقوافل أو حصناً دفاعياً فلماذا تم تركه ؟ لا أحد يعلم ، ربما تبدلت طرق التجارة ، وربما تراجعت موارد المياه وربما غادره سكانه بعد تغير الظروف السياسية أو الاقتصادية ، ومع مرور القرون واصلت الرياح دفع الكثبان الرملية نحو المكان حتى بدا وكأنه خرج من قلب الصحراء نفسها ، ويقف اليوم صامتاً بينما تتغير تضاريس الرمال حوله عاماً بعد عام.

بين التاريخ والماورائيات

قد يكون قصر الدراع مجرد حصن صحراوي فقد اسمه مع الزمن ، وقد يكون آخر شاهد على مرحلة مجهولة من تاريخ التجارة عبر الصحراء ، أما أساطير الجن والكنوز فهي على الأرجح محاولة بشرية لملء الفراغ الذي تركه غياب الوثائق، تماماً كما حدث مع عشرات المواقع الأثرية الغامضة في العالم لكن ذلك لا يقلل من رهبة المكان.

ففي بعض الأحيان، لا يكون أكثر ما يرعبنا هو وجود الأشباح... بل أن نقف أمام بناء ضخم، شُيد بجهد هائل ثم ندرك أننا لا نعرف حتى اليوم من بناه، ولا متى بُني، ولا لماذا اختير له هذا الموقع بالذات ، وربما لهذا السبب ما زال قصر الذراع  أو الدراع يثير الخيال أكثر مما تثيره كثير من الأساطير؛ لأن غموضه ليس من صنع الروايات... بل من صنع التاريخ نفسه.