هناك حشرات تثير الاشمئزاز، وأخرى تثير الإعجاب، لكن قلّما توجد حشرة أثارت في البشر رهبةً واحتراماً مثل فرس النبي، فمنذ آلاف السنين لم ينظر إليه الإنسان على أنه مجرد مفترس صغير يختبئ بين الأعشاب، بل رأى فيه رسولاً من السماء، ودليلاً إلى الطريق، وتجسيداً للخالق، ورمزاً للحكمة، بل وحتى مخلوقاً يظهر في أكثر روايات الاختطاف الفضائي غرابة في العصر الحديث.
فكيف وصلت حشرة لا يتجاوز طولها بضعة سنتيمترات إلى هذه المكانة الفريدة في مخيلة الإنسان ؟
ليس اسماً عابراً
في العربية يسمى فرس النبي، بينما تعرفه الإنجليزية باسم Praying Mantis أي "السرعوف المصلي"، وفي الفرنسية Mante Religieuse، وهي جميعها تسميات استلهمت وضعيته الشهيرة عندما يرفع قائمتيه الأماميتين وكأنه يقف في صلاة أو تأمل.
لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في اسمه العلمي ، فكلمة Mantis تعود إلى اليونانية القديمة μάντις، وهي لا تعني "الحشرة"، بل تعني العراف أو النبي أو الكاهن الذي يفسر رسائل الآلهة، وهذا يكشف أن الإغريق لم يروا في هذه الحشرة مجرد شكل غريب، بل نسبوا إليها صلة بعالم الغيب والإلهام.
يرى بعض الباحثين أن السرعوف ربما ظهر في بعض تفسيرات كتاب الموتى المصري بوصفه كائناً يرافق الأرواح في رحلتها إلى العالم الآخر، كما أشار آخرون إلى وجود أوصاف آشورية تربطه بالعرافة واستحضار الأرواح ومع ذلك لا يوجد إجماع بين علماء الآثار على أن جميع تلك الإشارات تشير بالفعل إلى فرس النبي.
عندما أصبح فرس النبي خالق العالم
إذا أردنا البحث عن أقدم وأغرب الاعتقادات المرتبطة بهذه الحشرة، فعلينا أن نسافر إلى جنوب إفريقيا، حيث يعيش شعب السان، أحد أقدم الشعوب المعروفة في التاريخ الإنساني.
في أساطيرهم يظهر كائن يدعى كاغن Kaggen أو كانغ، لم يكن هذا الكائن بطلاً شعبياً عادياً، بل كان الخالق، والمخادع الحكيم، وسيد الحيوانات، والوسيط بين العالمين.
والأغرب من ذلك كله أنه كان يتجسد في هيئة فرس النبي.
في إحدى أشهر الأساطير، يصنع الكاغن أول ظبي من نوع الإيلاند، الحيوان المقدس لدى السان، ثم يمنحه الحياة لتبدأ منه بقية الكائنات. وفي روايات أخرى يمنح البشر النار بعد أن كانوا يعيشون في الظلام، ويشارك في خلق القمر، ويعلّم الناس مهارات البقاء، لكنه لا يفعل ذلك دائماً بطريقة مباشرة، بل من خلال الحيل والاختبارات، ولذلك يوصف أحياناً بأنه "المخادع الكوني"، وهي شخصية معروفة في عدد من أساطير الشعوب القديمة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يمتلك الكاغن قدرة دائمة على التحول، فيظهر مرة على هيئة فرس النبي، ومرة كأفعى، أو ظبي، أو يرقة، أو حتى حشرة صغيرة أخرى، في إشارة إلى أن الحدود بين الإنسان والطبيعة والروح لم تكن موجودة في التصور الديني القديم لهذا الشعب.نسبت بعض التقاليد الإفريقية إليه البركة أو استخدمته في تمائم محلية، وربطت ظهوره بالنذر أو بالحكمة، إلا أن الأدلة على وجود طقوس سحرية واسعة النطاق تعتمد عليه تبقى محدودة ، وهذا يميز فرس النبي عن غيره؛ فهو أقرب إلى رمز روحاني منه إلى أداة في الممارسات السحرية.
رسول يحمل رسالة
لم يكن فرس النبي مقدساً عند السان وحدهم ، ففي أجزاء من ناميبيا وجنوب إفريقيا استمرت حتى العصر الحديث معتقدات شعبية ترى أن ظهوره المفاجئ ليس مصادفة، بل رسالة تحمل معنى.
كان البعض يعتبر هبوطه على الإنسان بشارة خير، أو علامة على قرب حدوث أمر مهم، أو إشارة إلى قدوم المطر، بينما اعتقد آخرون أن قتله يجلب سوء الطالع.
ولذلك كان الأطفال يتعلمون منذ صغرهم ألا يؤذوا هذه الحشرة، ليس خوفاً منها، بل احتراماً لها، لأنها قد تكون تجلياً لكائن مقدس أو رسولاً من عالم الأرواح.
ورغم أن هذه المعتقدات تختلف من قبيلة إلى أخرى، فإنها تشترك جميعاً في فكرة واحدة: فرس النبي ليس حشرة عادية.
دليل للمسافرين
في اليونان القديمة اكتسب فرس النبي وظيفة مختلفة ، إذ كان الاعتقاد الشعبي يقول إن الحشرة تستطيع الإشارة إلى الطريق الصحيح للمسافر التائه، ولذلك كان بعض الناس يراقبون اتجاه قائمتيها الأماميتين وكأنهما بوصلة حية.
قد يبدو هذا الاعتقاد غريباً اليوم، لكنه ينسجم تماماً مع معنى كلمة Mantis نفسها، أي العراف أو المرشد الذي يكشف ما لا يراه الآخرون.
الحشرة التي ألهمت فنون القتال
في الصين اتخذ فرس النبي مساراً مختلفاً تماماً ، فبدلاً من اعتباره كائناً روحياً فقط، أصبح نموذجاً يحتذى في القتال ، وتروي الروايات أن أحد أساتذة الكونغ فو راقب هذه الحشرة وهي تواجه خصماً أكبر منها بكثير، فدهشته سرعتها ودقة حركاتها وقدرتها على الانتظار حتى اللحظة المناسبة قبل الانقضاض.
ومن هنا نشأ أحد أشهر أساليب القتال الصينية، المعروف باسم Praying Mantis Kung Fu ، لم يكن الهدف تقليد قوة الحشرة، بل تقليد صفاتها الذهنية: الصبر، والتركيز، والخداع، واستغلال الفرصة في اللحظة الحاسمة.
الأنثى التي صنعت أسطورة
ربما لا توجد حشرة ارتبطت بصورة الأنثى الغامضة مثل فرس النبي، فالأنثى قد تلتهم الذكر أثناء التزاوج أو بعده في بعض الظروف، وإن كان هذا السلوك لا يحدث في كل مرة كما تصور الأفلام الوثائقية.
لكن الإنسان القديم لم يكن يعرف هذا التفصيل ، كل ما رآه هو أن الأنثى تستدرج الذكر ثم تقتله ، وهكذا ولدت رموز كثيرة: الساحرة، والمرأة الفاتنة القاتلة، والأم التي تمنح الحياة وتأخذها في الوقت نفسه.
ولهذا أصبحت صورة فرس النبي حاضرة في الأدب والفنون الحديثة بوصفها رمزاً للقوة الأنثوية الغامضة، أو ما يعرف بصورة المرأة الفاتنة القاتلة.
عندما عاد فرس النبي... من الفضاء
لو انتهت القصة هنا لكانت مجرد رحلة في الفولكلور، لكن المفاجأة ظهرت في العقود الأخيرة.
ففي أدبيات الاختطاف الفضائي، بدأ عدد من الأشخاص يصفون كائنات طويلة القامة، ذات رؤوس مثلثة، وعيون كبيرة، وأذرع نحيلة، تشبه بصورة لافتة فرس النبي.
أطلق الباحثون المهتمون بهذه الشهادات عليها اسم "الكائنات المانتيسية" Mantis Beings
وبحسب الروايات، فإن هذه الكائنات تبدو هادئة، وتتواصل بالتخاطر، وتظهر أحياناً وكأنها تشرف على الكائنات الرمادية الشهيرة في قصص الاختطاف.
ولا يوجد أي دليل علمي يثبت وجود مثل هذه الكائنات، كما أن هذه الشهادات تبقى ضمن نطاق الروايات الشخصية والتفسيرات النفسية والماورائية المتنافسة. لكن اللافت أن الشكل نفسه – الرأس المثلث، والنظرة الثابتة، والهدوء الغريب – يعيد إلى الأذهان صورة الحشرة التي حملت لقب "العراف" قبل أكثر من ألفي عام.
مصادفة... أم رمز يسافر عبر الزمن ؟
هل انتقلت صورة فرس النبي من أساطير إفريقيا إلى مخيلة الإنسان الحديث عبر الثقافة والفن ؟ أم أن العقل البشري، في كل عصر، يجد في هذه الحشرة شيئاً يتجاوز طبيعتها البيولوجية ؟
لا يملك أحد جواباً قاطعاً.
لكن من اللافت أن شعوباً لم تعرف بعضها بعضاً نسبت إلى الكائن نفسه صفات متقاربة: الحكمة، والصبر، والإرشاد، والقدرة على العبور بين العوالم.
قد يكون ذلك مجرد نتاج لهيئته الفريدة وسلوكه الهادئ، وقد يكون انعكاساً لآلية نفسية تمنح الأشكال غير المألوفة معاني روحية.
أياً يكن التفسير، يبقى فرس النبي مثالاً مدهشاً على قدرة كائن صغير على احتلال مساحة واسعة في أساطير البشر، من كهوف جنوب إفريقيا إلى معابد الصين، ومن فلسفة الإغريق إلى أكثر قصص الماورائيات المعاصرة إثارة.
وربما لهذا السبب، عندما ترى فرس النبي واقفاً بلا حراك، رافعاً قائمتيه نحو السماء، ستفهم لماذا لم ير فيه أسلافنا مجرد حشرة... بل كائناً يحمل سراً لم يُكشف كاملاً حتى اليوم.