وسط غابة هادئة في مقاطعة غيونغي الكورية الجنوبية، يقف مبنى مهجور تكسوه النباتات البرية وتلتهم الرطوبة جدرانه المتشققة، لا تبدو مصحة غونجيام Gonjiam Asylum للوهلة الأولى مختلفة عن عشرات المباني المهجورة حول العالم، لكن اسمها أصبح مرادفاً للرعب في الثقافة الكورية الحديثة.
فمنذ أكثر من عقدين، يتناقل الناس قصصاً عن صرخات مجهولة، وأشباح تتجول بين الممرات، وغرفة مغلقة تحمل الرقم 402 يقال إن من يدخلها لا يعود كما كان.
لكن، هل كانت غونجيام حقاً مسكونة ؟ أم أنها مجرد أسطورة حضرية نمت حتى أصبحت أشهر من الحقيقة نفسها ؟
البداية... مصحة عادية
شُيدت مصحة غونجيام عام 1961 لتكون مستشفى للأمراض النفسية واستقبلت على مدى عقود مرضى من مناطق مختلفة في كوريا الجنوبية وكغيرها من المصحات في تلك الحقبة لم تكن ظروف العلاج النفسي مثالية وكانت تعاني من نقص التمويل والكوادر، وفي عام 1996 أغلقت المصحة أبوابها نهائياً، تاركة خلفها مباني فارغة بدأت الطبيعة تستعيدها ببطء.
وهنا بدأت القصة الحقيقية... أو ربما الأسطورة.
كيف وُلدت الأسطورة ؟
لم يمض وقت طويل على إغلاق المصحة حتى بدأت تنتشر روايات متضاربة حول سبب إغلاقها، وأشهرها أربع قصص ما زال كثيرون يرددونها حتى اليوم:
- أن مديرة المصحة قتلت جميع المرضى ثم اختفت دون أثر.
- أن عشرات المرضى انتحروا في ليلة واحدة.
- أن الحكومة الكورية أخفت حقيقة ما جرى داخل المبنى.
- وأن الغرفة رقم 402 أُغلقت بعد وقوع حادثة مرعبة، ولم ينجح أحد في فتحها منذ ذلك الحين.
ورغم الانتشار الواسع لهذه الروايات لم يعثر الباحثون أو الصحفيون على سجلات رسمية تؤكد أياً منها، وتشير الوثائق المتوافرة إلى أن إغلاق المصحة كان نتيجة مشاكل مالية وإدارية، لا بسبب كارثة غامضة أو مذبحة جماعية.
لكن الحقيقة وحدها لم تكن كافية لإيقاف الخيال.
الغرفة 402
إذا سألت أي كوري عن غونجيام، فغالباً سيذكر لك الغرفة رقم 402 ، يقال إن الباب كان مغلقاً بالسلاسل، وإن كل من حاول فتحه أصابه مكروه، أو سمع أصواتاً غريبة خلفه.
اللافت أن كثيراً من مستكشفي الأماكن المهجورة الذين زاروا المصحة أكدوا أن الغرفة كانت مغلقة بالفعل، لكن لا يوجد دليل يثبت أن وراءها سراً خارقاً للطبيعة. ويعتقد بعض الباحثين أن المالك أغلق بعض الغرف لمنع المتسللين من العبث بالمبنى، إلا أن الغموض حول الباب جعل منه رمزاً للأسطورة بأكملها.
شهادات الزوار
منذ بداية الألفية الجديدة، أصبحت غونجيام وجهة مفضلة لهواة استكشاف الأماكن المهجورة وصناع المحتوى على الإنترنت.
ومن بين أكثر الروايات تكراراً:
- سماع خطوات في الطابق العلوي رغم خلو المبنى.
- طرقات متتالية على الجدران.
- ظهور ظل يشبه امرأة تقف في نهاية الممر.
- توقف الكاميرات أو نفاد بطارياتها فجأة.
- شعور مفاجئ بالاختناق أو الدوار داخل بعض الغرف.
وفي إحدى الشهادات المنشورة على الإنترنت، قال أحد المستكشفين إنه أثناء تصويره للممر الرئيسي لمح انعكاس شخص يقف خلفه في شاشة الكاميرا، لكنه عندما استدار لم يجد أحداً.
بينما روى آخر أنه سمع كرة صغيرة ترتطم بالأرض عدة مرات، وعندما بحث عن مصدر الصوت لم يجد شيئاً.
ومع ذلك، تبقى هذه القصص شهادات فردية لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل، وهو ما يجعلها أقرب إلى الروايات الشخصية منها إلى الأدلة.
عندما دخل الصحفيون... أين اختفت الأشباح ؟
حاول عدد من الصحفيين والباحثين الكوريين تقصي حقيقة ما يحدث داخل المصحة ، وخلال زياراتهم، لم يجد معظمهم سوى مبنى متداعياً يسكنه أحياناً متشردون أو هواة تصوير، بينما تبين أن بعض المقاطع المنتشرة على الإنترنت كانت تعتمد على مؤثرات بصرية أو أشخاص يتنكرون لإخافة الزوار.
كما أن طبيعة المكان نفسها قد تفسر كثيراً مما يراه الناس؛ فالممرات الطويلة، والزجاج المكسور، والرياح التي تمر عبر النوافذ، والأصوات الناتجة عن تمدد الحديد والخشب، كلها عوامل قادرة على خلق أجواء تجعل الدماغ يفسر أي صوت أو حركة على أنها شيء خارق للطبيعة.
من مبنى مهجور إلى أشهر مكان مسكون
في عام 2012 وضعت شبكة سي إن إن ترافيل CNN Travel غونجيام ضمن أشهر الأماكن المرعبة في العالم ومنذ ذلك الوقت، تضاعف عدد الزوار، وتحولت المصحة إلى مقصد عالمي لسياحة الرعب ، ثم جاء فيلم Gonjiam: Haunted Asylum عام 2018 ليمنح الأسطورة حياة جديدة.
يحكي الفيلم قصة فريق من صناع المحتوى يبثون مغامرتهم مباشرة من داخل المصحة، لكن ما يبدأ كتجربة بحث عن المشاهدات يتحول إلى مواجهة مع قوى لا يستطيعون تفسيرها.
ورغم أن الفيلم لم يُصوَّر داخل المبنى الحقيقي، فإنه استوحى تصميمه وقصصه من الأسطورة المتداولة، وساهم بشكل كبير في انتشار اسم غونجيام خارج كوريا.
النهاية... لم تهدمها الأشباح
بعد سنوات من اقتحام الزوار للمكان، وتعرضه للتخريب، وكثرة الإصابات الناتجة عن انهيار أجزاء من المبنى، بيع الموقع إلى مالك جديد ، وفي عام 2018 هُدمت المصحة بالكامل ، لم يكن السبب نشاطاً خارقاً للطبيعة، بل اعتبارات تتعلق بالسلامة، ورغبة المالك في إنهاء مسلسل التسلل المستمر إلى العقار.
وهكذا اختفى المبنى...لكن الأسطورة بقيت.
لماذا نصدق مثل هذه القصص ؟
يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن المعنى في الأماكن المهجورة، خاصة إذا كانت مرتبطة بالموت أو المرض أو المعاناة.
فالظلام، والصمت، والخراب، والمعرفة المسبقة بتاريخ المكان، كلها تجعل الدماغ أكثر استعداداً لتفسير الأصوات الطبيعية على أنها همسات، والظلال على أنها أشخاص، وانعكاسات الضوء على أنها أشباح.
وهذا لا يعني بالضرورة أن جميع الشهادات خاطئة، لكنه يذكرنا بأن التجربة الإنسانية مع الأماكن الغامضة معقدة، وتمتزج فيها المشاعر مع الإدراك، والواقع مع التوقع.