عندما يسمع معظم الناس عبارة "الأجسام الطائرة المجهولة"، تتبادر إلى أذهانهم مباشرة صورة مركبة معدنية قادمة من كوكب بعيد، تحمل مخلوقات فضائية متقدمة وصلت لاستكشاف الأرض. وقد سيطرت هذه الصورة على الثقافة الشعبية منذ خمسينيات القرن الماضي، حتى أصبحت شبه مسلمة لدى كثير من المهتمين بالظاهرة.

لكن أحد أبرز الباحثين الذين أمضوا أكثر من ستين عاماً في دراسة ملفات الأجسام الطائرة المجهولة UFO انتهى إلى نتيجة مختلفة تماماً.

إنه الباحث الفرنسي الأمريكي جاك فاليه Jacques Vallée، عالم الحاسوب والفلك السابق، وأحد الأشخاص الذين ساعدوا في تطوير شبكة اربانت ARPANET التي أصبحت لاحقاً النواة الأولى للإنترنت، والمفارقة أن الرجل الذي قضى حياته في تحليل آلاف الشهادات والوثائق لم ينته إلى الإيمان بفرضية "الزائر الفضائي"، بل أصبح أحد أبرز منتقديها.

الحادثة التي غيّرت حياته

لم يبدأ اهتمام جاك فالي بالأجسام الطائرة المجهولة من الكتب أو المختبرات، بل من تجربة شخصية عاشها في مراهقته.

في ربيع عام 1955، وكان في الخامسة عشرة من عمره، سمع صرخة والدته التي كانت تعمل في حديقة المنزل، خرج مسرعاً ليرى جسماً رمادياً على شكل قرص تعلوه قبة، يحوم بصمت فوق الكاتدرائية القوطية في مدينة بونتواز الفرنسية،  لم تستمر المشاهدة سوى أقل من دقيقة، لكنها تركت أثراً عميقاً في نفسه ، والأهم أن صديقه المقرب الذي كان يقف في مكان مرتفع ومعه منظار، شاهد الجسم نفسه ورسمه لاحقاً بصورة تطابقت مع ما رآه فالي. 

في البداية اعتقد والده أن الأمر لا يعدو كونه نموذجاً عسكرياً سرياً، وكاد فالي أن يقتنع بهذا التفسير، إلا أن تلك الحادثة ظلت تلاحقه، لتصبح الشرارة الأولى في رحلة بحث استمرت أكثر من ستة عقود.

وهناك حادثة أخرى لا تقل أهمية عن الحادثة الأولى وساهمت في تشكيل شكوكه تجاه تعامل المؤسسات مع الظاهرة.

ففي عام 1961، أثناء عمله في مرصد باريس ضمن برنامج تتبع الأقمار الصناعية، شارك في رصد جسم يدور حول الأرض في مدار تراجعي Retrograde Orbit، وهو أمر كان غير معتاد في ذلك الوقت، ويقول فاليه إن فريقه كان متحمساً لدراسة الجسم، لكن مسؤولاً حضر وأمر بإتلاف شريط التتبع الذي سجل البيانات. ظل فالي يروي هذه الحادثة باعتبارها أحد الأسباب التي جعلته يعتقد أن بعض المعلومات المتعلقة بالظاهرة قد لا تُناقش أو تُحفظ دائماً بصورة شفافة.

هل أخطأنا منذ البداية في فهم الظاهرة ؟

من عالم فلك إلى أشهر ناقد لفرضية الكائنات الفضائية، بدأ اهتمام فاليه من داخل المؤسسة العلمية، لا من خارجها.

ففي بداية الستينيات، كان يعمل في مرصد فلكي فرنسي، وهناك صادف تقارير عن أجسام مجهولة رصدتها أجهزة رسمية، لكنه فوجئ بأن بعض البيانات كانت تستبعد أو تحذف لأنها لا تنسجم مع التفسيرات المقبولة آنذاك.

أدرك أن هناك ظاهرة تستحق الدراسة، لكنها لا تحظى بالنقاش العلمي الذي تستحقه.

انتقل لاحقاً إلى الولايات المتحدة، حيث أصبح قريباً من مشاريع حكومية وعلمية عديدة، وتعرّف إلى الفلكي الأمريكي ج. ألين هاينك، مستشار مشروع Blue Book التابع للقوات الجوية الأمريكية.

ومع مرور السنوات، جمع آلاف الحالات من مختلف أنحاء العالم، وكانت هذه الملفات هي التي غيّرت قناعته.

لماذا رفض فرضية "الزائر الفضائي" ؟

طرح فاليه سؤالاً يبدو بسيطاً، لكنه هزّ أسس التفكير في الظاهرة:

إذا كانت هذه مركبات قادمة من حضارة متقدمة تبعد عشرات أو مئات السنين الضوئية، فلماذا تتصرف بهذه الطريقة الغريبة ؟

فالمركبات - بحسب آلاف الشهادات - لا تقوم عادة بما يتوقعه المرء من بعثة استكشاف علمية.

فهي تظهر ثم تختفي فجأة وتنفذ مناورات تبدو استعراضية أكثر منها عملية.

وتتكرر بالقرب من مناطق مأهولة ثم تختفي دون محاولة واضحة للتواصل مع الحكومات أو المؤسسات العلمية.

وفي حالات كثيرة، يبدو أن الهدف هو أن يشاهدها شخص أو شخصان فقط.

كما أن "المخلوقات" الموصوفة في تلك اللقاءات لا تبدو متجانسة، بل تختلف أشكالها بصورة كبيرة.

ولو كانت جميعها تنتمي إلى حضارة واحدة، لكان من المنطقي أن تكون أكثر تجانساً.

كل ذلك جعل فاليه يعتقد أن فرضية "الزائر الفضائي" قد تكون تفسيراً متسرعاً لظاهرة أكثر تعقيداً.

فرضية "نظام التحكم"

أشهر أفكار فاليه هي ما سماه Control System أو "نظام التحكم" ، وهو لا يقصد جهازاً مادياً، بل منظومة أو ذكاءً يتفاعل مع الحضارة الإنسانية عبر التاريخ.

بحسب هذا التصور، لا تهدف الظاهرة إلى غزو الأرض ولا إلى احتلالها، وإنما تمارس نوعاً من التأثير التدريجي في الثقافة البشرية ، فهي تظهر بطرق تكسر الصورة التقليدية للواقع، وتدفع الناس إلى إعادة التفكير في الكون والوعي والدين والعلم.

يشبّه فاليه الأمر بمنظم السرعة في السيارة أو بنظام تصحيح مسار الطائرة؛ تدخلات صغيرة لكنها تغير الاتجاه على المدى البعيد.

إنها ليست حرباً، بل إعادة تشكيل بطيئة للإدراك الإنساني.

كتاب "جواز سفر إلى ماجونيا"

في كتابه الشهير جواز سفر إلى ماجونيا Passport to Magonia قدم فاليه إحدى أكثر الأفكار جرأة في تاريخ أبحاث الأجسام الطائرة المجهولة UFO.

لاحظ أن أوصاف اللقاءات الحديثة مع "الكائنات الفضائية" تشبه بصورة مدهشة الروايات القديمة عن: الجنيات الأوروبية ، الأقزام، الأرواح، الكائنات الخارقة ، الملائكة ، والجن في ثقافات مختلفة.

ففي العصور الوسطى، كان الناس يتحدثون عن مخلوقات تهبط من السماء أو تظهر من عوالم خفية، تخطف البشر، وتعيدهم بعد مرور وقت قصير أو طويل، وتترك لديهم ذكريات غريبة.

وعندما قارن تلك الروايات بتقارير القرن العشرين، وجد تشابهاً بنيوياً لافتاً ، لذلك اقترح أن الظاهرة ربما تكون واحدة، لكن الإنسان يفسرها بلغته وثقافته.

ففي مجتمع ديني تظهر كملائكة أو جن وفي عصر الفضاء تظهر كمخلوقات فضائية.

فرضية "ما بين الأبعاد"

من هنا انتقل فاليه إلى فرضية أخرى أكثر شهرة وهي أن الظاهرة قد لا تكون قادمة من كواكب أخرى أصلاً بل ربما تنتمي إلى مستوى آخر من الواقع.

قد يكون بعداً فيزيائياً لا ندركه أو شكلاً من أشكال الذكاء غير المعروف أو شيئاً يتداخل مع وعينا أكثر مما يتداخل مع عالمنا المادي.

ومن اللافت أنه لم يحدد طبيعة هذا "الذكاء"، بل كان يؤكد باستمرار أن البيانات لا تسمح بذلك.

ولذلك رفض أيضاً القفز إلى تفسير ديني أو روحي ، فهو لم يقل إنها ملائكة ، ولم يقل إنها شياطين ، ولم يقل إنها جن ، كما لم يقل إنها مخلوقات فضائية.

بل كان يكرر: "ما زلنا لا نعرف."

هل تؤيد ملفات البنتاغون أفكار فاليه ؟

منذ عام 2017 وحتى يومنا هذا، عاد الملف إلى الواجهة بقوة بعد نشر البحرية الأمريكية عدة تسجيلات مثل FLIR وGimbal وGoFast، ثم إنشاء فرق رسمية للتحقيق في الظواهر الجوية المجهولة UAP داخل وزارة الدفاع الأمريكية ، وفي الآونة الأخيرة زاد تردد الكشف عن لقطات غريبة لأجسام في السماء وبسرعات خاطفة وأشكال عجيبة تخالف القانون الفيزيائي لأي جسم صنعه الإنسان ليطير.

كما أصدرت تقارير رسمية لاحقة أقرت بأن عدداً من الحوادث ما زال غير مفسر، وأن بعض الأجسام أظهرت خصائص تستحق الدراسة، دون أن تنسبها إلى أصل غير بشري.

بالنسبة لأنصار فرضية "الزائر الفضائي"، كانت هذه التطورات دليلاً على أن الحكومات بدأت تعترف أخيراً بما كانت تخفيه.

أما بالنسبة لجاك فاليه ، فربما كانت تعني شيئاً مختلفاً تماماً ، فهو لم يكن يحتاج إلى إثبات وجود الظاهرة؛ فقد كان مقتنعاً منذ عقود بأن هناك ظاهرة حقيقية تستحق البحث.

لكن السؤال بالنسبة له لم يكن: هل توجد أجسام مجهولة ؟

بل: ما طبيعة الذكاء الذي يقف خلفها ؟

والتقارير الحديثة، رغم أهميتها، لم تجب عن هذا السؤال.

ماذا عن فرضية الكائنات الفضائية ؟

لا تزال فرضية الكائنات الفضائية أكثر التفسيرات شعبية وتستند إلى عدة نقاط تبدو قوية للوهلة الأولى ،فبعض الرادارات العسكرية سجلت أجساماً غير مألوفة ، وهناك طيارون مدربون أبلغوا عن مشاهدات متكررة ، كما توجد آثار فيزيائية موثقة في بعض مواقع الهبوط المزعومة ، لكن هذه الفرضية تواجه أيضاً أسئلة صعبة.

فلماذا يظل النشاط محدوداً ومتقطعاً إذا كانت حضارة متقدمة تزور الأرض منذ قرون ؟

ولماذا تختلف أوصاف "الكائنات" بهذا الشكل الكبير ؟

ولماذا يبدو السلوك أقرب إلى صناعة الغموض منه إلى الاستكشاف العلمي ؟

لهذه الأسباب، رأى فاليه أن فرضية الكائنات الفضائية لا تفسر جميع البيانات.

هل فرضية فاليه أفضل ؟

هنا تكمن المشكلة ، فرغم أن أفكاره تفسر بعض الجوانب التي تعجز عنها فرضية "الزائر الفضائي"، فإنها تفتح أبواباً جديدة من الأسئلة.

فما هو "الذكاء" الذي يتحدث عنه ؟ وكيف يعمل ؟

وما هي قوانينه الفيزيائية ؟ وكيف يمكن اختبار وجوده علمياً ؟

حتى اليوم، لا توجد إجابات واضحة.

ولذلك يرى كثير من العلماء أن أفكار فاليه أقرب إلى إطار فلسفي أو نموذج تفسيري منها إلى نظرية علمية قابلة للاختبار.

بين العلم والأسطورة

ربما تكمن أهمية جاك فاليه في أنه كان من أوائل من دعا إلى دراسة الظاهرة بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد.

فهي ليست قضية فيزياء فقط وليست قضية علم نفس فقط وليست قضية أنثروبولوجيا أو فولكلور فقط.

بل قد تكون مزيجاً من كل ذلك.

ولهذا كان يدعو إلى إشراك الفيزيائيين، وعلماء الأعصاب، وعلماء الاجتماع، ومؤرخي الأديان، والأنثروبولوجيين في دراسة الظاهرة، بدلاً من حصرها في علم الفلك وحده.

هل اقتربنا من الحقيقة ؟

بعد أكثر من سبعين عاماً من التحقيقات الرسمية، وآلاف البلاغات، ومئات الكتب، وموجة جديدة من الاعترافات الحكومية، لا يزال السؤال الأكبر بلا إجابة.

هل نشاهد بالفعل زواراً من حضارات بعيدة ؟ أم أننا أمام ظاهرة طبيعية لم نفهمها بعد ؟

أم أن جاك فاليه كان محقاً عندما قال إن الخطأ الأكبر ليس في البيانات، بل في العدسة التي ننظر بها إليها ؟

ربما تكون أهم مساهمة قدمها هذا الباحث أنه أجبر العالم على التخلي عن السؤال التقليدي: "من أين جاءت هذه المركبات ؟" واستبدله بسؤال أكثر عمقاً: "ما الذي يجعلنا نفترض أصلاً أنها مركبات فضائية ؟"

وهذا السؤال، رغم مرور عقود على طرحه، لا يزال من أكثر الأسئلة إرباكاً في تاريخ دراسة الظواهر الجوية المجهولة.