ماذا لو عدت إلى منزلك، ونظرت إلى زوجتك، ثم شعرت بيقين لا يتزعزع بأنها ليست زوجتك، رغم أن ملامحها وصوتها وكل تفاصيلها تبدو مطابقة تماماً ؟

أو تخيل العكس تماماً... أن تمشي في الشارع، فتعتقد أن كل الغرباء الذين تقابلهم ليسوا غرباء أصلاً، بل شخص واحد يغيّر ملامحه وملابسه في كل مرة ليلاحقك !

قد تبدو هذه الأفكار وكأنها حبكة فيلم رعب نفسي أو قصة عن الجن المتشكلين، لكنها في الواقع تنتمي إلى عالم الطب النفسي، حيث توجد حالتان نادرتان تحملان اسمين غريبين: متلازمة كابغراس ومتلازمة فريجولي ، وهما من أكثر اضطرابات الإدراك غرابة، وربما من أكثرها قدرة على تفسير كيف يمكن أن تنشأ بعض الأساطير حول "تبدل الوجوه".

عندما يصبح الوجه مألوفاً... لكنه ليس كذلك

وصف الطبيب النفسي الفرنسي جان ماري جوزيف كابغراس هذه الحالة لأول مرة عام 1923 ويعتقد المصاب بها أن شخصاً قريباً منه، كزوجته أو أمه أو ابنه، قد استُبدل بشخص آخر يشبهه تماماً.

المثير أن المريض لا ينكر الشبه، بل يعترف بأن الوجه مطابق، لكنه يشعر في داخله بأن هذا الإنسان "ليس هو"، فالعين تتعرف على الملامح، بينما يفقد الدماغ الإحساس الطبيعي بالألفة المرتبط بهذا الشخص، فيحاول تفسير هذا التناقض بطريقة وهمية، فيقتنع بأنه أمام محتال أو نسخة مزيفة.

وقد سُجلت حالات رفض فيها المرضى العيش مع أفراد عائلاتهم لأنهم كانوا مقتنعين بأن أشخاصاً مجهولين انتحلوا شخصياتهم.وقد دعيت هذه الحالى النفسية بـ  متلازمة كابغراس Capgras syndrome  نسبة إلى هذا الطبيب النفسي.

حالات شهيرة في العصر الحديث

الممثل الكندي Tony Rosato شُخّص بمتلازمة كابغراس في العقد الأول من الألفية، وكان يعتقد أن زوجته وابنته قد استُبدلتا بمحتالين، كما ظن أن زملاءه في العمل يتآمرون ضده. وقد تحولت قضيته إلى واحدة من أشهر الأمثلة الحديثة على هذه المتلازمة.

بهذه الإضافات يصبح المقال أكثر قوة؛ إذ لا يكتفي بالتعريف، بل ينطلق من أول حالتين تاريخيتين اللتين منحتا المتلازمتين اسميهما، ثم يدعم ذلك بمثال حديث معروف، وهو الأسلوب الذي اعتاد عليه قراء موقع ما وراء الطبيعة.

الجميع شخص واحد !

إذا كانت متلازمة كابغراس تجعل الشخص الأقرب إليك يبدو غريباً، فإن متلازمة فريجولي Fregoli syndrome تفعل العكس تماماً ، فالمصاب بها يعتقد أن أشخاصاً مختلفين تماماً هم في الحقيقة شخص واحد يتنكر بوجوه متعددة، فقد يظن أن طبيبه، وسائق سيارة الأجرة، وموظف المتجر، جميعهم شخص واحد يغير مظهره باستمرار لمراقبته أو ملاحقته.

سميت هذه الحالة باسم الممثل الإيطالي ليوبولدو فريجولي، الذي اشتهر في مطلع القرن العشرين بقدرته المدهشة على تغيير أزيائه وشخصياته بسرعة على خشبة المسرح.

ورغم غرابة الفكرة، فإن المصاب يكون مقتنعاً بها تماماً، ولا يعتبرها خيالاً أو احتمالاً، بل حقيقة لا تقبل الشك.

الممثلتان اللتان أصبحتا كل الناس

في باريس عام 1927، نشر الطبيبان الفرنسيان بول كوربون وغابرييل فاي أول وصف لمتلازمة فريجولي. كانت المريضة شابة في السابعة والعشرين من عمرها، تعتقد أن ممثلتين مسرحيتين هما روبيرتين Robine وسارة برنار Sarah Bernhardt تطاردانها باستمرار، وكانت مقتنعة بأنهما قادرتان على التنكر في هيئة أي شخص تصادفه في الشارع أو العمل أو المنزل، بحيث يتحول الغرباء جميعًا إلى الشخص نفسه متخفياً بوجوه مختلفة.ومن هذه القضية استمدت المتلازمة اسمها، نسبة إلى الممثل الإيطالي ليوبولدو فريجولي، الذي كان مشهوراً بقدرته المذهلة على تغيير شخصياته وأزيائه بسرعة على خشبة المسرح.

عندما يخطئ الدماغ في تفسير الواقع

يصنف الأطباء هاتين الحالتين ضمن مجموعة تعرف باسم اضطرابات سوء التعرف الوهمي.

ويعتقد الباحثون أن السبب يعود إلى اضطراب في الشبكات العصبية المسؤولة عن التعرف على الوجوه وربطها بالمشاعر والذاكرة. لذلك لا تكون المشكلة في العين، بل في الطريقة التي يفسر بها الدماغ ما تراه العين.

وتظهر هذه الحالات أحياناً لدى بعض مرضى الفصام أو الخرف، أو بعد إصابات دماغية أو سكتات دماغية، لكنها تظل نادرة جداً.

هل ألهمت هذه الحالات الأساطير ؟

فمنذ آلاف السنين تحدثت الثقافات المختلفة عن كائنات تستطيع تغيير هيئتها لتخدع البشر.

في التراث العربي نجد حكايات عن الجن الذين يتشكلون في صور البشر. وفي أوروبا ظهرت أساطير "القرين" أو Doppelgänger، وكذلك حكايات الأطفال الذين تستبدلهم الكائنات الخفية بما يعرف في الفولكلور السلتي باسم Changeling. أما في اليابان، فتروي الأساطير أن بعض الثعالب الروحية تستطيع انتحال هيئة الإنسان.

هل تعود أصول هذه القصص إلى أشخاص عانوا بالفعل من اضطرابات مثل كابغراس أو فريجولي قبل أن يعرف الطب النفسي تفسيرها ؟

لا توجد أي أدلة علمية تثبت ذلك، لكنه احتمال يطرحه بعض الباحثين في تاريخ الفولكلور، خاصة أن الإنسان كان يلجأ في الماضي إلى تفسير الظواهر النفسية الغريبة بالجن أو الأرواح أو السحر.

من الطب إلى السينما

وجدت هذه الأفكار طريقها أيضاً إلى السينما، حيث استلهمها عدد من المخرجين لصناعة أفلام تزرع الشك في هوية الشخصيات من أبرزها:

The Broken (2008)، الذي يدور حول فكرة النسخ المطابقة والوجوه المزيفة.

Enemy (2013)، الذي يقدم لغزاً نفسياً حول وجود شخصين متطابقين تماماً.

The Double (2013)، المقتبس من رواية دوستويفسكي، والذي يناقش فكرة النسخة الأخرى من الذات.

Invasion of the Body Snatchers (1978)، الذي يقوم على خوف البشر من استبدال الأشخاص بنسخ لا يمكن تمييزها.

كما يجد بعض الباحثين أصداءً لهذه الأفكار في فيلم Lost Highway (1997)، الذي يتلاعب بالهوية والإدراك والواقع بطريقة تجعل المشاهد يشك في كل ما يراه.

ورغم أن هذه الأفلام ليست وصفاً طبياً دقيقاً، فإنها تستثمر الخوف العميق من فقدان الثقة في أكثر الوجوه ألفة.

بين العلم والماورائيات

قد تبدو متلازمتا كابغراس وفريجولي وكأنهما دليل على وجود قوى خفية أو كائنات تتنكر بين البشر، لكن الطب الحديث يفسرهما بوصفهما اضطرابين نادرين في طريقة معالجة الدماغ للوجوه والعلاقات العاطفية.

ومع ذلك، يبقى سؤال يستحق التأمل: كم قصة عن الجن المتشكلين، أو الأشخاص الذين "ليسوا على حقيقتهم"، وُلدت في زمن لم يكن فيه أحد يعرف أن الدماغ نفسه قد يكون قادراً على صناعة مثل هذه الأوهام؟

وربما لهذا السبب تظل هذه المتلازمات واحدة من أكثر النقاط إثارة عند تقاطع الطب النفسي، وعلم الأعصاب، والأساطير التي رافقت الإنسان منذ فجر التاريخ.