في عام 2009 خرج إلى النور كتاب لم يكن يشبه أي كتاب في تاريخ علم النفس، لم يكن بحثاً أكاديمياً ولا مذكرات شخصية ولا رواية رمزية، بل مخطوطة ضخمة كتبها أحد أشهر علماء النفس في القرن العشرين، ثم أخفاها عن العالم طوال حياته.
كان ذلك الكتاب هو الكتاب الأحمر The Red Book، أو كما سماه صاحبه Liber Novus، وهو العمل الذي وصفه كارل غوستاف يونغ بأنه "المصدر الذي اشتُق منه كل شيء"؛ أي المنبع الذي خرجت منه معظم أفكاره اللاحقة حول اللاوعي الجمعي والنماذج الأصلية Archetypes وعملية التفرد Individuation.
لكن إذا كان هذا الكتاب هو أساس مشروعه الفكري كله، فلماذا لم يسمح بنشره ؟
وهل كان ما دوّنه فيه مجرد تجربة نفسية استثنائية... أم أنه اعتقد فعلاً أنه التقى بكيانات مستقلة عن عقله ؟
المخطوطة التي بقيت نصف قرن في الظل
بدأ يونغ كتابة الكتاب الأحمر عام 1913 تقريباً، واستمر في العمل عليه حتى أواخر عشرينيات القرن الماضي، مع إضافات لاحقة.
بعد وفاته سنة 1961 بقيت المخطوطة محفوظة داخل منزله في مدينة كوسناخت قرب زيورخ، ثم نقلتها عائلته عام 1984 إلى خزنة مصرفية، حيث ظلت محفوظة قرابة خمسة وعشرين عاماً أخرى.
ولم تُنشر كاملة إلا في أكتوبر/تشرين الأول 2009، بعد مفاوضات طويلة مع ورثته، وجهد علمي ضخم قاده الباحث البريطاني سونو شامداساني Sonu Shamdasani الذي احتاج سنوات لفك النصوص المكتوبة بخط يونغ القوطي القديم، وإعدادها للنشر.
هذه السرية الطويلة صنعت حول الكتاب هالة من الغموض، حتى وصفه بعض الصحفيين بأنه "أخطر كتاب أخفاه عالم نفس عن العالم".
لكن الواقع أكثر تعقيداً؛ فلا يوجد دليل على أن يونغ أخفاه لأنه شعر بالخجل أو اعتبره خطأً علمياً، بل يبدو أنه رآه وثيقة شخصية وتجربة داخلية قد تُساء قراءتها إذا نُشرت في حياته.
الأزمة التي غيّرت حياته
لفهم الكتاب الأحمر، لا بد من العودة إلى عام 1913 ، في ذلك العام انفصل يونغ فكرياً عن أستاذه سيغموند فرويد، في قطيعة هزت حياته المهنية والشخصية ، بعد الانفصال دخل مرحلة وصفها بنفسه لاحقاً بأنها: "المواجهة مع اللاوعي."
لم يكن يقصد جلسات تحليل نفسي، بل سلسلة من الرؤى والمشاهد التي كانت تقتحمه وهو مستيقظ تماماً.
كان يرى صوراً، ويسمع حوارات، ويشعر كأنه دخل عالماً داخلياً مستقلاً، ثم يسجل كل ما يحدث بدقة، ويرسمه بالألوان داخل كتاب جلدي أحمر ضخم، يشبه مخطوطات العصور الوسطى.
عندما تصبح الأحلام لغة
من أشهر العبارات التي كتبها يونغ في بداية الكتاب:
"الأحلام هي الكلمات الهادية للروح."
ثم يتساءل:
"ولِمَ لا أحب أحلامي من الآن فصاعداً، وأجعل صورها الغامضة موضوعاً لتأملي اليومي؟"
هذه ليست مجرد عبارة شاعرية فهي تلخص رؤية يونغ للأحلام.
بينما كان فرويد يرى أن الحلم يخفي رغبات مكبوتة، اعتقد يونغ أن الأحلام تمثل لغة رمزية تستخدمها النفس لتصحيح وعي الإنسان وإرشاده نحو التوازن ولهذا أصبحت الأحلام فيما بعد أحد أهم أعمدة المدرسة اليونغية في العلاج النفسي.
الرجل ذو الجناحين
من أغرب شخصيات الكتاب شخصية تسمى فيلمون Philemon ، يصفه يونغ بأنه شيخ حكيم ذو جناحين ، لم يظهر كشخصية خيالية كتبها الكاتب بإرادته بل كشخص كان يجلس معه ويتحاور معه ، كان فيلمون، بحسب يونغ، يجيب عن أسئلته، ويطرح عليه أفكاراً لم يشعر أنها صادرة من عقله الواعي.
وفي إحدى مذكراته كتب لاحقاً أن فيلمون علّمه حقيقة مهمة:
إن الأفكار قد تأتي إلى الإنسان كما لو أنها كائنات مستقلة عنه، وليست دائماً من صنع "الأنا".
ولم يكن فيلمون الشخصية الوحيدة.
فتاة الطائر... وسالومي... وإلياس
داخل الكتاب تظهر أيضاً فتاة ذات هيئة طائر، إلى جانب النبي إلياس، وسالومي المعروفة في الرواية الإنجيلية.
لكن هذه الشخصيات لا تُقدَّم بوصفها شخصيات تاريخية، بل بوصفها رموزاً تتحاور مع يونغ داخل عالمه الداخلي ، يطرح عليها الأسئلة وتجيبه وتنتقده أحياناً وتقوده في رحلة تبدو أقرب إلى الأساطير منها إلى كتب علم النفس.
وهنا بدأ الجدل ، هل كان يونغ يتخيل هذه الشخصيات عمداً ؟ أم أنه كان يشعر بأنها موجودة فعلاً ؟
نهر الدم الذي سبق الحرب
من أشهر ما ورد في الكتاب سلسلة رؤى رأى فيها أوروبا تغرق في بحر من الدماء ، كان يشاهد أنهاراً حمراء تحمل الجثث والأنقاض، وتبتلع القارة بأكملها ، حدث ذلك قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بأشهر.
وعندما اندلعت الحرب فعلاً، رأى يونغ أن هذه الرؤى لم تكن نبوءة شخصية، بل تعبيراً عن اضطراب عميق كان يختمر في النفس الجماعية للشعوب الأوروبية ، ومن هنا بدأ يتشكل لديه مفهوم اللاوعي الجمعي، أي أن البشر يشتركون في طبقة نفسية أعمق من الخبرات الفردية، تحمل رموزاً وصوراً موروثة عبر التاريخ.
هل كان يقترب من الجنون ؟
ربما تكون هذه أكثر نقطة أثارت الجدل حول الكتاب ، ففي إحدى عباراته يكتب :
"ستظن أنك أصبحت مجنوناً، وبمعنى من المعاني ستكون كذلك بالفعل."
كما يكتب في موضع آخر:
"كل شيء في داخلي يعمه الاضطراب الكامل، الأمور أصبحت خطيرة، والفوضى تقترب."
هذه العبارات دفعت كثيرين إلى التساؤل:
هل كان يونغ يعاني من اضطراب ذهاني ؟
المفارقة أنه كان في الفترة نفسها يعمل طبيباً نفسياً يعالج مرضى الفصام.
لكن معظم الباحثين المعاصرين، وعلى رأسهم سونو شامداساني، يرفضون وصف ما حدث ليونغ بالذهان.
فهو لم يفقد قدرته على العمل، ولم تنهَر حياته الاجتماعية أو المهنية، بل ظل يدير عيادته ويكتب أبحاثه بصورة طبيعية.
الخيال النشط
التفسير الذي قدمه يونغ بنفسه كان مختلفاً ، فقد طور لاحقاً تقنية علاجية سماها الخيال النشط Active Imagination وتقوم على ترك الصور التي تظهر من اللاوعي تتطور بحرية ثم الدخول معها في حوار واعٍ وتسجيلها وتحليلها بدلاً من مقاومتها أو تجاهلها ، ومن هنا يرى علماء النفس أن فيلمون وسائر الشخصيات ليست أرواحاً مستقلة بل تجسيدات رمزية لأجزاء من النفس العميقة.
غير أن هذا التفسير لم ينهِ الجدل ، فحتى يونغ نفسه كتب أن هذه الشخصيات لم تكن تبدو له وكأنه "يخترعها"، بل كانت تأتيه بصورة مفاجئة، وكأن لها استقلالاً خاصاً.
ماذا بعد الإله ؟
في القسم الأخير من الكتاب، المعروف باسم Scrutinies أي التمحيص ، ينتقل يونغ إلى أسئلة فلسفية عميقة، كان الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه قد أعلن قبل عقود أن "الإله قد مات".
لكن يونغ لم يكن معنياً بإثبات هذه العبارة أو نفيها بل طرح سؤالاً آخر :
إذا فقد الإنسان الإطار الديني القديم...فما الذي سيملأ الفراغ الروحي داخله ؟
وهنا تتشابك في الكتاب موضوعات المسيحية، والغنوصية، والخيمياء، والأساطير القديمة، في محاولة لفهم الرحلة الروحية للنفس الإنسانية.
لماذا تنتهي المخطوطة فجأة ؟
من أغرب ما في الكتاب أنه لا ينتهي ، بل يتوقف في منتصف الطريق تقريباً ، يذكر يونغ أن اهتمامه المتزايد بعلم الخيمياء قاده إلى طريق جديد، ثم ينقطع النص فجأة دون خاتمة.
لا تفسير نهائياً ، ولا إجابة أخيرة.
وكأن الرحلة إلى النفس لا يمكن أن تصل إلى نهاية حاسمة.
هل كان يونغ يؤمن بالماورائيات ؟
هذا سؤال يهم كثيراً قراء موقع ما وراء الطبيعة، والإجابة ليست بسيطة،فقد كان يونغ مهتماً بالأحلام والرؤى والتزامن Synchronicity والأساطير والرموز الدينية وشارك في دراسة جلسات روحية وحوادث وصفها أصحابها بأنها خارقة.
لكنه، في معظم كتاباته العلمية، كان يحاول تفسير هذه الظواهر من خلال النفس البشرية وبنيتها الرمزية، لا باعتبارها دليلاً قاطعاً على وجود كيانات خارقة.
ومع ذلك، فإن لغته الشخصية في الكتاب الأحمر كثيراً ما تبدو أقرب إلى وصف لقاءات حقيقية مع شخصيات مستقلة وهو ما أبقى باب التأويل مفتوحاً حتى اليوم.
وختاماً، ليس الكتاب الأحمر دليلاً على وجود الأشباح ولا برهاناً على أن يونغ كان وسيطاً روحياً كما أنه ليس مجرد مذكرات لرجل فقد توازنه.
إنه وثيقة استثنائية كتبها عالم نفس قرر أن يجعل من نفسه موضوعاً للتجربة، فسار إلى أقصى حدود النفس الإنسانية، ثم عاد محملاً بالرموز والأحلام والأسئلة التي ستغيّر علم النفس الحديث.
وربما لهذا السبب بقي هذا الكتاب، حتى بعد أكثر من قرن على كتابته، يثير السؤال نفسه الذي لم نجد له جواباً نهائياً:
هل كانت الشخصيات التي حاورها كارل يونغ مجرد صور خرجت من أعماق اللاوعي... أم أن اللاوعي نفسه بابٌ يفتح أحياناً على عوالم لا نفهمها بعد ؟