يعد قانون الجذب من أكثر الأفكار انتشاراً في السنوات الأخيرة، وقد ازدادت شهرته في الوطن العربي بشكل خاص مع كثرة المؤثرين الذين يروجون له عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن مبدأ الجذب بشكل عام قد لاقى إقبالاً واسعاً خاصة لأنه يقوم على فكرة أن تخيل الشيء والإيمان العميق بتحقيقه يساعدان على تحويله إلى واقع.
ومع صدور الفيلم الجديد عن مايكل جاكسون في أبريل بعنوان "Michael" يمكن ملاحظة كيف كانت حياته الفنية تتمحور حول رغبته في أن يصبح الأفضل في العالم في مجاله. حيث تناول الفيلم جانباً من تطبيقه لقانون الجذب واستخدامه للتوكيدات الإيجابية لتحقيق أحلامه الفنية، بالإضافة لإظهاره لـ مايكل جاكسون على أنه شخص لا يعتمد على موهبته فقط، بل على الإيمان الشديد بنفسه، وتكرار الأفكار الإيجابية.
وهنا يبرز السؤال الأهم …. هل كان قانون الجذب أداة حقيقية ساعدت مايكل جاكسون على النجاح، أم مجرد وهم نفسي يستخدمه البشر لطمأنة أنفسهم في الأوقات الصعبة ؟
ماهو قانون الجذب ؟
قانون الجذب هو اعتقاد يقوم على فكرة أن الإنسان يجذب إلى حياته ما يقوم بالتركيز عليه والتفكير به بشكل مستمر سواء بشكل إيجابي أو سلبي. وأن هذه الأفكار تقربك من النجاح أو الفشل.
بدأت فكرة قانون الجذب بصورتها الحديثة في القرن التاسع عشر بين أتباع حركة فكرية أمريكية تدعى بحركة الفكر الجديد New Thought. تنسب موسوعة بريتانيكا الحركة إلى فينيس باركهرست كويمبي Phineas P. Quimby حيث أنه يعد من أول مؤسسيها.
وتؤمن هذه الحركة بأن العقل والأفكار والمعتقدات تؤثر في حياة الإنسان ونجاحاته، لكن لا يمكن الجزم بأن الحركة هي المصدر الأساسي لما يعرف بقانون الجذب، خاصة وأن كثير من ثقافات العالم تملك معتقدات فلسفية شبيهة. هذه المعتقدات تتراوح بين الكارما في الهندوسية، والانسجام مع الطاقة في الثقافة الصينية، والتأمل في البوذية.
وصل قانون الجذب إلى ذروة انتشاره مع صدور كتاب السر The Secret عام 2006، للكاتبة الأسترالية روندا بايرن وتقوم الفكرة الأساسية للكتاب على الاعتقاد بأن أفكار الإنسان ومشاعره قادرة على جذب أحداث وتجارب مشابهة إلى حياته.
وقد أصبح الكتاب من أشهر الأعمال التي ساهمت في نشر قانون الجذب عالمياً.
فيلم مايكل جاكسون وعلاقته بقانون الجذب
صدر فيلم Michael الجديد في 24 أبريل 2026 وهو فيلم سيرة ذاتية يتناول حياة مايكل جاكسون ومسيرته الفنية ويؤدي دور مايكل جاكسون في الفيلم ابن أخيه جعفر جاكسون، حيث يتضمن العمل عدة مشاهد تظهر استخدامه لقانون الجذب والتوكيدات الإيجابية. ومن أبرز هذه المشاهد ما يتعلق بالفترة التي سبقت إصداره لألبوم Thriller، إذ يظهر مايكل في الفيلم وهو يردد عبارات تحفيزية مثل:
- You are Confident أي " أنت واثق من نفسك".
- You are Strong أي "أنت قوي"
- You are Beautiful أي "انت جميل"
- You are the Greatest of All Time أي "أنت الأعظم على مر العصور"
وتعد هذه العبارات مثالاً بسيطا على التوكيدات الإيجابية التي عرف مايكل جاكسون بتكرارها، والتي من وجهة نظره قد ساعدته في سعيه الدائم ليصبح ملك البوب.
إضافة إلى ذلك، تحدث جعفر جاكسون في مقابلة نشرت على اليوتيوب قبل إصدار الفيلم عن مذكرات مايكل جاكسون وتطبيقه لقانون الجذب، وذلك عند الدقيقة 5:42.
حيث قال جعفر جاكسون : " خلال تصوير الفيلم، أكثر ما أدهشني هو أنه سمح لي بالوصول إلى الكثير من ملاحظاته الشخصية. وأدركت أنه كان يقول تعويذات وتأكيدات، وكان إيمانه بالجذب أمراً لا يصدق. لم أدرك ذلك حتى تعمقت فيه حقاً. كما أنه كان يكتب كل ما يريد تحقيقه، لقد كان يكتبه ويكرره حتى أنه كان يتأمل لمدة 30 دقيقة وينظر فقط إلى تلك التوكيدات، ويكررها باستمرار ، لقد كان يضع هذه التوكيدات على المرايا، على السقف، حتى يتمكن من رؤيتها كل يوم. كان الأمر حقا مثل سعيه إلى العظمة ".
التوكيدات الإيجابية في حياته الحقيقية
عُرف مايكل جاكسون باستخدامه للتوكيدات الإيجابية، وذلك من خلال الملاحظات والرسائل التي كان يكتبها لنفسه ويلصقها في أماكن مختلفة حوله، لتذكيره الدائم بأهدافه وطموحاته. ومن أشهر هذه الرسائل رسالة كتبها لنفسه عام 1979، عندما كان في الحادية والعشرين من عمره حيث كتب :
" سيكون اسمي الجديد MJ ، لن يكون هناك اسم مايكل جاكسون بعد الآن، أريد شخصية جديدة كلياً، ومظهراً جديداً كلياً، يجب أن أكون شخصاً مختلفاً تماماً، يجب ألا يتذكرني الناس أبداً على أنني ذلك الطفل الذي غنى أغنية ABC و أغنية "I Want You Back" يجب أن أكون ممثلاً/مغنياً/راقصاً جديداً ومذهلاً يصدم العالم ، لن أجري أي مقابلات ، سأكون ساحراً ، سأكون مثالياً، وباحثاً، ومدرباً، ومتمكناً، سأكون أفضل من كل ممثل عظيم تم إقحامه في هذا الدور.
كما أكدت والدته، كاثرين جاكسون، قائلة: " كان مايكل يكتب ملاحظات لنفسه باستمرار وكان يدون على مرآته تاريخاً مستهدفاً لتصدر ألبومه قوائم الأغاني، حتى يراه يومياً كتذكير دائم بهدفه. وقبل النجاح الكبير لألبوم Thriller، أعلن مايكل جاكسون بوضوح عن رغبته في إنتاج الألبوم الأكثر مبيعاً في التاريخ، لقد كان صاحب رؤية ثاقبة".
مجموعة من ملاحظاته على المرآة : " أنا ممتن جداً لأنني مغناطيس للمعجزات "
بالإضافة إلى ذلك، نشرت العديد من الصفحات المنسوبة إلى مذكراته وملاحظاته الشخصية، وفي إحداها كتب مايكل:
إلى MJ - يونيو 1994
الوظيفة الحالية: كاتب أغاني، فنان، مغني، ممثل، راقص، مخرج
الدخل الأسبوعي الحالي: مليون دولار
الوظيفة بعد 45 أسبوعاً: نفس الشيء
الدخل الأسبوعي بعد 45 أسبوعاً: 15 مليون دولار.
وفي ملاحظة أخرى كتب: " لقد تعلمت أن ما تزرعه في ذهنك، وما تفكر فيه وتفعله هو ما يصنعك. وبإمكانك زرع أي فكرة في ذهنك، وسيحولها إلى واقع. وهذا يعني أننا نستطيع برمجة أنفسنا لنكون الأشخاص الذين نرغب أن نكونهم، أيا كان الموضوع، وأن نعيشه من خلال برنامج ذهني أو نظام للتعلم والممارسة ، ندرس أعمال العظماء في ذلك المجال ونصبح أعظم"
وفي أحد تسجيلاته الصوتية المسربة بتاريخ 25 أكتوبر عام 2001، قال: " آمن بنفسك دائما. ومهما كان من حولك ممن ينشرون السلبية أو يبثون الطاقة السلبية، تجاهلهم تماماً. لأنك ستصبح ما تؤمن به "
كما رسم مايكل جاكسون في مذكراته خريطة توضح طريقته في برمجة عقله لتحقيق أحلامه، وجاءت بعنوان " برنامج ذهني - أفكار العقل الباطن لأصبح الأفضل" والتي كتبها في أوائل الثمانينيات في منزله في إنسينو، كاليفورنيا.
الحلم: أعظم ممثل، ومغن، وراقص على مر العصور، وفنان شامل، الأفضل على الإطلاق
الثقة، الإيمان، المثابرة، التصديق
ادرس عظماء مجالك وارتقي إلى مستوى العظماء
اكتشف أسرار أهدافك "المنهج"
الهدف العقلي: السيطرة على العقل الباطن والتأثير فيه
الأفضل في مجالك
كن عالما، واعرف منهج العظماء
جرب ثم أتقن
حرك الجبال
مثابرة لا تنتهي لتحقيق الأداء الذي تتخيله أو تتجاوزه
بالإضافة إلى ذلك، تحدث مايكل في العديد من المقابلات عن العقل الباطن، وتحقيق الأحلام، وجذبها إلى الواقع، ومن أشهر ما نسب إليه
هي الاقتباسات الآتية:
" أؤمن بالأمنيات وبقدرة الإنسان على تحقيقها. والأمنية أكثر من مجرد أمنية ... إنها هدف يمكن لعقلك الباطن أن يساعد في تحويله إلى واقع"
" كلما رأيت غروب الشمس، كنت أتمتم بأمنيتي سراً قبل أن تختفي الشمس خلف الأفق الغربي، كان يبدو الأمر كما لو أن الشمس قد أخذت أمنيتي معها. كنت أتمتمها قبل أن يختفي ذلك الشعاع الخاطف من الضوء".
" كنت أمد ذراعي كما لو كنت أرسل أفكاري إلى الفضاء، بعد أن أتمتم أمنيتي، كنت أغوص في الماء. وكنت أقول لنفسي: " هذا حلمي، هذه أمنيتي، في كل مرة أغوص فيها في الماء".
قانون الجذب بين الإيمان والانتقاد
يمكننا ربط قصة نجاح مايكل جاكسون بفكرة قانون الجذب من خلال طموحه الكبير وإيمانه العميق بقدرته على أن يصبح الأفضل في مجاله، بالنسبة لمبادئ قانون الجذب، مايكل جسد فكرة التركيز الشديد على الهدف. فهو أمتلك فكرة فكرة واضحة عن أهدافه وتجلى ذلك عن طريق إيمانه بنفسه. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن قانون الجذب صحيح بمعناه المطلق. فمنتقدو الجذب يرون أن الإيمان الشديد بالنجاح قد يمنح الإنسان شعوراً أكبر بالثقة والشجاعة، لكنه قد يخلق في الوقت نفسه إحساساً وهمياً بالسيطرة الكاملة على الحياة.
فالأفكار وحدها لا تكفي لتغيير الواقع، وقد لا تكون أحياناً سوى وسيلة مؤقتة تمنح الشخص شعوراً زائفاً بالتحكم.
ومع ذلك، يمكن أن يكون التفاؤل مفيداً عندما يدفع صاحبه إلى العمل والسعي، لا عندما يجعله ينتظر المعجزات. وهذا ما يمكن ملاحظته في قصة مايكل جاكسون؛ فلم يكن إيمانه بنفسه العامل الوحيد وراء نجاحه، بل اجتمعت موهبته الاستثنائية مع العمل المستمر والانضباط والطموح الكبير، وهي العوامل التي أوصلته إلى مكانته وجعلته واحدا من أعظم الأسماء في تاريخ الموسيقى.
لذلك، يمكن النظر إلى قانون الجذب بوصفه أداة نفسية غير علمية تساعد الإنسان على توجيه طاقته وانتباهه نحو أهدافه، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق النجاح. فالحلم قد يكون بداية الطريق، أما الوصول الحقيقي فيحتاج إلى عمل وجهد واستمرار.
في الختام ورغم تناول الفيلم لهذا الجانب من حياة مايكل جاكسون وإبرازه لإيمانه بقانون الجذب والتوكيدات الإيجابية، فإن ذلك لم يمنحه تحكماً كاملاً في مسار حياته ، فعلى الرغم من إيمانه القوي بنفسه وبأحلامه، لم تكن حياته خالية من الجدل والمعاناة؛ فقد حظي بطفولة قاسية وعاش تحت ضغط الشهرة منذ طفولته، وتعرض للملاحقة الإعلامية، كما ارتبط اسمه بقضايا أثارت جدلاً واسعاً. وكل هذه الجوانب كانت خارجة إلى حد كبير عن سيطرته، مما يطرح عدة تساؤلات مهمة حول واقعية قانون الجذب وقدرته الفعلية على التحكم في الحياة.
ومن هنا يمكن التساؤل: هل كان قانون الجذب في حياة مايكل جاكسون قوة حقيقية غيرت واقعه، أم مجرد دفعة نفسية منحته التفاؤل والثقة للمضي قدماً ؟
في كل الأحوال، سيبقى قانون الجذب موضوعاً رائجاً ومثيراً للجدل، خاصة في ظل عالم متقلب يحتاج فيه كثير من الناس إلى الأمل والحلم بحياة أفضل. وربما تكمن قوة هذا القانون لا في قدرته على تغيير الواقع وحده، بل في قدرته على منح الإنسان دافعاً للاستمرار والسعي نحو ما يريد.