في قلب تلال بيفرلي هيلز الفاخرة، حيث تتجاور قصور الأثرياء مع أساطير هوليوود، يقف قصر مهيب تحيط به الحدائق والنوافير الحجرية. يبدو للوهلة الأولى مجرد معلم تاريخي جميل، لكنه يخفي وراء جدرانه واحدة من أكثر القصص غموضاً وإثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة. إنه قصر غرايستون Greystone Mansion الذي تحول من رمز للثراء والنفوذ إلى مسرح لجريمة غامضة وشائعات عن الأشباح ولعنات عائلية ما زالت تتردد حتى يومنا هذا.
قصر مبني بالمال والنفوذ
بدأت القصة عام 1928 عندما قرر قطب النفط الأمريكي إدوارد دوهني Edward L. Doheny بناء قصر فخم ليقدمه هدية لابنه إدورد دوهني جونيور وعائلته ، بلغت تكلفة القصر نحو مليون دولار آنذاك وهو مبلغ يعادل عشرات الملايين من الدولارات اليوم ، ضم القصر 55 غرفة وهو مصمم على الطراز الإنجليزي التودوري، وأصبح أحد أكثر المنازل فخامة في ولاية كاليفورنيا ، انتقلت عائلة دوهني إلى القصر في أكتوبر 1928، وبدت الحياة وكأنها تسير نحو مستقبل مثالي. لكن خلف الواجهات الحجرية الفاخرة كانت المأساة تقترب بسرعة.
ليلة الرصاص
في صباح عاصف من شهر فبراير عام 1929، دوّت طلقات نارية داخل القصر ، عندما هرعت لوسي دوهيي زوجة إدوارد الابن إلى مصدر الصوت، وجدت مشهداً مرعباً ، كان زوجها ملقى على الأرض مصاباً بطلق ناري قاتل بينما وقف مساعده وصديق طفولته المقرب هيوغ بلنكيت ممسكاً بمسدس ، لكن قبل أن تتمكن من سؤاله عما حدث رفع السلاح إلى رأسه وأطلق النار على نفسه ، ظاهرياً بدت القضية واضحة: جريمة قتل أعقبها انتحار ، لكن كلما تعمق المحققون في التفاصيل، ازدادت الأسئلة بدلاً من الأجوبة.
هل كانت القصة ملفقة ؟
أثار تعامل العائلة مع الحادثة الريبة منذ البداية ، فبدلاً من استدعاء الشرطة فوراً تم الاتصال بطبيب العائلة أولاً، كما دخل أفراد من الأسرة إلى مسرح الجريمة قبل وصول السلطات ، وعندما وصل المحققون لاحقاً لاحظ بعضهم أن الجثث ربما جرى نقلها من أماكنها الأصلية وأن المشهد بدا وكأنه أعيد ترتيبه ، الأكثر غرابة أن الطبيب الشرعي لم يقتنع تماماً برواية الانتحار ، فقد أظهرت الفحوص أن هيو بلانكيت أصيب بطلقة في مؤخرة الرأس وهي زاوية اعتبرها بعض الخبراء غير منطقية بالنسبة لحالة انتحار تقليدية ، كما شكك الطبيب الشرعي في التسلسل الزمني الذي قدمته العائلة، مقدراً أن الوفاتين حدثتا قبل الوقت المعلن بساعات ، ورغم هذه الشكوك، أغلقت القضية رسمياً باعتبارها جريمة قتل وانتحار، مع تحميل بلانكيت كامل المسؤولية.
المال أقوى من الحقيقة ؟
بالنسبة لكثيرين، لم يكن إغلاق القضية نهاية القصة، بل بدا وكأنه بداية الغموض ، كان نفوذ عائلة دوهني هائلاً في ذلك الوقت واعتقد بعض المراقبين أن السلطات فضلت تجنب فضيحة قد تطال إحدى أغنى العائلات الأمريكية.
انتشرت شائعات متعددة حول الدافع الحقيقي للجريمة ، إحدى النظريات زعمت أن الخلاف لم يكن متعلقاً بالمال كما ورد رسمياً، بل بأسرار شخصية حاولت العائلة إخفاءها وأشار آخرون إلى العلاقة الاستثنائية التي جمعت بين إدوارد دوهني الابن وهيو بلانكيت، إذ كانا صديقين مقربين منذ الطفولة ولا يكاد أحدهما يفارق الآخر.
لم تثبت أي من هذه الادعاءات تاريخياً، لكنها ساهمت في تحويل الحادثة إلى لغز لم يُحسم حتى اليوم.
قرار دفن أثار المزيد من الأسئلة
بعد الوفاة حدث أمر غريب آخر ، فبدلاً من الاحتفاظ برفات إدوارد دوهني الابن أو دفنه بطريقة تقليدية، دُفن بالقرب من الرجل الذي اتهم بقتله ، أثار القرار موجة جديدة من الشائعات، إذ رأى البعض أن العائلة كانت تحاول إخفاء حقيقة ما بينما اعتبره آخرون مجرد تصرف عاطفي نابع من إدراكها أن القصة الرسمية لا تعكس كل ما جرى.
ولادة أسطورة الأشباح
مع مرور العقود، بدأت الروايات الخارقة تحيط بالقصر ، أفاد بعض الحراس والعاملين بسماع خطوات في ممرات فارغة وأصوات أبواب تُفتح وتُغلق دون سبب واضح وزعم آخرون أنهم شاهدوا ظلالاً بشرية تتحرك ليلاً قرب الغرفة التي وقعت فيها الجريمة.
أما أكثر القصص انتشاراً فتتحدث عن ظهور رجلين يرتديان ملابس تعود إلى عشرينيات القرن الماضي يختفيان بمجرد الاقتراب منهما ، كما تحدث بعض الزوار عن شعور مفاجئ بالكآبة أو القلق داخل أجزاء معينة من القصر، خصوصاً في الطابق العلوي.
هل القصر مسكون فعلاً ؟
من منظور علم النفس، يمكن تفسير كثير من هذه المشاهدات بما يعرف بـ"تأثير المكان المشحون تاريخياً" ، فعندما يدخل الزائر موقعاً ارتبط بجريمة شهيرة أو مأساة إنسانية، يصبح الدماغ أكثر استعداداً لتفسير الأصوات الطبيعية والظلال العادية على أنها أحداث غير عادية ، كما أن تصميم القصر القديم وممراته الطويلة وأرضياته الخشبية والقصص المتداولة عنه منذ عقود، كلها عوامل تخلق بيئة مثالية لنشوء تجارب تبدو خارقة للطبيعة.
ومع ذلك، يرى المؤمنون بالظواهر الخارقة أن بعض الشهادات يصعب تفسيرها بالكامل، خاصة تلك التي صدرت عن موظفين لم يكونوا على دراية بتاريخ القصر قبل عملهم فيه.
القصر اليوم
تحول غرايستون مانشن إلى معلم تاريخي وسياحي شهير في بيفرلي هيلز ، كما تم استخدامه موقعاً لتصوير عشرات الأفلام والمسلسلات، من بينها أعمال شهيرة في هوليوود ، لكن رغم جماله المعماري وحدائقه الساحرة، ما زال كثير من الزوار يأتون إليه لسبب مختلف تماماً: البحث عن آثار الجريمة التي وقعت قبل نحو قرن، ومحاولة معرفة ما إذا كانت الأرواح التي يُقال إنها تسكنه ما تزال تروي القصة التي لم تُكشف حقيقتها كاملة.
بين الحقيقة والأسطورة
يبقى قصر غرايستون مثالاً نموذجياً على تداخل التاريخ بالجريمة والماورائيات ، فلدينا حادثة وفاة حقيقية وتحقيقات أثارت أسئلة أكثر مما قدمت إجابات وشائعات استمرت لعقود، ثم قصص أشباح أضافت طبقة جديدة من الغموض.
وربما لهذا السبب بالذات ما زال القصر يجذب الباحثين عن الأسرار حتى اليوم: لأن بعض الأماكن لا تكتفي بحفظ الماضي، بل تجعل الماضي حاضراً دائماً بين جدرانها.