في عالم يميل إلى تقديس البدايات المبكرة والنجاحات السريعة، يظهر اسم بيرت جولدمان كاستثناء لافت ، لم يكن شاباً عبقرياً في مقتبل العمر، ولا عالماً تقليدياً أمضى حياته بين المختبرات بل كان رجلاً عادياً، تقدم به العمر حتى تجاوز الثمانين، قبل أن تبدأ قصته الحقيقية. في هذه المرحلة التي يراها الكثيرون نهاية الرحلة، قرر هو أن يفتح باباً غريباً لم يجرؤ كثيرون على الاقتراب منه.
كان يعيش حياة هادئة نسبياً، عمل في مجالات مختلفة، ومر بتجارب لا تختلف كثيراً عن أي إنسان آخر، لكن داخله ظل يحمل سؤالاً بسيطاً ومزعجاً في آن واحد: هل هذا كل شيء ؟ هل هذه النسخة التي أعيشها من نفسي هي الإمكانية الوحيدة ؟
هذا السؤال تحديداً هو الذي قاده لاحقاً إلى فكرة ستثير الجدل لسنوات: فكرة "القفز الكمي".
من تقنية سيلفا إلى العوالم الموازية
لم تظهر أفكار جولدمان من فراغ ، فقد تأثر بشكل واضح بما يُعرف بـ "تقنية سيلفا" للتحكم بالعقل وهي مدرسة في التنمية الذاتية تعتمد على التأمل العميق وإعادة برمجة العقل الباطن، من خلال هذه الممارسات بدأ جولدمان يختبر حالات ذهنية مختلفة، حالات يصفها البعض بأنها أقرب إلى الحلم الواعي.
في تلك المساحات بين اليقظة والنوم، بدأ يلاحظ شيئاً غريباً، لم يكن الأمر مجرد خيال عابر بل تجربة متكررة: شعور بالانتقال، أو الدخول إلى "مكان آخر" ، لم يكن هذا المكان واضح المعالم دائماً، لكنه بدا حقيقياً بما يكفي ليترك أثراً.
مع الوقت، لم يكتفِ بالملاحظة، بدأ يسأل: ماذا لو كان هذا أكثر من مجرد خيال ؟ ماذا لو كانت هناك بالفعل "نسخ أخرى" من الإنسان، تعيش احتمالات مختلفة في عوالم موازية ؟
هنا وُلدت الفكرة التي ستُعرف لاحقاً باسم القفز الكمي "Quantum Jumping".
ما هو القفز الكمي كما يراه جولدمان ؟
يستخدم مصطلح "القفز الكمي" في الفيزياء لوصف انتقال الجسيمات بين حالات طاقة مختلفة بشكل مفاجئ، لكن جولدمان لم يكن يتحدث عن الإلكترونات أو المعادلات بل عن الإنسان ذاته.
بحسب رؤيته، لا يعيش الإنسان حياة واحدة فقط، بل عدداً لا نهائياً من النسخ في أكوان موازية، في أحد هذه الأكوان قد تكون فناناً بارعاً ، في آخر، قد تكون عالماً ، وفي ثالث قد تكون نسخة أكثر شجاعة أو أكثر نجاحاً.
الفكرة الجوهرية التي طرحها كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها: يمكنك أن تتواصل مع تلك النسخ.
لا عبر آلة، ولا عبر تجربة علمية معقدة، بل من خلال حالة ذهنية محددة ، يدخل الإنسان في تأمل عميق، يهدئ جسده، ويُسكن أفكاره، ثم يتخيل "باباً" أو "بوابة" ، خلف هذه البوابة توجد نسخة أخرى منه.
لا يكتفي بالمشاهدة، بل يتفاعل ، يسأل، يتعلم، يراقب. ثم يعود، حاملاً ما اكتسبه.
التجربة التي غيرت مسار حياته
لم تكن هذه مجرد نظرية بالنسبة لجولدمان، لقد ادعى أنه عاشها بنفسه.
في أحد أشهر رواياته، تحدث عن رغبته في تعلم الرسم، لم يكن يمتلك أي خلفية فنية تُذكر، ولم يكن الوقت في صالحه. لكن بدلاً من التسجيل في دورة تقليدية، قرر أن يجرب فكرته.
دخل في حالة تأمل، وتخيل أنه يعبر إلى عالم آخر ، هناك، التقى بنسخة منه، لكن هذه النسخة كانت فناناً محترفاً، راقبها وهي ترسم، لاحظ التفاصيل، حاول أن "يشعر" بما تشعر به تلك النسخة.
كرر التجربة مرات عديدة ، ومع الوقت بدأ يرسم في عالمه الواقعي.
النتيجة كانت صادمة لمن حوله. تحسن مستواه بسرعة غير معتادة، وبدأ ينتج أعمالاً فنية تُعرض وتُباع ، لم يقتصر الأمر على الرسم، بل امتد إلى التصوير الفوتوغرافي، حيث حقق تقدماً مشابهاً.
هل كان هذا دليلاً على أنه سافر فعلاً إلى عالم آخر ؟ أم أن هناك تفسيراً آخر؟
بين العلم والتأويل
عندما تُذكر عبارة "الفيزياء الكمية"، يتوقع الكثيرون أساساً علمياً صارماً ، لكن ما قدمه جولدمان لا يندرج ضمن الفيزياء كما تُدرس في الجامعات، لا توجد تجربة مخبرية تؤكد إمكانية انتقال الوعي بين عوالم موازية، ولا دليل على وجود تفاعل مباشر بين نسخ متعددة من الإنسان.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل جانب آخر من القصة، العقل البشري يمتلك قدرة هائلة على التخيل، والتخيل ليس مجرد رفاهية ذهنية، في مجالات مثل الرياضة والفن يستخدم المحترفون تقنيات التخيل لتطوير مهاراتهم، يتخيل اللاعب حركته قبل تنفيذها، ويتخيل الفنان لوحته قبل رسمها.
ما فعله جولدمان قد يكون امتداداً متطرفاً لهذه الفكرة، بدل أن يتخيل نفسه يتحسن تدريجياً، تخيل نسخة "مكتملة" منه، ثم حاول أن يندمج معها.
من هذا المنظور، لا يصبح "القفز الكمي" انتقالاً بين عوالم بل انتقالاً داخل العقل نفسه.
لماذا جذبت فكرته هذا العدد من الناس
لا يمكن تفسير انتشار أفكار جولدمان فقط من خلال الفضول، هناك شيء أعمق في فكرته يلامس الإنسان بشكل مباشر.
كل إنسان يشعر، في لحظة ما، أنه قادر على أن يكون أكثر مما هو عليه ، هناك دائماً نسخة متخيلة: نسخة أكثر نجاحاً، أكثر ثقة، أكثر حرية ، عادةً تبقى هذه النسخة في حدود الخيال، لكن جولدمان قدم وعداً مختلفاً: يمكنك أن تلتقي بها.
هذا الوعد يحمل إغراء كبيراً، فهو لا يتطلب سنوات من المعاناة، ولا مساراً طويلاً من الفشل. يكفي أن تغمض عينيك، وتعبر.
بالطبع، الواقع أكثر تعقيداً ، لكن الفكرة في حد ذاتها قوية بما يكفي لتجذب الآلاف إلى دوراته.
دوراته بين الإلهام والجدل
مع انتشار فكرته، بدأ جولدمان يقدم دورات وورش عمل. لم يقدّم نفسه كعالم، بل كمرشد. كان يشرح تقنيات الدخول في حالة الاسترخاء العميق، ويوجه المشاركين لتخيل "الأبواب" و"النسخ الأخرى".
بعض المشاركين تحدثوا عن تجارب مؤثرة، قالوا إنهم شعروا بتغير حقيقي في نظرتهم لأنفسهم، وأنهم اكتسبوا ثقة لم تكن لديهم من قبل. آخرون ظلوا متشككين، واعتبروا ما يحدث مجرد تأثير نفسي مؤقت.
الجدل لم يتوقف عند حدود الفاعلية، انتقد البعض استخدامه لمصطلحات علمية مثل "الفيزياء الكمية"، معتبرين أنه يضفي طابعاً علمياً على فكرة لا علاقة لها بالعلم، في المقابل، دافع عنه آخرون، مؤكدين أن القيمة الحقيقية تكمن في النتائج، لا في المصطلحات.
هل التقى فعلاً بنسخة أخرى منه
هذا السؤال يبقى في قلب القصة، لا يمكن إثباته ولا يمكن نفيه بشكل قاطع من داخل تجربة ذاتية ، ما يمكن قوله بثقة هو أن التجربة كانت حقيقية بالنسبة له.
هناك فرق بين "الحقيقة الموضوعية" و"الحقيقة الذاتية" ، الأولى تحتاج إلى دليل، والثانية يكفي أن يشعر بها الإنسان، جولدمان عاش تجربته كما لو كانت لقاءً فعلياً، وهذا ما أعطاها قوتها.
لكن من منظور نقدي، يمكن النظر إلى "النسخة الأخرى" كرمز، رمز للإمكانات الكامنة، للقدرات غير المستغلة، وللصورة المثالية التي يحملها الإنسان عن نفسه.
بهذا المعنى، لم يكن يلتقي بشخص آخر، بل بجانب آخر منه.
القفز الكمي كأداة نفسية
إذا تم تجريد الفكرة من بعدها الغامض، يمكن إعادة صياغتها بشكل أبسط. الإنسان يمتلك القدرة على إعادة تشكيل ذاته من خلال الخيال الموجه. عندما يتخيل نفسه في حالة متقدمة، يبدأ عقله في البحث عن طرق لتحقيق هذه الصورة.
القفز الكمي، بهذا الشكل، يصبح تمرينًا ذهنيًا مكثفًا. بدل أن تقول "أريد أن أتحسن"، تقول "أنا أتفاعل مع نسخة متقدمة مني". الفرق يبدو بسيطاً، لكنه قد يحدث تغييراً في الدافع والسلوك.
هذا لا يعني أن كل من يجرب هذه التقنية سيصبح فناناً أو عبقرياً، لكنه يعني أن الخيال، عندما يُستخدم بوعي، يمكن أن يكون أداة قوية.
بين الحلم والوهم
تبقى المنطقة الرمادية هي الأكثر إثارة ، متى يتحول الخيال إلى أداة مفيدة، ومتى يصبح هروباً من الواقع ؟
بعض الناس قد يستخدم فكرة "العوالم الموازية" كذريعة لعدم مواجهة تحدياته الحقيقية ، بدل أن يتعلم ويجرب ويخطئ، يكتفي بتخيل نسخة مثالية، هنا يفقد القفز الكمي قيمته، ويتحول إلى وهم مريح.
في المقابل، هناك من يستخدمه كنقطة انطلاق ، يتخيل، ثم يعمل. يستلهم، ثم يطبق. في هذه الحالة، يصبح الفرق واضحاً بين من يحلم فقط، ومن يستخدم الحلم كوسيلة.
لماذا تبقى قصته حاضرة ؟
رغم كل الجدل، لم تختفِ قصة بيرت جولدمان ، ما زالت تُروى، وتُعاد صياغتها وتظهر بأسماء مختلفة، السبب لا يعود فقط إلى غرابتها، بل إلى السؤال الذي تطرحه.
ماذا لو لم تكن النسخة الحالية منك هي الحد النهائي ؟ ماذا لو كان بإمكانك أن "تقفز"، بطريقة أو بأخرى، نحو نسخة أفضل ؟
قد لا يكون الجواب في العوالم الموازية، ولا في بوابات خيالية، لكنه بالتأكيد يبدأ من الداخل، من تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يختبر حدود نفسه.
وهنا، سواء صدقنا قصة القفز الكمي أم تعاملنا معها كاستعارة، فإن أثرها يبقى قائمًا. لأنها تذكرنا بشيء بسيط، لكنه سهل النسيان: نحن أكثر مما نظن.
حين يختفي صاحب الفكرة… وتبقى الفكرة
في العشرين من مايو عام 2020، غادر بيرت غولدمان هذا العالم بهدوء يشبه إلى حد بعيد الطريقة التي تحدث بها دائماً عن العبور بين العوالم ، لم يكن رحيله صاخباً ولم تتصدر أخباره عناوين كبرى، لكن المفارقة التي يصعب تجاهلها أن الرجل الذي أمضى سنواته الأخيرة يشرح للناس كيف "ينتقلون" إلى نسخ أخرى من أنفسهم، هو نفسه قام بآخر انتقال له… هذه المرة دون عودة.
لم يترك خلفه معادلة علمية تثبت نظريته، ولا جهازاً يمكن أن يعيد التجربة في مختبر، لكنه ترك شيئًا أكثر غموضاً وأشد تأثيراً: فكرة أن الإنسان ليس محصوراً في النسخة التي يعيشها الآن، وأن هناك دائماً احتمالًا آخر، نسخة أخرى، حياة أخرى كان يمكن أن تُعاش.
بعد رحيله، لم تختفِ صوته بالكامل، بقيت تسجيلاته ودوراته وصوره التي يظهر فيها شيخاً مبتسماً بعينين تحملان يقيناً غريباً.البعض يراه مجرد مدرب تنمية بشرية بالغ في استخدام الخيال، وآخرون يرون فيه رجلاً لمس شيئاً لا نستطيع تفسيره بسهولة. لكن المؤكد أن قصته لم تُدفن معه.
قد يكون أكثر ما يثير التأمل ليس ما إذا كان قد "قفز" فعلًا بين العوالم، بل كيف تعامل مع فكرة الزمن نفسه. في عمر يتراجع فيه كثيرون إلى الخلف، قرر هو أن يتقدم إلى الأمام، أن يبدأ من جديد، وأن يتعلم مهارات لم يقترب منها في شبابه.
وكأن رسالته الأخيرة لم تكن عن العوالم الموازية بقدر ما كانت عن هذا العالم، عن الجرأة على إعادة تشكيل الذات مهما بدا الوقت متأخراً.
رحل بيرت جولدمان، لكن السؤال الذي زرعه بقي معلقاً في الهواء:
هل نحن حقاً نعيش كل ما نستطيع أن نكونه… أم أننا مجرد نسخة واحدة من احتمالات لا تنتهي ؟