في ليلة باردة من شتاء عام 1978، كانت الضواحي الهادئة لمدينة جنوا تغرق في سكونها المعتاد، قبل أن يخترق هذا الهدوء صوت مرتجف عبر جهاز لاسلكي. لم يكن الصوت مجرد بلاغ عادي، بل كان مشحوناً بذعر يصعب افتعاله، إذ كان الحارس بيرفورتو زانفريتا يصرخ بأنه يرى كائنات "ليست بشرية" ، بعد لحظات انقطع الاتصال، وكأن شيئاً ما قد انتزع الرجل من المكان نفسه.
اختفاء قصير… وعودة محمّلة بالصدمة
ما تلا ذلك لم يكن أقل غموضاً. فرق البحث التي وصلت إلى الموقع لم تعثر عليه فوراً، بل وجدته لاحقاً في حالة صدمة واضحة، بعيداً عن النقطة التي شوهد فيها آخر مرة ، لم يكن قادراً على تفسير ما حدث بطريقة متماسكة في البداية، لكن مع مرور الوقت، بدأت رواية تتشكل تدريجياً، رواية دفعت بهذه الحادثة إلى واجهة أكثر القضايا إثارة للجدل في إيطاليا.
مواجهة مع كائنات خارج المألوف
في وصفه الأولي، تحدث زانفريتا عن كائنات ضخمة تجاوز طولها ما هو مألوف للبشر (قدر أنه 3 أمتار)، ذات جلد متجعد أقرب إلى الحراشف، وعيون متوهجة تخترق الظلام ، لم يكن الأمر بالنسبة له مجرد رؤية عابرة بل تجربة كاملة سيطرت فيها تلك الكائنات على محيطه وحتى على جسده، إذ أكد أنه شعر بشلل تام، وكأن إرادته قد سُلبت فجأة ، هذه اللحظة، لحظة العجز الكامل، بدت لاحقاً كأنها مفتاح لفهم ما تلاها.
من الموقع إلى الداخل
لكن الجزء الأكثر إثارة في القصة لم يكن ما حدث في الخارج، بل ما قال إنه حدث بعد ذلك، داخل ما وصفه بأنه مركبة غير بشرية. هذه التفاصيل لم تظهر في شهادته الأولى، بل برزت لاحقاً خلال جلسات التنويم المغناطيسي، وهو ما يضعها مباشرة في منطقة حساسة من حيث المصداقية، إذ يعتمد فهمها بالكامل على الذاكرة المسترجعة تحت تأثير هذه التقنية.
داخل المركبة: فضاء بلا معالم مألوفة
وفقاً لما رواه، لم يكن الداخل يشبه أي بيئة معروفة، إذ وصف فضاء مشبعاً بضوء أبيض كثيف لا يمكن تحديد مصدره، مع أسطح ناعمة ومنحنية تخلو من الزوايا الحادة أو التفاصيل الهندسية التقليدية. لم يرَ أجهزة أو أدوات تحكم واضحة وكأن المكان ذاته يعمل بطريقة لا تعتمد على ما نعرفه من تقنيات، وهو وصف يتكرر في عدد من روايات الاختطاف، لكنه يظل بلا أي دعم مادي.
الكائنات عن قرب
داخل هذا الفضاء، أعاد زانفريتا مواجهة الكائنات نفسها، لكن هذه المرة على مسافة أقرب. وصفها بأنها متعددة، تتحرك بهدوء وثقة، وتحيط به كما لو كان موضوع ملاحظة دقيقة، في هذه المرحلة لم يعد مجرد شاهد، بل أصبح جزءاً من التجربة، عاجزاً عن الحركة، مدركاً لكل ما يحدث حوله دون أن يملك القدرة على التأثير فيه.
تواصل بلا صوت
أحد أكثر الجوانب غرابة في روايته كان طبيعة التواصل، إذ أكد أنه لم يسمع كلمات منطوقة، بل شعر بأن أفكاراً تُنقل مباشرة إلى ذهنه. لم يكن هناك صوت أو لغة، بل إدراك فوري للمعنى، وكأن الرسائل مغروسة في وعيه دون وساطة.هذه التجربة، رغم تكرارها في حالات مشابهة، يمكن تفسيرها علمياً في الأغلب كظاهرة ذهنية داخلية، خصوصاً في سياق التنويم.
ما حدث له جسدياً
عندما تحدث عن ما جرى له جسدياً، بقيت التفاصيل أقل وضوحاً، أشار إلى ما يشبه الفحص لكنه لم يقدم وصفاً دقيقاً لأدوات أو إجراءات يمكن التحقق منها. هذا الغموض جعل روايته في هذا الجانب تحديداً أقل قابلية للفحص الموضوعي، وترك الباب مفتوحاً لتفسيرات متعددة، تتراوح بين التجربة النفسية والإسقاط الذهني.
بين التوثيق والرواية: أين تنتهي الحقيقة ؟
رغم ثراء الرواية، يبقى الفارق بين ما هو موثق وما هو مجرد ادعاء واضحاً. تسجيل المكالمة اللاسلكية موجود بالفعل، وكذلك حالة الذعر التي عثروا عليه فيها، إضافة إلى شهادات عن أضواء غريبة في السماء تلك الليلة. لكن كل ما يتعلق بالمركبة وما جرى داخلها يعتمد بالكامل على أقواله، ومعظمها ظهر تحت تأثير التنويم المغناطيسي، ما يجعله خارج نطاق التحقق العلمي.
بين علم النفس والمجهول
تتباين التفسيرات بين من يرى في الحادثة تجربة نفسية معقدة بدأت بخوف حاد في بيئة معزولة، ثم تطورت إلى سردية كاملة تحت تأثير الذاكرة والتنويم، وبين من يعتقد أن تكرار عناصر مشابهة في قصص أخرى قد يشير إلى نمط غير مفهوم حتى الآن. هذا التباين هو ما أبقى القضية حيّة في النقاشات، رغم مرور عقود عليها.
في النهاية، تبقى حادثة زانفريتا حالة معلقة بين الواقع والتفسير ، ما حدث في تلك الليلة يمكن تتبعه جزئياً عبر الشهادات والتسجيلات، لكن ما يدعي أنه حدث داخل ذلك الضوء يظل خارج حدود الإثبات ، وبين هذين المستويين، تستمر القصة، لا كدليل قاطع بل كواحدة من أكثر الحكايات التي تضعنا أمام سؤال مفتوح: هل كان ما حدث تجربة داخل العقل… أم لقاء مع شيء لا نملك حتى الآن أدوات لفهمه ؟