لا تُعد القهوة في اليمن مجرد مشروب يومي صباحي، بل يعامل ككائن حي يحمل ذاكرة المكان وروحه. فمنذ قرون، ارتبطت حبوب البن اليمنية، القادمة من جبال وعرة ومزارع معزولة، بعالم خفي … عالم الجن.
لقد آمن اليمنيون أن القهوة ليست فقط وسيلة للضيافة والتواصل، بل جسر غير مرئي بين الإنسان والعوالم الأخرى. رائحتها النفاذة، وطعمها المميز، وارتباطها بطقوس جماعية وروحية، جعلها في نظرهم مادة ذات طاقة خاصة… قد تجذب الجن أو تُرضيهم.
أسطورة الاكتشاف
من اللافت أن القهوة لم تكن تُعرف باسمها الحالي في بداياتها، إذ تشير بعض الروايات إلى أنها جرى وصفها في عصور قديمة بـ"الخمر"، لا لكونها مسكرة، بل لما تُحدثه من أثر واضح في تنبيه الذهن وتغيير الحالة المزاجية، وهو ما جعلها تثير الريبة في نفوس من لم يألفها.
أما الأسطورة التي ارتبطت باكتشافها، فتُروى في أكثر من صيغة، أشهرها حكاية راع لاحظ أن ماشيته أصبحت مفرطة النشاط بعد أن أكلت ثماراً حمراء من شجرة برية. كانت الماعز تقفز وتتحرك طوال الليل على نحو غير مألوف، وكأن قوة خفية دبت في عروقها. لم يجد الراعي تفسيراً لذلك، فمال إلى الاعتقاد بأن أمراً غامضاً، وربما من عمل الجن، يقف وراء هذا التحول ، ومن ثم دفعه القلق والفضول إلى حمل تلك الثمار إلى أحد المتعبدين، حيث قوبلت في البداية بشيء من الحذر، إذ خشي البعض أن تكون مرتبطة بقوى غير مرئية أو “مسكونة” بطبيعتها. غير أن التجربة حسمت الأمر؛ فقد غُليت تلك الحبوب، فنتج عنها شراب داكن أبقى من شربه يقظاً لساعات طويلة، وكأن له تأثيراً يتجاوز مجرد الغذاء.
ومع مرور الزمن، لم تعد القصة مجرد تفسير بسيط لاكتشاف نبات جديد، بل تحولت إلى أسطورة. ففي بعض الروايات المتداولة في جنوب الجزيرة العربية، يُقال إن الجن هم من دلوا الإنسان على هذه الشجرة، أو أنهم كانوا يراقبونها ويحرسونها في الجبال. وهكذا، لم يعد اكتشاف القهوة مجرد صدفة عابرة، بل بدا في المخيلة الشعبي وكأنه سر انتقل من عالم خفي إلى عالم البشر.
الجن… حراس خفيون لحقول البن
في الموروث الشعبي اليمني، لا يُنظر إلى الجن ككيانات شريرة دائماً، بل كجيران خفيين يعيشون في الجبال والوديان وتحت أشجار البن ، إذ تحكي بعض قبائل مثل بني مطر أن الجن قد يحرسون محاصيل القهوة، ولا يسمحون بقطفها إلا لمن كان “نقي القلب”. لذلك، لم يكن الحصاد مجرد عمل زراعي، بل طقساً يتطلب احتراماً وخشوعاً ، وفي بعض القرى كان المزارعون يتمتمون بأدعية قبل بدء الحصاد، أو يتركون القليل من القهوة كقربان رمزي، وكأنهم يطلبون الإذن من تلك الكائنات غير المرئية ، وكان يُعتقد أيضاً أن رائحة القهوة تجذب الجن ليلاً، فيتجولون بين الحقول كما لو أنهم يتتبعون أثراً عطرياً لا يُقاوم.
طقوس الحصاد… بين الأرض والعالم الخفي
لم يكن حصاد القهوة في اليمن عملية عادية، بل كان محاطاً بحذر شديد. فالبذور لم تكن تُعامل كمنتج زراعي فقط، بل كـ سر ثمين يجب حمايته.
تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن اليمنيين كانوا يحرصون على منع انتشار شجرة البن خارج بلادهم، بل ويقومون أحياناً بغلي البذور قبل تصديرها حتى لا تتم زراعتها في أماكن أخرى ، هذا السلوك لم يكن اقتصادياً فقط، بل امتد ليحمل بُعداً شبه “سحري” أي حماية سر ارتبط بالأرض والهوية وربما بعهد غير معلن مع قوى خفية ، وهكذا أصبح البن اليمني شيئاً أقرب إلى “الكنز المحروس”، ليس فقط بالجبال، بل أيضاً بما نُسج حوله من معتقدات.
القهوة ... قرباناً للجن
في طقوس الزار المنتشرة في بعض مناطق اليمن مثل تعز وعدن، تلعب القهوة دوراً يتجاوز الضيافة لتصبح أداة تواصل مع الجن ، إذ يتم تحضير القهوة ممزوجة بالهيل والزعفران وأحياناً القرفة، ثم تُسكب في فناجين صغيرة وتُقدم كنوع من “القربان”. كما قد تُرش حول مكان الطقس لتطهيره، وكأن رائحتها تخلق مجالاً طاقياً خاصاً.
يُعتقد أن هذه الرائحة قد تستدعي الجن الطيبين أو تُهدئ الأرواح المؤذية. ومع الموسيقى والإيقاع والرقص، يدخل المشاركون في حالة أشبه بالغيبوبة، حيث يُعتقد أن الحدود بين العالمين تصبح أرق.
القهوة والتصوف
في صنعاء استخدم المتصوفة ، بالأخص أتباع الطريقة الشاذلية ، القهوة كوسيلة للبقاء في حالة يقظة أثناء الذكر والتأمل ، لكن الأمر لم يكن جسدياً فقط، إذ اعتقدوا أن رائحة القهوة قد تطرد الكيانات السلبية وتفتح المجال لحضور روحي أسمى. وهكذا، أصبحت القهوة في هذا السياق وسيلة “تنقية” روحية، تجمع بين الجسد والروح.
من “شراب الشيطان” إلى مشروب عالمي
عندما انتقلت القهوة من ميناء المخا Mocha في القرن الخامس عشر إلى العالم، حملت معها هذه الهالة الغامضة. وفي أوروبا، وُصفت في البداية بأنها “شراب الشيطان”، وكأن الأساطير اليمنية عن الجن رافقتها عبر البحار ، لكن سرعان ما تحولت إلى مشروب عالمي، تاركة خلفها قصص الجن لتحل محلها المقاهي والحوارات… دون أن تختفي تماماً من الذاكرة.
بين الحقيقة والأسطورة
القهوة في اليمن ليست مجرد نبات أو تجارة، بل قصة ممتدة عبر الزمن، تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة. من راع ظن أن ماشيته مسحورة، إلى مزارعين يخاطبون الجن، إلى طقوس تُقدم فيها القهوة كقربان… يتضح أن هذه الحبوب الصغيرة حملت أكثر من مجرد كافيين ، لقد كانت وربما لا تزال رمزاً لعلاقة الإنسان بالمجهول… ومحاولة لفهم عالم لا يُرى، لكنه حاضر دائماً في الحكايات.