2012-06-04

مستشفى عرقة: أطلال مهجورة أم بوابة إلى العالم الآخر ؟

مستشفى عرقة: أطلال مهجورة أم بوابة إلى العالم الآخر ؟
إعداد:  ياسمين عبد الكريم وكمال غزال

تمتلك بعض الأماكن المهجورة سمعة سيئة قد ترتبط أحياناً بماض مريب أو مؤلم فتكثر حولها الشائعات لتوصف بأنها أماكن "مسكونة " بالأشباح أو الأرواح ، ومن ثم تصبح الوجهة المفضلة لزيارة عدد من الشباب المغامرين الذين يتوقون إلى إثارة قد تتعدى في بعض الأحيان أجواء أفلام الرعب التي يشاهدونها عن تلك الأماكن ، أو يدفعهم الفضول لتقصي الحقيقة عن ما سمعوه عنها.

في أنحاء العالم، تتوارث الأجيال قصصاً عن أماكن مهجورة تحيط بها ظلال الغموض والخوف.

وفي ثقافتنا العربية، تمتزج هذه القصص بحكايات عن الجن والأرواح، لتمنح بعض المواقع المهجورة سمعة لا تخلو من الرهبة.

ومن بين هذه المواقع، برز اسم مستشفى عرقة شمال مدينة الرياض، كأحد أشهر الأمثلة على مكان يُعتقد أن سكانه الخفيين لم يغادروه قط.

ما بين أضواء غامضة، أصوات مريبة، وظهور كيانات ظلية، أصبح المستشفى أسطورة معاصرة يتناقلها الناس بين التصديق والتكذيب.

لماذا تحظى المستشفيات المهجورة بسمعة مسكونة ؟

تحمل المستشفيات طبيعة خاصة؛ فهي أماكن تجتمع فيها مشاعر الألم والخوف والأمل والموت.

يؤمن بعض الباحثين في الماورائيات أن الأماكن التي شهدت معاناة شديدة قد تحتفظ بطاقة سلبية تظل تردد أصداء الماضي، كأن لها ذاكرة خفية أو وعياً خاصاً.

في حالة مستشفى عرقة، اجتمعت طبيعة المكان مع ظروفه الغامضة لتشكل بيئة خصبة للشائعات والقصص المخيفة.

العلامات الغريبة في مستشفى عرقة

تحدث السكان والزوار عن ظواهر غير طبيعية تكررت داخل مجمع المستشفى المهجور، من بينها:

- اختلاف درجات الحرارة داخل بعض الغرف عن محيطها بشكل غير مبرر.

- انطفاء وإضاءة المصابيح بشكل متكرر رغم انقطاع الكهرباء عن المبنى.

- سماع أصوات غريبة ليلاً، أبلغ عنها سكان الحي المجاور.

- رؤية كائنات ظلية خاصة في القبو وبعض الغرف.

بل إن بعض السكان، مثل سعود الدوسري، تحدثوا عن مدى الرعب الذي يعيشه أبناؤهم ليلاً بسبب أصوات قادمة من داخل المجمع، مما اضطرهم أحيانًا لترك منازلهم واللجوء إلى شقق مفروشة أكثر أمانًا.

القصة الحقيقية وراء مستشفى عرقة

تعود القصة إلى رجل أعمال سعودي قام ببناء مستشفى متكامل بقيمة 500 مليون ريال سعودي وأهداه لاحقًا إلى وزارة الصحة قبل وفاته.

لكن خلافات بين الورثة وأحد الشركاء حالت دون تشغيله، وطالبوا بتعويضات مالية ضخمة، مما أدى إلى تعطيل المستشفى لأكثر من 26 سنة.

وأوضح الدكتور خالد مرغلاني من وزارة الصحة أن المستشفى لم يتم استلامه رسمياً، وأن بعض تجهيزاته نُقلت إلى مستشفى التخصصي.

هُجر المستشفى تدريجياً، وغادر الطاقم الطبي والإداري خلال أيام قليلة من بدء التشغيل دون توضيح الأسباب، ليبقى المبنى فارغًا وعرضة للنهب والتخريب.

مغامرات الشباب وأساطير الجن

تحوّل المستشفى إلى مسرح لمغامرات الشباب؛ حيث كان عشرات الشبان يتوافدون إليه ليلاً حاملين مصابيحهم وأسلحتهم البيضاء، يتحدون بعضهم لخوض مغامرة في ردهاته المعتمة.

وأفاد شهود بأن بعضهم خرجوا مذعورين بعد دقائق من الدخول، بينما كتب آخرون عن تجارب لم تشهد شيئاً خارقاً.

إحدى القصص المشهورة تحكي عن مجموعة زارت المستشفى، وقابلهم "حارس أمن" عند الخروج حذرهم من العودة. لكنهم اكتشفوا لاحقاً أنه لا يوجد أي حراس أصلاً !

كما أقدم بعض الشبان على حرق أجزاء من المستشفى المهجور أثناء محاولاتهم "التواصل مع الجن"، مما أعاد الجدل حول خطورة مثل هذه الأماكن، خاصة بعد وقائع مشابهة حدثت في أبها جنوب السعودية.

فرضيات تفسير الظواهر الغريبة

رغم غزارة الشهادات، إلا أن تفسير ما يحدث في مستشفى عرقة لا يزال محل جدل. هناك ثلاث فرضيات رئيسية :

1-  أسباب طبيعية وبيئية

بقايا الأجهزة الطبية المهترئة قد تبث إشعاعات أو حقولاً مغناطيسية تؤثر على أدمغة الزوار، محدثة هلوسات سمعية وبصرية.

كما أن أنابيب الغاز القديمة والأدوية المنتهية قد تطلق غازات سامة مثل أول أكسيد الكربون، المعروف بتسببه بحالات هلوسة.

2-  فرضيات مرتبطة بالماورائيات

هناك من يعتقد أن الأرواح أو الجن اتخذوا من المستشفى المهجور مقامًا لهم، سواء بشكل عفوي أو بتكليف من شخص أراد تعطيل المشروع.

وتعزز هذه الفرضية الروايات القديمة عن قبر الشيخ "عرقان"، الذي بني عليه مسجد، وما ارتبط به من حكايات عن الجن.

3- تضخيم وخيال جماعي

يرى المشككون أن معظم القصص ناتجة عن مبالغات أو تضخيم لوقائع بسيطة (مثل حركة حيوانات أو أصوات الرياح)، ساعد على انتشارها الفراغ الأمني وغياب الحراسة.

ويعتقد بعضهم أن الترويج لسمعة "المكان المسكون" يخدم أهدافاً إجرامية لإبعاد الناس والسلطات عن المبنى.

بين الحقيقة والأسطورة

سواء كان مستشفى عرقة مسكونًا حقًا أو مجرد مسرح للتخيلات الجماعية، يبقى علامة بارزة في خريطة أماكن الرعب في السعودية، وشاهدًا على كيف يمكن أن يتحول مبنى عادي إلى أسطورة متداولة بمجرد أن يتخلّى عنه البشر، ويخيم عليه الغموض.