من المسائل التي أثارت اهتمام الباحثين والمتصوفة وكتّاب السيرة التراثية مسألة: "هل كان لرسول الله ظل ؟ " ، انتشرت عبر القرون روايات تقول إن النبي (ص) لم يُرَ له ظل على الأرض، سواء في الشمس أو القمر، وأن ذلك من دلائل نوره ومعجزاته. وفي المقابل، رأى بعض العلماء أن هذه الروايات لا ترقى إلى الصحة الحديثية، وإن كانت تحمل معاني روحية سامية.
فيما يلي عرض شامل للمسألة من مصادر متعددة.
الروايات التراثية التي تنصّ على عدم وجود ظل للنبي
هذه الروايات موجودة في كتب السيرة والخصائص، لا في الصحاح. ومن أبرز من نقلها:
1- القسطلاني في “المواهب اللدنية”
ذكر في الجزء الرابع (ص 220) أن النبي ﷺ لم يكن له ظل في شمس ولا قمر. ونقله عنه الزرقاني في شرحه.
2- ابن سَبَع في “الخصائص”
قال إن النبي كان نوراً، ولذلك لا يظهر له ظل.
3- رُزين
علل المسألة بـ غلبة أنوار النبي ﷺ على نور الشمس.
4- رواية عن ذكوان مولى عائشة
نقلها الترمذي الحكيم في “نوادر الأصول” بلفظ أن النبي ﷺ «لم يكن له ظل».
5- روايات منسوبة لابن عباس وابن المبارك وابن الجوزي
ورد فيها: « لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ظل، ولم يقم مع الشمس قط إلا غلب ضوءه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج إلا غلب ضوء السراج ».
ملاحظة مهمة: هذه الأحاديث لا تصحّ من حيث الإسناد، لكنها تُذكر في سياق “الخصائص والمناقب”.
التفسير الروحي للنورانية النبوية
بغضّ النظر عن صحة الروايات، يرى المتصوفة وعلماء السلوك أن تعبير «لا ظلّ له» يحمل دلالة رمزية:
النبي نورٌ معنوي ، استناداً إلى الدعاء المعروف: « اللهم اجعل في قلبي نوراً… واجعلني نوراً » ، والنور—بصفته إشراقاً—لا يُلقي ظلاً لأنه ليس جسماً يحجب الضوء.
تكريم إلهي: قال بعضهم إن عدم وقوع ظله على الأرض تكريمٌ له كي لا يطأ الكفار ظله.
هيمنة نوره على نور الشمس والقمر
يرى رواد المدرسة الصوفية أن المقصود هو تفوق النور المعنوي للنبي على كل نور آخر.
لا يلزم من النور عدم الظل ، وهذه نقطة أشار إليها الشيخ عطية صقر—كما سنذكر لاحقاً—بأن " كونه نوراً لا يتحتم ألا يكون له ظل"؛ فالنور هنا نور الهداية لا نور الطبيعة.
رأي العلماء المحققين
فتوى الشيخ عطية صقر – مايو 1997 ، سُئل رحمه الله عن صحة قول: "لم يكن للنبي ظل"، فأجاب: هذه الأقوال نُقلت في كتب السيرة مثل (المواهب اللدنية) ، لا يوجد نص صحيح قاطع من القرآن أو الحديث المعتمد يثبت ذلك ، الرواية لا تُخالف العقيدة، لكن لا دلالة قطعية عليها ، قد تكون كرامة إن ثبتت، لكن لم يثبت بها حديث صحيح.
ثم ختم بقوله: “ليس هناك ما يمنع تكريماً للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنّ كونه نوراً للعالمين برسالته لا يقتضي بالضرورة عدم وجود ظلّ مادّي.”
آراء محدثين معاصرين
- الشيخ الألباني: لا أصل صحيح للرواية.
- شعيب الأرناؤوط: لم يصح منها شيء.
- ابن عثيمين: “لم يثبت، ولو كان صحيحاً لكان من أشهر خصائصه.”
لماذا انتشرت الرواية إذن ؟
رغم ضعف إسنادها، انتشرت القصة لأسباب عديدة:
- حب المسلمين للنبي ﷺ ورغبتهم في تعظيمه.
- النصّ القرآني: «سِرَاجاً مُنِيراً» جعل الكثيرين يفهمون النورانية على حقيقتها الحسيّة.
- تشابه رمزي مع ما يجري في فنون المسيحية حيث تُرسم هالة نورانية حول الأجساد المقدّسة.
- التصوف الإسلامي الذي يتعامل مع صفات النبي (ص) بروحانية عالية.