2008-11-27

مثلث برمودا وحوادث الاختفاء

مثلث برمودا - حوادث الإختفاء
إعداد :  كمال غزال

في شمال غرب المحيط الأطلسي، بين نقاط فلوريدا وجزر برمودا وبورتو ريكو، تمتد منطقة بحرية شهيرة تُعرف باسم مثلث برمودا، أو كما يسميها البعض مثلث الشيطان. لا تحمل هذه الرقعة من المحيط أي علامات مرئية تميزها، ومع ذلك فقد تحولت إلى واحدة من أكثر المواقع إثارة للجدل والغموض في التاريخ الحديث، نظراً لما شهدته من حوادث اختفاء مفاجئة وغامضة لعشرات الطائرات والسفن على مرّ العقود، دون أن يُعثر على حطام أو ناجين في معظم الحالات.

ومنذ أن نُشرت أول مقالة عن هذا الموضوع في مجلة Argosy عام 1964 بقلم الكاتب "فنسنت غاديز"، بدأت الأساطير تحوم حول هذا المكان وتثير اهتمام الباحثين والصحفيين وهواة الغموض في أنحاء العالم. ولعل ما زاد الأمر تعقيداً هو تباين الروايات حول حدود هذا المثلث، مما جعل كل باحث يرسم خريطة خاصة به وفقاً لنمط الحوادث التي يدرسها.

فرضيات تثير الجدل

تعددت النظريات التي تحاول تفسير الظواهر الغريبة في تلك المنطقة، فهناك من ربطها بنشاطات الكائنات الفضائية، وادعى أن الأطباق الطائرة تستخدم المثلث كبوابة بين العوالم. بينما ذهب آخرون إلى الاعتقاد بأن هناك حضارة متقدمة مفقودة تحت المحيط، قد تكون آثار قارة أطلانتس الأسطورية. وتفسيرات علمية أخرى أرجعت السبب إلى وجود تركيزات عالية من غاز هيدرات الميثان في قاع البحر، والذي قد يؤدي إلى تقليل كثافة الماء فجأة وغرق السفن.

أما المتشككون، فيردّون كل ذلك إلى تفسيرات منطقية: أعطال تقنية، أو سوء أحوال جوية، أو أخطاء بشرية. وقد أكدت حكومة الولايات المتحدة أكثر من مرة أن معدلات الحوادث في منطقة مثلث برمودا لا تختلف عن باقي مناطق الملاحة البحرية والجوية من حيث النسبة، ولم تعترف رسمياً بوجود منطقة بحدود واضحة تُدعى "مثلث برمودا".

حين دوّن كولومبوس أول إشارة للخطر

يعود أول توثيق غربي لما يحدث في هذه المنطقة إلى الرحالة كريستوفر كولومبوس خلال رحلته الأولى إلى العالم الجديد. في مذكراته، ذكر كولومبوس أنه رأى أضواء غريبة متراقصة عند الأفق، ولهباً يشق السماء، كما لاحظ اهتزازات غير طبيعية في البوصلة على الرغم من صفاء الجو. ما رآه قد لا يكون قابلاً للتفسير حتى اليوم، لكنه كان نذيراً لما سيأتي لاحقاً من غرائب واختفاءات.

أبرز حوادث الاختفاء في مثلث برمودا

1- سرب الطائرات Flight 19 – 1945

تُعد حادثة Flight 19 الأكثر شهرة وغموضاً، حيث اختفى سرب كامل مكوّن من خمس طائرات حربية من نوع TBM Avenger خلال تدريب روتيني في 5 ديسمبر 1945. جميع الطيارين كانوا من ذوي الخبرة، وكان الطقس جيداً، لكنهم أبلغوا عن خلل غريب في البوصلات وعدم تمييزهم لمعالم الأرض أو البحر، قبل أن ينقطع الاتصال بهم نهائياً. وقد اختفت أيضاً طائرة الإنقاذ التي أُرسلت لتعقبهم! وفي تقرير البحرية، ذُكر أن الحادثة نُسبت إلى "أسباب غير معروفة"، مع شائعات عن تدخل أم قائد السرب لتجنب لوم ابنها، مما زاد الغموض.

2- اختفاء USS Cyclops – 1918

واحدة من أكبر الكوارث البحرية في تاريخ البحرية الأمريكية، فقدت سفينة الشحن الضخمة يو إس إس سايكلوبس وعلى متنها 309 أشخاص دون إرسال أي نداء استغاثة. كانت في طريقها من البرازيل إلى بالتيمور، واختفت دون أن يُعثر على أثر. لم يكن هناك عواصف، ولم يُكتشف الحطام حتى اليوم.

3- اختفاء طائرة ستار تايغر – 1948

اختفت طائرة الركاب البريطانية "ستار تايغر" التابعة لشركة الخطوط الجوية البريطانية أثناء رحلتها من جزر الأزور إلى برمودا وعلى متنها 31 راكباً. كانت في تواصل مستمر مع برج المراقبة، وفجأة اختفت من الرادار دون أي رسالة تحذيرية، ولم يُعثر على أي أثر لها.

4-  رحلة طائرة ستار إيريل – 1949

بعد عام واحد فقط من حادثة ستار تايغر، اختفت طائرة ستار إيريل في ظروف مشابهة تماماً، وهذه المرة أثناء توجهها إلى كينغستون، جامايكا. 37 شخصاً كانوا على متنها، ولم يُعثر على حطام أو ناجين.

5- اختفاء طائرة DC-3 – 1948

في ديسمبر 1948، أقلعت طائرة Douglas DC-3 من سان خوان في بورتو ريكو باتجاه ميامي وعلى متنها 32 شخصاً، لكنها اختفت فجأة دون إرسال أي إشارة استغاثة. كانت على بعد 80 كم فقط من ميامي عندما فقدت!

نهاية مفتوحة

رغم مرور أكثر من قرن على أولى هذه الحوادث، ما زال مثلث برمودا يشكل لغزاً محيراً يقف عنده العلم حائراً، وتستمر الروايات في التراكم بين التفسير العلمي، والاحتمال الأسطوري، والخوف المزمن من أماكن "لا عودة" في عالمنا.

فهل نحن أمام بوابة خفية للعوالم الأخرى؟  أم أن الأمر لا يتجاوز سلسلة من المصادفات والظروف الطبيعية القاسية؟ يظل مثلث برمودا مرآة لفضول الإنسان الذي لا يرتوي، وغموض الطبيعة الذي لا يُفسر.