2008-10-19

ما وراء الطبيعة بين علم النفس والدين والباراسيكولوجي

ما وراء الطبيعة - علم النفس والدين والباراسيكولوجي
إعداد : كمال غزال

هل كل ما نراه من ظواهر غريبة ،  من أصوات مجهولة المصدر، أو رؤى لا تفسير لها، أو مشاعر مباغتة بالحضور الخفي ،  مجرد خيال، أم أنها نوافذ إلى عوالم أخرى ؟

منذ فجر التاريخ، واجه الإنسان تجارب لم يجد لها تفسيراً في حدود إدراكه الحسي أو العلمي، وسعى لتأويلها حسب معتقداته وثقافته ومعارفه العلمية. واليوم، تتعدد وجهات النظر حول تلك الظواهر التي تُعرف بما يُسمى بـ الظواهر ما وراء الطبيعية، وتتنازعها ثلاث مدارس فكرية رئيسية: علم النفس، علم ما وراء النفس (الباراسيكولوجي)، والدين.

1-  وجهة نظر علم النفس: بين الهلوسة والتفسير العقلاني

يرى علماء النفس أن كثيرًا من الظواهر الخارقة تعود في جوهرها إلى اضطرابات عقلية أو انفعالية، لا إلى كائنات غير مرئية أو أرواح.

فمثلًا:

سماع صوت طرقات على السقف قد يكون نتيجة ذبذبات منخفضة التردد تصدر عن مروحة شبه معطلة أو ضوضاء إلكترونية، وقد أثبتت الدراسات أن بعض الترددات المنخفضة (مثل 19 هرتز) تؤثر في العصب البصري وتسبب شعوراً بالقلق أو "رؤية خيالات".

الهستيريا الجماعية تُفسر أحياناً ما يبدو كظواهر "مسكونة" حين تتشارك مجموعة من الأفراد في مخاوف متصاعدة، ما يؤدي إلى إدراكهم المتطابق لأصوات أو أحاسيس غير موجودة فعلياً.

أما التلبس الذي يُفسَّر دينياً بأنه من الجن، فيرى الأطباء النفسيون أنه قد يكون نتيجة اضطراب انفصام الشخصية Schizophrenia، خاصة إذا صاحبه هلوسة سمعية وبصرية وشعور بوجود كيان داخلي يتحكم في الشخص.

هذه النظرة تُعد الأكثر ماديةً ومرتكزة على مبدأ أن كل شيء يمكن تفسيره بآليات الدماغ أو البيئة النفسية. لذا فهي مقبولة عند التيارات العقلانية أو الإلحادية.

2-  وجهة نظر علم ما وراء النفس (Parapsychology): إشارات من عالم موازٍ

علم ما وراء النفس، أو الباراسيكولوجي، لا يرفض الظواهر، بل يسعى لدراستها بشكل منهجي. ويعدها نتاج طاقات غير مدروسة بعد، كالطاقة الكهرومغناطيسية أو "الطاقة النفسية" ، وفقاً لهذه المدرسة :

- ما يُعرف بـ"الأماكن المسكونة" قد يكون نتيجة مجال كهرومغناطيسي باقٍ من شخص فارق الحياة هناك، ويُرصد أحيانًا باستخدام أجهزة قياس مثل EMF Meter.

- بعض الأشخاص يملكون شفافية عالية (High Sensitivity)، ويُطلق عليهم "الوسطاء" Mediums، حيث يمكنهم التقاط هذه الإشارات أو "صدى الذاكرة الطاقيّة".

- الجلسات التي تُعرف بتحضير الأرواح ليست اتصالًا بأرواح الموتى بالمعنى الديني، بل تواصلاً مع أثر طاقي أو بصمة شعورية تركها الشخص، تشبه "التسجيلات" التي يعيد المكان تشغيلها في ظروف معينة.

- ويُستخدم في هذا السياق تقنيات مثل التصوير بالأشعة تحت الحمراء، تسجيلات EVP (ظواهر الصوت الإلكتروني)، ولوح الويجا.

علم الباراسيكولوجي لا يجزم أن ما يُرصد هو روح أو جن، بل يعترف بوجود مجال غامض يستحق الدراسة، وقد يكون خطوة لفهم طبيعة الزمن أو الأبعاد المتداخلة.

3-  وجهة النظر الدينية: ما لا يُرى تسكنه مخلوقات لها إرادة

في المنظور الإسلامي، تُعزى غالبية هذه الظواهر إلى الجن، وهم مخلوقات خُلقوا من نار، يعيشون بيننا في بعد غير مرئي، وقد يتداخلون معنا لأسباب تتفاوت بين الأذى والفضول ومن أبرز المفاهيم:

- الجن يُعرفون في بعض السياقات بـ "عمار المكان"، أي الكائنات التي تسكن البيوت المهجورة أو التي تُرتكب فيها ذنوب متكررة.

- بعض الظواهر المرتبطة بشخص متوفى، يُفسرها الإسلام بأنها ليست "روحه"، بل ما يُعرف بـ "القرين" :  مخلوق من الجن يولد مع الإنسان ويلازمه حتى مماته، ويحمل من صفاته وذكرياته، وقد يظهر بعد وفاته.

- جلسات استحضار الأرواح تُعد في الإسلام باباً للتعامل مع الجن، لا مع أرواح الموتى، وتفتح الباب لاتفاقات غير شرعية بين الإنس والجن (التمجيد لغير الله، أو طقوس فيها شرك وسحر).

- الرؤية الإسلامية لا تنكر وجود الظواهر، لكنها تُحمّلها بُعدًا أخلاقيًا وروحيًا، إذ ترى أن التعامل مع هذه القوى يتطلب حذرًا كبيرًا لأنه قد يقود إلى الاستعباد أو الإضلال.

ظاهرة واحدة في ثلاث عدسات

بين من يرى في الظواهر الماورائية عرضاً نفسياً، ومن يدرسها كـطاقة باقية من بُعد غير منظور، ومن يفسرها بـوجود كيانات خفية ذات نوايا وأهداف، يبقى المؤكد أن ما وراء الطبيعة مساحة خصبة لفهم النفس والكون والمعتقدات.

وإن كان الغرب قد فتح هذه الملفات بجرأة بحثية في الجامعات والمخابر، فإن ثقافتنا العربية لا تزال حبيسة الترفيه أو التهيّب. وربما آن الأوان لنفكر من جديد:

هل نظرتنا لهذه الظواهر هي نتاج يقين ؟ أم خوف ؟ أم غياب للمنهجية ؟