22 سبتمبر 2019

Textual description of firstImageUrl

العلم والماورائيات : هل يمكنك أن تثق بعقلك ؟

إعداد : كمال غزال
للعلم عادة نظرة متشككة عندما يتصل الأمر بمناقشة الأرواح والمخاوف حولها ،  فإذا لم تكن الأشباح مسؤولة عن الامور الغريبة التي تحصل في الأماكن المسكونة فما عساه أن يكون ؟ ،  على الرغم من أن الباحثين قد بحثوا في قائمة المتهمين المتسببين بها مثل الحقول الكهرومغناطيسية والامواج تحت السمعية  ، إلا أن المصدر الرئيسي لها هو العضو الكائن بين أذنينا.


البحث عن الأشباح في الصوت
أحد التفسيرات المعقولة الأماكن المسكونة هو أن الناس يستجيبون لشيء ما في الوسط المحيط - لكن هذا "الشيء"  هو أمر دنيوي أكثر من كونه أرواح لا تهدأ.

الجاني المحتمل هو الامواج تحت السمعية ، أو الأصوات التي هي أقل بدرجة ضئيلة من عتبة السمع البشرية هو 20 هرتز ،  ففي عام 1998 انضم (فيك تاندي) هو باحث في جامعة كوفنتري في إنجلترا مع زميله البروفسور (توني لورانس)  لكتابة ورقة بحث تستند إلى تجارب (تاندي) الشخصية في متجر لتصنيع الأجهزة الطبية.

ففي بعض الأحيان أبلغ الموظفون عن أحاسيس مخيفة وهواجس بحضور شيء ما في الغرفة ؛ رفض (تاندي) كل هذا حتى مرور ليلة حينما بدأ يشعر بالبرد والوحشة وبعد تحققه من عدم تسرب أي من زجاجات الغاز الطبية ، جلس إلى مكتبه فرأى شيئاً رمادي اللون يظهر عند طرف عينه . عندئذ أتته الشجاعة للنظر مباشرة في هذا التجسد الشبحي فتلاشى على الحال.

وقادت تجربة لاحقة لـ (تاندي) أثناء قطع المعدن إلى تساؤله فيما إذا كانت طاقة الصوت مسؤولة عن حدوث تجارب لا تفسير لها له ولفريقه . لكن بعد إيقاف تشغيل مروحة معينة في المبنى اختفت "الأشباح" كما كتب الباحثون عام 1998 في مجلة الجمعية للبحوث النفسية.

إثبات هذه الفكرة كان أكثر صعوبة. فالعديد من الأشياء تصدر أمواج تحت سمعية ، من صرير مكيفات الهواء إلى الزلازل. وفي إحدى التجارب استخدم الباحثون مولدات صوت تحت سمعية مخفية خلال القيام بجولات تقفي الأشباح في ماري كنج كلوس وهو زقاق ضيق في إدنبرة ، المملكة المتحدة. أصبح الآن تحت الأرض ، ولكن خلال القرن الخامس عشر كان عبارة عن سلسلة من الأزقة الضيقة والممرات التي تتخلل المباني العالية؛ وتروي أسطورة محلية عن ضحايا الطاعون الذين حشروا في الجدران. وخلال فترة مهرجان شبح المدينة في عام 2007 تم تعريض بعض المجموعات السياحية إلى الأمواج تحت السمعية دون علمهم أثناء تجوالهم في هذه الممرات الموحشة.

وكشفت النتائج عن عدم وجود اختلاف في عدد الأشخاص الذين أبلغوا عن تجربة ماورائية بين أولئك الذين تعرضوا للأمواج تحت السمعية أو للضوضاء المحيطة وأولئك الذين لم يتعرضوا لها ،  ومع ذلك فإن المجموعات التي تعرضت للأمواج تحت السمعية  أبلغت عن عدد أكبر من التجارب الماورائية ، ومع المزيد من حالات الإبلاغ عن هذه التجارب المتعددة وفي الوقت ذاته أفاد الباحثون في نتائجهم الأولية أن 20 في المائة من الأشخاص الموجودين في المجموعات دون السمعية شعروا بارتفاع درجات الحرارة خلال جولاتهم ، مقارنة بـ 5 في المائة فقط في مجموعة الضوضاء المحيطة.

وهذا لم يكن دليلاً كافياً لفكرة أن الأشباح والغول مجرد أمواج تحت سمعية ؛ففي العادة يبلغ الناس في المنازل المسكونة عن بقع باردة وليس شعوراً بالدفء المفرط.  كما أنه لم يكن واضحاً لماذا تؤدي الموجات تحت السمعية إلى زيادة في التجارب المرعبة لكل شخص  من دون زيادة في الأشخاص الذين يبلغون عن تجارب مرعبة.

قشعريرة مكهربة
التفسير الطبيعي الآخر للأشباح هو الطاقة الكهرومغناطيسية. قد لا تحيط الأرواح بنا لكن من المؤكد أن الحقول الكهرومغناطيسية المولدة بواسطة خطوط الكهرباء والأجهزة الإلكترونية تفعل ذلك . فهل يمكن للإلكترونيات أن تطلق " أحاسيس شبحية" ؟

تشير بعض التجارب الصغيرة إلى أن المجالات الكهرومغناطيسية قد يكون لها هذا التأثير. ففي عام 2000 ، استخدم عالِم الأعصاب المعرفي (مايكل بيرسنجر) من جامعة (لورنتين) في كندا وزملاؤه الحقول المغناطيسية لتحفيز دماغ رجل يبلغ من العمر 45 عاماً أبلغ عن تجارب شبحية سابقة ؛ لقد تمكنوا مع الحقول المغناطيسية من "استحضار" مظهر مشابه لما شاهده الرجل قبل سنوات والتي ترافق مع نفس الشعور بالخوف  حسبما أفاد الباحثون في مجلة المهارات الحسية والحركية.

في العام التالي وفي نفس المجلة ، تحدث (بيرسنجر) وزملاؤه عن الحالة الغريبة لفتاة مراهقة قالت إن الروح القدس قد أحبلتها وبأنها شعرت بحضور طفل غير مرئي عند كتفها الأيسر.  وكتب الباحثون أن الفتاة عانت من إصابة في الدماغ في وقت مبكر من حياتها ، لكن الصدمة لم تكن السبب الوحيد لهذه "الزيارة الدينية" فإلى جانب سرير الفتاة كانت هناك ساعة كهربائية تولد نبضات مغناطيسية مماثلة لتلك المستخدمة لتحفيز نوبات الصرع في الفئران وبمجرد إزالة الساعة اختفت الهواجس تلك. ويزعم بيرسنجر وزملاؤه أن بعض الناس معرضون بشكل خاص لإعاقة عمل الفص الصدغي والذي يحدث عندما يكون الدماغ منشغلاً في جمع المعلومات.

يقول (كريستوفر فرينش) وهو عالم نفسي في كلية جولدسميثز بجامعة لندن والذي يبحث في جذور التجارب الماورائية : "إن المرضى الذين يخضعون لجراحة الدماغ يكشفون عن مدى أهمية الفص الصدغي في تجارب الواقع ، وإنه عندما يحفز الجراحون ذلك الجزء من الدماغ حيث يلتقي الفص الصدغي والجداري - وهو الجسرالصدغي - يمكنهم فعلياً تشغيل وإيقاف تجربتهم خارج جسدهم ".


داخل رأسك
لم يجد (فرنش) وزملاؤه دليلاً يذكر على أن الامواج تحت السمعية والحقول الكهرومغناطيسية قادرة على تفسير الظهورات الشبحية.  لقد حاول هو وفريقه صنع "مكان مسكون" علمياً من خلال بناء غرفة يتعرض فيها المشاركون لمدة 50 دقيقة من الامواج تحت السمعية والمجالات الكهرومغناطيسية المعقدة ، سواء إحداهما أو كلاهما معاً ، ثم أبلغ المشاركون عن الأحاسيس التي مروا بها خلال فترة وجودهم في الغرفة.

أبلغ غالبية الناس عن نوع من الغرابة خلال التجربة: إذ قال حوالي 80 في المائة بإنهم شعروا بالدوار ، وقال نصفهم أنهم شعروا أنهم كانوا يدورون و 23 في المائة شعروا بالانفصال عن أجسامهم ، وفقاً لما أفاد به الباحثون في عام 2009 في مجلة كورتكس. والجدير بالذكر أن 23 في المائة قالوا إنهم شعروا بحضور شيء ما،و 8 في المائة شعروا برعب شديد.

من المؤكد أن بعض هذه التجارب تحاكي شعور تجربة المكان المسكون. وتجارب أخرى لا تفعل كثيراً  (على سبيل المثال 5 بالمائة من المشاركين أبلغوا عن إثارتهم الجنسية ). ولكن عندما قام الباحثون بتحليل البيانات أدركوا أنه لا يهم أي حالة تجريبية كان المشاركون فيها ، لم يحدث هذا فرق إذا كانت الحقول الكهرومغناطيسية شغالة أو متوقفة أو ما إذا كانت الموجات تحت السمعية ترتفع شدة  ، ومع ذلك وجدوا أن المستويات الفردية من الإيحاء في المشاركين أثرت على النتائج.

وقال فرنش : " التفسير الأكثر إثارة للبساطة هو فقط إذا قلت لأشخاص محتملين : " اذهبوا هنا وقد تعيشون بعض التجارب الغريبة ".

يدل عمل (فرنش) أن السبب الحقيقي وراء ظواهر الأماكن المسكونة قد يكون ببساطة العقل البشري. ففي إحدى الدراسات التي نُشرت في عام 1996 في مجلة " الإدراك الحسي والمهارات الحركية " طُلب من مشاركان تدوين ما يحصل معهم في مفكرة عن أي نشاطات لـ "الأشباح الضاجة" في منزلهما طوال شهر ، حيث بدأا فجأة في رؤية دليل على وجود روح شريرة محتملة في كل مكان.  وفي ورقة لاحقة في نفس المجلة افترض الباحثون في الدراسة أن أحداث "الأماكن المسكونة" تحصل لأن الناس يسيئون فهم الأحداث الغامضة ويعتقدون أنها  خارقة للطبيعة ثم يصبحون مستعدين للبحث عن المزيد من الأشياء الغريبة. 

يمكن أن تساعد سمات معينة في الشخصية في جعل بعض الأشخاص ينسبون ارتطام ما في الليل إلى شبح أو غول. ووجد استطلاع للرأي نشرته جامعة تشابمان في كاليفورنيا مؤخراً أنه كلما كان الشخص أكثر خوفاً عموماً زاد احتمال اعتقاده بالخوارق. ووجدت دراسة أخرى نشرت على الإنترنت في مجلة الوعي والإدراك في أغسطس 2013 ، أن المؤمنين بالخوارق هم أكثرعرضة للإيمان بوهم  كيان  وراء هذا الحدث.

استندت هذه الدراسة إلى نظرية مفادها أن الناس قد تطوروا لرؤية أنماط لا وجود لها كما قال الباحث في الدراسة (ميشيل فان إيلك) عالم نفسي بجامعة أمستردام. : " تخيل أنك تمشي في الغابة ليلاً وتسمع حفيف الأشجار،  هل تستمر أم تهرب؟ إذا استمريت فقد تتعرض للهجوم وإذا هربت فلن يحدث أي ضرر ".

يشير المنظرون التطوريون إلى أن هذا الميل لإسناد الأحداث إلى كيان قد يفسر المعتقدات في الأشباح والملائكة والشياطين وحتى الله (كما يدعون). ولإختبار هذه الفكرة ذهب (ميشيل فان إيلك)  إلى شارع تنتشر فيه عروض الوسطاء الروحانيين وطلب من المؤمنين بقدرات هؤلاء الوسطاء مشاهدة الرسوم المتحركة على جهاز الكمبيوتر وهي عبارة عن نقاط ضوء متحركة وتم ترتيب بعض النقاط لتبدو وكأنها لشخصية عصوية غير مرئية تمشي بينما انتقلت النقاط الأخرى عشوائياً. وطلب من المشاركين تحديد ما إذا كانت النقاط تتحرك بشكل عشوائي أو ما إذا كان هناك شيء متعمد (شخص يمشي) وراء الحركة.  وفي بعض الحالات تمت إضافة نقاط راقصة إضافية لإخفاء النقاط العشوائية أو المتعمدة ، مما يجعل المهمة أكثر صعوبة.

كان كلاً من المؤمنين بالخوارق وغير المؤمنين أيضاً بارعين في تحديد الفرق بين حركة النقاط المتعمدة وحركة النقاط العشوائية وكانت القدرة على التمييز واضحة.  لكن في الحالات الأكثر غموضاً أو إرباكاً كان لدى الأشخاص الذين يؤمنون بالخوارق إنحياز إلى تقديم تفسير ينطوي على شيء موضوع لغاية (متعمد) أكثر من غير المؤمنين.

ويقول( فان إلك)  : " حتى عندما تكون النقاط تتحرك بشكل عشوائي فقط  فإن المؤمنين يقولون بأنهم رأوا شخصية بشرية تتحرك في النقاط ". 

تشير هذه الدراسة إلى أن الوقوع فريسة لوهم الوكالة يمكن أن يفسر الإعتقاد في الخوارق. وبهذا يمكن بسهولة إساءة فهم مرور تيار هوائي في منزل قديم أو صرير خشب بإعتباره شبحاً. ويقول (فان إلك) : "  ليس من الواضح بعد إذا كان هذا التحيز الوهمي في الوكالة وراثياً أم مكتسباً  ".

ويضيف : " لا يزال هذا أحد التحديات الرئيسية في هذا المجال معرفة ما إذا كان من الممكن الخروج بدراسة جيدة لمعرفة ماهية ذلك الجزء الموروث في القصة وما هو الجزء المكتسب فيها ؟ " 

عيناك اللتان تكذبانك
في الواقع ، من الصعب معرفة مقدار الثقة في تقارير الناس عن تجاربهم.  ففي متابعة لم يتمكن (فان إيلك) من تكرار دراسته لعام 2013.  فهو يشك في أن السبب يرجع إلى كون المشاركين المؤمنين أكثرتلهفاً للإرضاء من مجموعات أخرى من الناس. بمعنى آخر قد لا يكونان يهلوسون بشكل شخص ضمن النقاط المتحركة على مستوى الإدراك الحسي. بدلاً من ذلك ، يمكن أن يقوموا بتفسير المعلومات بسخاء مفرط من أجل تلبية ما يعتقدون أنه توقعات المجرب.  يقول (فان إلك) : " إن الأمر لا يعني أنهم يكذبون لكن  يبدو تفسيرهم حقيقياً لهم كإدراك حقيقي. إنه مجرد خطأ ينشأ عند مستوى مختلف من معالجة الدماغ ". 

المشكلة النفسانية ليست الدليل الوحيد الذي يشير إلى أن الناس يبالغون في تقدير ثقتهم، ففي إحدى الدراسات ، جعل (فرنش) وفريقه المشاركين يشاهدون شريط فيديو عن نفساني يفترض أنه يحني مفتاح معدني بعقله. وفي بعض إصدارات التجربة ، اختتم النفساني (وهو في الواقع لاعب خفة) بوضع المفتاح على الطاولة والقول: "إذا نظرت عن كثب ، يمكنك أن ترى أنه لا يزال ينحني".

مع أن المفتاح لم يكن ينحني إلا أن 40 في المئة من الناس الذين سمعوا الإيحاء اللفظي بأنه كان ينحني ذكروا أنه يتحرك وعلى النقيض من ذلك لم يقل أي شخص في المجموعة التي لم تسمع بالإيحاء اللفظي إنه قد تحرك.

وتعدد الشهود لا يجعل التقرير أكثر تصديقاً بالضرورة.  أي عندما يقول شخص آخر في الغرفة أنه شاهد المفتاح يتحرك بعد سماع إيحاء النفساني بأنه ما زال ينحني فإن نسبة الأشخاص الذين قالوا إنهم رأوا أن الحركة قفزت من 40 في المائة إلى 60 في المائة ، على حد قول (فرنش). وقال "إذا كان لديك شاهد واثق للغاية إلا أنه في الواقع غير دقيق يمكن له أن يؤثر على ذاكرة الشهود الآخرين".

يقول فرنش : " توصلت الدراسات إلى أن الأشخاص الذين لديهم معتقدات عن الخوارق أو الماورائيات يميلون إلى أن يكون لديهم خيالات خصبة بشكل خاص ويميلون إلى الانخراط بسهولة في المهام.  كما أنهم أكثر عرضة إلى الذكريات الخاطئة فوق المعدل. على سبيل المثال ، قد يقول الأشخاص المعرضون لذكريات كاذبة إنهم يتذكرون بوضوح أين كانوا ومن كان معهم عندما شاهدوا شريط فيديو عن تفجير ملهى ليلي في بالي أندونيسيا  عام 2002. إلا أن هذا التفجير لم يتم تسجيله بالفيديو مطلقاً ".

ويقول (فرنش) : " من المحتمل أن ما يفعلونه هو أنهم يتذكرون الوقت الذي تخيلوه فيه. وعندما يتخيلون شيئاً ما فإن الأمر يشبه إلى حد كبير الشيء الحقيقي - ربما أكثر مما سيكون عليه الأمر بالنسبة إلى أمثالي - إنهم على الأرجح يصنعون ذاكرة زائفة".

بمعنى آخر ، قد يكون التفسير المحتمل للأشباح والأرواح أكثر رعباً من الأشباح الفعلية: إذ لا يمكنك حتى أن تثق في عقلك !


0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .